مصطفى الصميدي

لستُ أنا الذي كنتُ أعرفُنِي... لمْ أعد مثلكمْ مِن صلصالٍ كالفَخَّار، سَقطتُ مع سقف داري دفعةً واحدة، لمْ يعثُر علَيّ أحدٌ بعدها... لم أحلم يوماً أن أحظى بقبرٍ، أو موتٍ رحِيم، كنتُ أعرفُ خاتمتِي، كمَا تعرفون - اللحظة - كيف كان الخِتام، ولأن الرّمَاد أخبرني عَنِّي ذاتَ حلم في المَنام، صِرتُ خبراً،...
لوْ لمْ يُدَنَّس ضَمِيرهُ، لَمَا ظَلَّ يَركُض مَوْجُهُ خَاوياً مِنْ الجَوَار، لا يَمْتَطِي كَتِفَيْهِ إِلاَّ مَا أبحَرَ فِي نَشْرَةِ الأَخبَار، أوْ ظِلالُ لازَوردٍ تُشَيِّعُ حَقِيقةَ العَدَسَات! لوْ لمْ يُدَنَّس، لَرَتَّلَ بَعدكِ سُورَةِ الجُوع فِي الخِيَام، وَخَرَّ صَعِقَاً مِنْ دُعَائكِ...
ماذا لو كنتُ فضاءً مفتوحاً يضِلّ في رحابتِي من اسْتَنسَر الغَيْم وصَبَّ الحِقد أطناناً على أرضِنا الجُرح؟ ماذا لوْ كُنتُ والرِّيح مِلْكُ يمِينِي أَجنِحةً ترِدّ النّار بِريشها العَاتِي؟ لعَلِّي أُغلقُ سقفَ المَدِينة الآن أمناً، كي تضمِدُّ جُرحَها النّزفَ دونَ خوفها الآخِر، أُعِيد للأمهاتِ...
لَستِ مدينةً ولا جُرحا، ولا سجناً ولا جوعاً يعضّ أنامله، ولا موتاً يُشيِّع نفسهُ تِباعاً كلّ حين، ولا قبراً حُفِرَ في المَدى مرَّة، وجَرَّفَته يد العِدَاء مرتين... لستِ حَدثاً سَرابِياً تنامى في حديث المَرِيدين، ولا هُويّةً ذُبِحتْ في ذاكرةِ النَّخاسةِ، وكُفِّنتْ بسَرابيلِ هُنودها الحُمرْ،...

هذا الملف

نصوص
49
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى