حينَ نَذْكُرُ الرِّوايةَ الفِلَسْطينيَّةَ، فإنَّنا نُطِلُّ على مَشْهَدٍ مَفْعَمٍ بالتِّيهِ، والشَّتاتِ، والمَوْتِ، والدَّمِ، والحُبِّ، والحَنينِ، والتَّضْحيةِ، والبَحْثِ عن النَّموذَجِ، وهذا المَشْهَدُ مَدْعومٌ بِفِكْرَةِ وِسْعِ الكَوْنِ، وهي الهُوِيَّةُ، التي تَكادُ أنْ تَكونَ المِحْوَرَ الرَّئيسَ، الذي تَمورُ فيهِ الأَحْداثُ والأَفْكارُ، وتَتَشَكَّلُ فيهِ الشَّخوصُ وتَنمو، وذِكْرُ الهُوِيَّةِ يَعْني ذِكْرَ الوَطَنِ، الذي هو فِلَسْطينُ التَّاريخيَّةُ. وأنا لَمْ أَقَعْ على رِوايةٍ واحِدَةٍ تَتَحَدَّثُ عن وَطَنٍ بَديلٍ، أو حَلِّ الدَّوْلَتَيْنِ، أو الدَّوْلَةِ الواحِدَةِ، كُلُّها تُؤْمِنُ بالوَطَنِ الواحِدِ، وهذا مَلْمَحٌ رَئيسٌ للرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ.
الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ مُنْذُ رِوايةِ (مُذَكَّراتِ دَجاجَةٍ) لِلأَديبِ إِسْحاقَ موسى الحُسَيْني، التي صَدَرَتْ لأَوَّلِ مَرَّةٍ في العامِ 1943، وقدَّمَ لها الأَديبُ طَهْ حُسَيْن، ويَعُدُّها المُؤَرِّخونَ الرِّوايةَ الرَّائِدَةَ، حتَّى رِوايةِ الأَسيرِ باسِمِ خَنْدَقْجي، وعُنوانُها (قِناعٌ بِلونِ السَّماءِ)، التي فازَتْ بِجائِزَةِ الرِّوايةِ العالَميَّةِ، البوكِر 2024، هو تاريخٌ لِلْفِكْرِ الأَدَبيِّ والسِّياسيِّ والفِكْريِّ الفِلَسْطينيِّ، وتاريخٌ لِلْحُلْمِ أَيْضًا، ونَجَحَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ في نَحْتِ مَكانَةٍ لها في السّاحَةِ الأَدَبيَّةِ العَرَبِيَّةِ والعالَميَّةِ، وحقَّقَتْ إِنْجازاتٍ إِبْداعيَّةً كَثيرةً. ومُؤَخَّرًا، حَقَّقَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ إِنْجازاتٍ مُهِمَّةً في جائِزَةِ كَتارا الأَدَبيَّةِ القَطَرِيَّةِ 2025، إِذْ فازَتِ الأَديبَةُ رُولا غانِم في فِئَةِ الرِّوايةِ المُنْشورَةِ عن رِوايتِها (تنهيدة حُرِّيَّةٍ)، وفازَتِ الأَديبَةُ الغَزِّيَّةُ مَريم قوش في فِئَةِ الرِّواياتِ غَيْرِ المُنْشورَةِ عن رِوايةٍ (حُلْمٌ على هُدْبِ الجَليلِ)، وفازَ أَيْضًا الكاتِبُ الفِلَسْطينيُّ مُحَمَّد جُبْعَيْتي عن رِوايتِهِ (الطَّاهي الذي الْتَهَمَ قَلْبَهُ). وبِذلِكَ تَكونُ فِلَسْطينُ من أَكْثَرِ الدُّوَلِ حُضورًا في هذهِ الدَّوْرَةِ. وكانَ الرِّوائيُّ رُبْعي المُدْهون قدْ فازَ بِجائِزَةِ الرِّوايةِ العَرَبِيَّةِ (البوكِر) في العامِ 2016، عن رِوايةٍ (كونشِرْتو الهولوكوست)، وقَبْلَ ذلكَ فازَ إِبْراهيم نَصْرَ الله بِأَكْثَرَ من جائِزَةٍ، وقَبْلَهُ الرِّوائيُّ والشّاعِرُ والمُفَكِّرُ د. جَبْرا إِبْراهيم جَبْرا، وغَيْرُهُم كَثيرٌ.
ويُلاحَظُ أَنَّ الرِّواياتِ الفِلَسْطينيَّةَ الفائِزَةَ لَمْ تَسْتَعْطِفْ لجانَ التَّحْكيمِ بِتَناوُلِها مَوْضوعاتٍ اسْتِهْلاكِيَّةً، وإِنَّما عالَجَتْ مَوْضوعاتِ الشَّتاتِ والهُوِيَّةِ والحَنينِ، ولَمْ تَلْجَأْ إِلى الرَّمْزِيَّةِ كما فَعَلَ الحُسَيْني في باكورَةِ الإِنْتاجِ الرِّوائيِّ الفِلَسْطينيِّ، إِذْ جَعَلَ الحَيَوانَ يَتَكَلَّمُ، كما فَعَلَ الكاتِبُ جورج أُورْويل في رِوايةِ (مَزْرَعَةِ الحَيَواناتِ – Animal Farm)، وذلكَ لِيَتَخَلَّى عن الرَّقيبِ الإِنْجليزيِّ آنَذاكَ.
ويَجِبُ أَلَّا نَفْهَمَ أَنَّ الحُسَيْني قَلَّدَ أُورْويل، لأَنَّ الأَخيرَ نَشَرَ رِوايتَهُ في العامِ 1945، أَي بَعْدَ نَشْرِ رِوايةِ الحُسَيْني، ولا أَظُنُّ أَنَّ أُورْويل أَيْضًا قدْ قَلَّدَ الحُسَيْني، فالتَّاريخَ الأَدَبيَّ مَلِيءٌ بِرِواياتٍ على أَلْسِنَةِ الحَيَواناتِ، مِثْلَ (كِليلةَ ودِمْنَةَ) لابْنِ المُقَفَّعِ، وهو كِتابٌ هِنْديُّ الأَصْلِ لِلْفَيْلَسوفِ بَيْدَبا، ونَقَلَهُ إِلى العَرَبِيَّةِ عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُقَفَّعِ في القَرْنِ الثَّامِنِ الميلاديِّ.
***
وَحَتَّى لا يَأْخُذَنا التَّاريخُ بَعيدًا، أُوَدُّ الإِشارَةَ إِلى ثَلاثَةِ أَسْماءٍ ظَهَرَتْ في مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ النَّكْبَةِ والنَّكْسَةِ، أَي بَعْدَ العامِ 1948 والعامِ 1967، وساهَمَتْ في وَضْعِ الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ في مَسارٍ عالَميٍّ، وهُم: أَميلُ حَبيبي، ورِوايتُهُ الرّائِعَةُ (سَعيدٌ أَبي النَّحْسِ المُتَشائِلُ)، وجَبْرا إِبْراهيم جَبْرا، ورِوايتاهُ (البَحْثُ عن وَلِيدِ مَسْعودَ)، و(صَيَّادونَ في شارِعٍ ضَيِّقٍ)، والرِّوائيُّ مُحَمَّد العَدْنانِي في رِوايتِهِ (الطَّريقُ إِلى تَحْتِ الأَرْضِ).
ثُمَّ ظَهَرَ رِوائيُّونَ كِبارٌ مِثْلَ غَسَّان كَنْفاني، وخاصَّةً في رِوايتَيْهِ: (عائد إِلى حَيْفا)، و(رِجالٌ في الشَّمْسِ)، والكَاتِبَةُ سَحَر خَليفَة في رِوايتِها (الصَّبَّار)، ويَحْيى يَخْلِف في رِوايتِهِ (نَجْرانُ تَحْتَ الصِّفْرِ) و(تُفَّاحُ المَجانينِ)، والرِّوائيِّ رَشاد أَبو شاوُر في رِوايتِهِ (أَيَّامُ الحُبِّ والمَوْتِ)، ورِوايةٍ أُخْرى كَتَبَها بَعْدَ الخُروجِ من بَيْروتَ في العامِ 1982، وعُنوانُها (الرَّبُّ لَمْ يَسْتَرِحْ في اليَوْمِ السَّابِعِ).
وفي هذهِ الفَتْرَةِ ظَهَرَتْ تِقْنياتٌ سَرْدِيَّةٌ جَديدَةٌ مِثْلَ تَعَدُّدِ الأَصْواتِ، تَكْسيرُ الزَّمَنِ، والكِتابَةُ الذَّاتِيَّةِ. وأَصْبَحَتِ الرِّوايةُ مِنْبَرًا سِياسِيًّا وفَنِّيًّا، تُعَبِّرُ عن الفِلَسْطينيِّ كإِنْسانٍ، لا كَرَمْزٍ وَطَنِيٍّ فَقَطْ.
وبَعْدَ ثَمانينِيَّاتِ القَرْنِ الماضي، شَهِدَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ تَطَوُّرًا كَبيرًا في الشَّكْلِ والمَضْمونِ، مُتَأَثِّرَةً بِالتَّحَوُّلاتِ السِّياسِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ، مِنَ الانْتِفاضَتَيْنِ إِلى أُوسْلو، ومِنَ الحِصارِ إِلى الشَّتاتِ. هذهِ المَرْحَلَةُ تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ الفَتَراتِ تَنَوُّعًا في تاريخِ الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ، حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ إِطارِ المُقاوَمَةِ التَّقْليدِيَّةِ إِلى فَضاءاتٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا في الهُوِيَّةِ، واللُّغَةِ، والسَّرْدِ. وَتَمَيَّزَتْ بِابْتِكارِ أَساليبَ جَديدَةٍ، والكِتابَةِ النِّسْوِيَّةِ، حَيْثُ بَرَزَتْ كاتِباتٌ مِثْلَ سَحَر خَليفَة، ولِيّانَة بَدْر، وطَرَحْنَ قَضايا المَرْأَةِ الفِلَسْطينيَّةِ في سِياقِ الِاحْتِلالِ والمُجْتَمَعِ.
الرِّوايةُ في قِطاعِ غَزَّةَ:
المَشْهَدُ الثَّقافِيُّ بِرُمَّتِهِ، ولَيْسَتِ الرِّوايةُ فَحَسْبُ، في قِطاعِ غَزَّةَ، قَبْلَ الحَرْبِ، وخِلالَ الحَرْبِ، مَشْهَدٌ ثَرِيٌّ جِدًّا، إِنْ على صَعيدِ الشِّعْرِ أَوِ الرِّوايةِ، وإِحْدى الفائِزاتِ في جائِزَةِ كَتارا القَطَرِيَّةِ كانَتْ مِنْ غَزَّةَ، وهي مَريم قوش، هذا شَعْبٌ مُبْدِعٌ في الكِتابَةِ كما هو مُبْدِعٌ في مَوْتِهِ واسْتِشْهادِهِ.
والرِّوايةُ الغَزِّيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ أَشْكالِ الأَدَبِ الفِلَسْطينيِّ ارْتِباطًا بِالواقِعِ المَعيشِيِّ والسِّياسِيِّ، وقدْ تَطَوَّرَتْ بِشَكْلٍ لافِتٍ مُنْذَ التِّسْعينِيَّاتِ، خاصَّةً بَعْدَ اتِّفاقِ أُوسْلو، مُرورًا بِالْحِصارِ، والحُروبِ المُتَكَرِّرَةِ، وُصولًا إِلى مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ 7 أُكْتوبَر 2023. وهي غالِبًا ما تَنْقُلُ تَفاصيلَ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ.
وبَرَزَ مِنْهُم: غَريبُ عَسْقَلاتي، رَحِمَهُ اللهُ، ومُحَمَّد نَصَّار، وعَبْدُ اللهِ تايِه، وعاطِفُ أَبو سِيف، وهاني السَّالِمي (وكانَ يَبيعُ القَهْوَةَ على العَرَبَةِ قَبْلَ الحَرْبِ)، ويُوسُفُ الغُول، والرِّوائيَّةُ نِعْمَةُ حَسَن، ومُحَمَّد البَسْيوني. ومُعْظَمُهُم عانَوْا وَيْلاتِ الحَرْبِ، ولَمْ يَجِفَّ حِبْرُهُم.
وهُناكَ نَوْعٌ رِوائيٌّ اتَّفَقَ النُّقَّادُ على تَسْمِيَتِهِ بِرِوايةِ الشَّتاتِ، وأَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّوايةَ الفِلَسْطينيَّةَ ازْدَهَرَتْ في الشَّتاتِ، حَيْثُ ظَهَرَتْ رِواياتٌ بِلغاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ كالإِنْجِلِيزِيَّةِ والفَرَنْسِيَّةِ، واتَّسَمَتْ بِالرَّمْزِيَّةِ والتَّجْريبِ، واسْتَخْدَمَتْ تِقْنياتٍ حَديثَةً وما بَعْدَ الحَداثَةِ، كَتَكْسيرِ الزَّمَنِ والكِتابَةِ الذَّاتِيَّةِ، وظَهَرَتْ أَسْماءٌ، إِضافَةً لِما ذَكَرْنا، إِبْراهيم نَصْرَ الله، وعَلاءُ حَلِيْحِل، ومَرْوانُ عَبْدُ العال، ووَلِيدُ أَبو بَكْر، والْعَبْدُ الفَقيرُ إِلى اللهِ.
**ويَجِبُ أَنْ أَعْتَرِفَ أَنَّني ظَلَمْتُ الرِّوايةَ الفِلَسْطينيَّةَ في هذهِ العُجالَةِ، لأَنَّها أَكْثَرُ ثَراءً، وتَعْقيدًا، ومُتْعَةً، وإِشْكالِيَّةً... مِمَّا سَبَقَ
أمَّا رِوايةُ الأَسْرى الفِلَسْطينيِّينَ، فَسَيَتَحَدَّثُ عَنْها الأُسْتاذُ عَفيفٌ قاووق... حِينَ يَسْتَعْرِضُ كِتابَهُ (نافِذَةٌ على الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ وَأَدَبِ الأَسْرى)... شاكِرًا لَكُم حُسْنَ الاستِماعِ...
ــــــــــــــــــــــــــــ
كلمتي بمناسبة حفل توقيع كتاب الأستاذ عفيف قاووق
الذي أقيم اليوم في مركز تقدم المرأة في كفر جوز، النبطية
الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ مُنْذُ رِوايةِ (مُذَكَّراتِ دَجاجَةٍ) لِلأَديبِ إِسْحاقَ موسى الحُسَيْني، التي صَدَرَتْ لأَوَّلِ مَرَّةٍ في العامِ 1943، وقدَّمَ لها الأَديبُ طَهْ حُسَيْن، ويَعُدُّها المُؤَرِّخونَ الرِّوايةَ الرَّائِدَةَ، حتَّى رِوايةِ الأَسيرِ باسِمِ خَنْدَقْجي، وعُنوانُها (قِناعٌ بِلونِ السَّماءِ)، التي فازَتْ بِجائِزَةِ الرِّوايةِ العالَميَّةِ، البوكِر 2024، هو تاريخٌ لِلْفِكْرِ الأَدَبيِّ والسِّياسيِّ والفِكْريِّ الفِلَسْطينيِّ، وتاريخٌ لِلْحُلْمِ أَيْضًا، ونَجَحَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ في نَحْتِ مَكانَةٍ لها في السّاحَةِ الأَدَبيَّةِ العَرَبِيَّةِ والعالَميَّةِ، وحقَّقَتْ إِنْجازاتٍ إِبْداعيَّةً كَثيرةً. ومُؤَخَّرًا، حَقَّقَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ إِنْجازاتٍ مُهِمَّةً في جائِزَةِ كَتارا الأَدَبيَّةِ القَطَرِيَّةِ 2025، إِذْ فازَتِ الأَديبَةُ رُولا غانِم في فِئَةِ الرِّوايةِ المُنْشورَةِ عن رِوايتِها (تنهيدة حُرِّيَّةٍ)، وفازَتِ الأَديبَةُ الغَزِّيَّةُ مَريم قوش في فِئَةِ الرِّواياتِ غَيْرِ المُنْشورَةِ عن رِوايةٍ (حُلْمٌ على هُدْبِ الجَليلِ)، وفازَ أَيْضًا الكاتِبُ الفِلَسْطينيُّ مُحَمَّد جُبْعَيْتي عن رِوايتِهِ (الطَّاهي الذي الْتَهَمَ قَلْبَهُ). وبِذلِكَ تَكونُ فِلَسْطينُ من أَكْثَرِ الدُّوَلِ حُضورًا في هذهِ الدَّوْرَةِ. وكانَ الرِّوائيُّ رُبْعي المُدْهون قدْ فازَ بِجائِزَةِ الرِّوايةِ العَرَبِيَّةِ (البوكِر) في العامِ 2016، عن رِوايةٍ (كونشِرْتو الهولوكوست)، وقَبْلَ ذلكَ فازَ إِبْراهيم نَصْرَ الله بِأَكْثَرَ من جائِزَةٍ، وقَبْلَهُ الرِّوائيُّ والشّاعِرُ والمُفَكِّرُ د. جَبْرا إِبْراهيم جَبْرا، وغَيْرُهُم كَثيرٌ.
ويُلاحَظُ أَنَّ الرِّواياتِ الفِلَسْطينيَّةَ الفائِزَةَ لَمْ تَسْتَعْطِفْ لجانَ التَّحْكيمِ بِتَناوُلِها مَوْضوعاتٍ اسْتِهْلاكِيَّةً، وإِنَّما عالَجَتْ مَوْضوعاتِ الشَّتاتِ والهُوِيَّةِ والحَنينِ، ولَمْ تَلْجَأْ إِلى الرَّمْزِيَّةِ كما فَعَلَ الحُسَيْني في باكورَةِ الإِنْتاجِ الرِّوائيِّ الفِلَسْطينيِّ، إِذْ جَعَلَ الحَيَوانَ يَتَكَلَّمُ، كما فَعَلَ الكاتِبُ جورج أُورْويل في رِوايةِ (مَزْرَعَةِ الحَيَواناتِ – Animal Farm)، وذلكَ لِيَتَخَلَّى عن الرَّقيبِ الإِنْجليزيِّ آنَذاكَ.
ويَجِبُ أَلَّا نَفْهَمَ أَنَّ الحُسَيْني قَلَّدَ أُورْويل، لأَنَّ الأَخيرَ نَشَرَ رِوايتَهُ في العامِ 1945، أَي بَعْدَ نَشْرِ رِوايةِ الحُسَيْني، ولا أَظُنُّ أَنَّ أُورْويل أَيْضًا قدْ قَلَّدَ الحُسَيْني، فالتَّاريخَ الأَدَبيَّ مَلِيءٌ بِرِواياتٍ على أَلْسِنَةِ الحَيَواناتِ، مِثْلَ (كِليلةَ ودِمْنَةَ) لابْنِ المُقَفَّعِ، وهو كِتابٌ هِنْديُّ الأَصْلِ لِلْفَيْلَسوفِ بَيْدَبا، ونَقَلَهُ إِلى العَرَبِيَّةِ عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُقَفَّعِ في القَرْنِ الثَّامِنِ الميلاديِّ.
***
وَحَتَّى لا يَأْخُذَنا التَّاريخُ بَعيدًا، أُوَدُّ الإِشارَةَ إِلى ثَلاثَةِ أَسْماءٍ ظَهَرَتْ في مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ النَّكْبَةِ والنَّكْسَةِ، أَي بَعْدَ العامِ 1948 والعامِ 1967، وساهَمَتْ في وَضْعِ الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ في مَسارٍ عالَميٍّ، وهُم: أَميلُ حَبيبي، ورِوايتُهُ الرّائِعَةُ (سَعيدٌ أَبي النَّحْسِ المُتَشائِلُ)، وجَبْرا إِبْراهيم جَبْرا، ورِوايتاهُ (البَحْثُ عن وَلِيدِ مَسْعودَ)، و(صَيَّادونَ في شارِعٍ ضَيِّقٍ)، والرِّوائيُّ مُحَمَّد العَدْنانِي في رِوايتِهِ (الطَّريقُ إِلى تَحْتِ الأَرْضِ).
ثُمَّ ظَهَرَ رِوائيُّونَ كِبارٌ مِثْلَ غَسَّان كَنْفاني، وخاصَّةً في رِوايتَيْهِ: (عائد إِلى حَيْفا)، و(رِجالٌ في الشَّمْسِ)، والكَاتِبَةُ سَحَر خَليفَة في رِوايتِها (الصَّبَّار)، ويَحْيى يَخْلِف في رِوايتِهِ (نَجْرانُ تَحْتَ الصِّفْرِ) و(تُفَّاحُ المَجانينِ)، والرِّوائيِّ رَشاد أَبو شاوُر في رِوايتِهِ (أَيَّامُ الحُبِّ والمَوْتِ)، ورِوايةٍ أُخْرى كَتَبَها بَعْدَ الخُروجِ من بَيْروتَ في العامِ 1982، وعُنوانُها (الرَّبُّ لَمْ يَسْتَرِحْ في اليَوْمِ السَّابِعِ).
وفي هذهِ الفَتْرَةِ ظَهَرَتْ تِقْنياتٌ سَرْدِيَّةٌ جَديدَةٌ مِثْلَ تَعَدُّدِ الأَصْواتِ، تَكْسيرُ الزَّمَنِ، والكِتابَةُ الذَّاتِيَّةِ. وأَصْبَحَتِ الرِّوايةُ مِنْبَرًا سِياسِيًّا وفَنِّيًّا، تُعَبِّرُ عن الفِلَسْطينيِّ كإِنْسانٍ، لا كَرَمْزٍ وَطَنِيٍّ فَقَطْ.
وبَعْدَ ثَمانينِيَّاتِ القَرْنِ الماضي، شَهِدَتِ الرِّوايةُ الفِلَسْطينيَّةُ تَطَوُّرًا كَبيرًا في الشَّكْلِ والمَضْمونِ، مُتَأَثِّرَةً بِالتَّحَوُّلاتِ السِّياسِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ، مِنَ الانْتِفاضَتَيْنِ إِلى أُوسْلو، ومِنَ الحِصارِ إِلى الشَّتاتِ. هذهِ المَرْحَلَةُ تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ الفَتَراتِ تَنَوُّعًا في تاريخِ الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ، حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ إِطارِ المُقاوَمَةِ التَّقْليدِيَّةِ إِلى فَضاءاتٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا في الهُوِيَّةِ، واللُّغَةِ، والسَّرْدِ. وَتَمَيَّزَتْ بِابْتِكارِ أَساليبَ جَديدَةٍ، والكِتابَةِ النِّسْوِيَّةِ، حَيْثُ بَرَزَتْ كاتِباتٌ مِثْلَ سَحَر خَليفَة، ولِيّانَة بَدْر، وطَرَحْنَ قَضايا المَرْأَةِ الفِلَسْطينيَّةِ في سِياقِ الِاحْتِلالِ والمُجْتَمَعِ.
الرِّوايةُ في قِطاعِ غَزَّةَ:
المَشْهَدُ الثَّقافِيُّ بِرُمَّتِهِ، ولَيْسَتِ الرِّوايةُ فَحَسْبُ، في قِطاعِ غَزَّةَ، قَبْلَ الحَرْبِ، وخِلالَ الحَرْبِ، مَشْهَدٌ ثَرِيٌّ جِدًّا، إِنْ على صَعيدِ الشِّعْرِ أَوِ الرِّوايةِ، وإِحْدى الفائِزاتِ في جائِزَةِ كَتارا القَطَرِيَّةِ كانَتْ مِنْ غَزَّةَ، وهي مَريم قوش، هذا شَعْبٌ مُبْدِعٌ في الكِتابَةِ كما هو مُبْدِعٌ في مَوْتِهِ واسْتِشْهادِهِ.
والرِّوايةُ الغَزِّيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ أَشْكالِ الأَدَبِ الفِلَسْطينيِّ ارْتِباطًا بِالواقِعِ المَعيشِيِّ والسِّياسِيِّ، وقدْ تَطَوَّرَتْ بِشَكْلٍ لافِتٍ مُنْذَ التِّسْعينِيَّاتِ، خاصَّةً بَعْدَ اتِّفاقِ أُوسْلو، مُرورًا بِالْحِصارِ، والحُروبِ المُتَكَرِّرَةِ، وُصولًا إِلى مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ 7 أُكْتوبَر 2023. وهي غالِبًا ما تَنْقُلُ تَفاصيلَ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ.
وبَرَزَ مِنْهُم: غَريبُ عَسْقَلاتي، رَحِمَهُ اللهُ، ومُحَمَّد نَصَّار، وعَبْدُ اللهِ تايِه، وعاطِفُ أَبو سِيف، وهاني السَّالِمي (وكانَ يَبيعُ القَهْوَةَ على العَرَبَةِ قَبْلَ الحَرْبِ)، ويُوسُفُ الغُول، والرِّوائيَّةُ نِعْمَةُ حَسَن، ومُحَمَّد البَسْيوني. ومُعْظَمُهُم عانَوْا وَيْلاتِ الحَرْبِ، ولَمْ يَجِفَّ حِبْرُهُم.
وهُناكَ نَوْعٌ رِوائيٌّ اتَّفَقَ النُّقَّادُ على تَسْمِيَتِهِ بِرِوايةِ الشَّتاتِ، وأَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّوايةَ الفِلَسْطينيَّةَ ازْدَهَرَتْ في الشَّتاتِ، حَيْثُ ظَهَرَتْ رِواياتٌ بِلغاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ كالإِنْجِلِيزِيَّةِ والفَرَنْسِيَّةِ، واتَّسَمَتْ بِالرَّمْزِيَّةِ والتَّجْريبِ، واسْتَخْدَمَتْ تِقْنياتٍ حَديثَةً وما بَعْدَ الحَداثَةِ، كَتَكْسيرِ الزَّمَنِ والكِتابَةِ الذَّاتِيَّةِ، وظَهَرَتْ أَسْماءٌ، إِضافَةً لِما ذَكَرْنا، إِبْراهيم نَصْرَ الله، وعَلاءُ حَلِيْحِل، ومَرْوانُ عَبْدُ العال، ووَلِيدُ أَبو بَكْر، والْعَبْدُ الفَقيرُ إِلى اللهِ.
**ويَجِبُ أَنْ أَعْتَرِفَ أَنَّني ظَلَمْتُ الرِّوايةَ الفِلَسْطينيَّةَ في هذهِ العُجالَةِ، لأَنَّها أَكْثَرُ ثَراءً، وتَعْقيدًا، ومُتْعَةً، وإِشْكالِيَّةً... مِمَّا سَبَقَ
أمَّا رِوايةُ الأَسْرى الفِلَسْطينيِّينَ، فَسَيَتَحَدَّثُ عَنْها الأُسْتاذُ عَفيفٌ قاووق... حِينَ يَسْتَعْرِضُ كِتابَهُ (نافِذَةٌ على الرِّوايةِ الفِلَسْطينيَّةِ وَأَدَبِ الأَسْرى)... شاكِرًا لَكُم حُسْنَ الاستِماعِ...
ــــــــــــــــــــــــــــ
كلمتي بمناسبة حفل توقيع كتاب الأستاذ عفيف قاووق
الذي أقيم اليوم في مركز تقدم المرأة في كفر جوز، النبطية