غانية ملحيس - من اختبار النظام الدولي إلى انكشاف وهمه: “الفخ المركّب” كمدخل لفهم تحولات القوة والفاعلية والدور العربي

غانية ملحيس
22/3/2026



في لحظة دولية مضطربة، تتكاثر فيها الحروب وتتداخل فيها الأزمات، تبرز أهمية الحوار الفكري، ليس بوصفه أداة لفهم الواقع فحسب، بل كمدخل لإعادة صياغة الأسئلة التي نواجه بها هذا الواقع. وفي هذا السياق، يكتسب الاشتباك الفكري الذي دار حول مقال “النظام العالمي في قبضة الفخ المركّب”، وشارك فيه خالد عطية ونائل التونسي وكاتبة المقال، قيمة خاصة، ليس لأنه يقدّم إجابات جاهزة، بل لأنه يفتح أفقا لمساءلة مفاهيم راسخة، وفي مقدمتها: النظام الدولي، ومعنى القوة، وحدود الفاعلية.

ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن ما نشهده اليوم لا يقتصر على اختبار النظام الدولي القائم، بل يتجاوزه إلى انكشاف وهمه البنيوي، أي انكشاف أن ما اعتُبر نظاما لم يكن سوى نمط إدارة للاختلال، لا بنية قادرة على إنتاج استقرار مستدام.
وينطلق هذا الحوار من أرضية مشتركة واضحة بين المتحاورين، تتمثل في الإقرار بأن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه “حروبا تقليدية”، ليصل إلى مستوى اختبار عميق لبنية العالم ذاته.
فالحرب لم تعد حدثا معزولا يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا محددة، بل أصبحت عقدة داخل شبكة أزمات متداخلة تشمل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والهوية الحضارية، بما يجعل أي صراع موضعي قابلا للامتداد والتحول إلى أزمة أوسع.
ولم تعد هذه الحروب مجرد تفاعل مع الأزمات، بل أصبحت جزءا من آلية اشتغالها، بما يجعل التمييز بين “الأزمة” و”إدارتها” أقل وضوحا من أي وقت مضى. وفي هذا الإطار، تتأكد مركزية المنطقة العربية، ليس باعتبارها هامشا، بل بوصفها إحدى ساحات التشكل الرئيسية لهذه التحولات.
غير أن هذا التقاطع لا يلغي التباينات في القراءات، بل يمنح الحوار عمقه.
فبينما يرى خالد عطية أن الحروب الجارية تكشف حدود النظام الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة، يذهب طرح “الفخ المركّب” إلى مستوى أكثر جذرية، معتبرا أن المسألة لا تتعلق باختبار نظام قائم، بل بانكشاف وهمه. فالنظام الدولي، وفق هذا التصور، لم يعد يمتلك مقومات “النظام” بالمعنى الكلاسيكي القائم على القواعد والتوازنات والمراكز الضابطة، بل تحوّل إلى فضاء سائل من الأزمات، يعمل دون مركز حقيقي، ودون قدرة على إنتاج استقرار مستدام.
وهو ما يطرح احتمالا أكثر جذرية: أننا لا نعيش لحظة تفكك نظام، بل لحظة انكشاف أن ما اعتُبر نظاما كان في جوهره ترتيبا هشا يعتمد على القدرة على إدارة الاختلال، لا على تجاوزه. لكن هذا الطرح، رغم أهميته، يبقى مشروطا بفرضية وجود حد أدنى من البنية القابلة للاختبار، وهو ما يصبح محل تساؤل في ضوء التحولات الراهنة.
حيث “الفخ المركّب”، كما تم تعريفه في المقالات السابقة، هو بنية تتقاطع فيها الأزمات بشكل يعيد إنتاجها ذاتيا، ويحدّ من قدرة الفاعلين على الخروج منها رغم امتلاكهم أدوات التأثير.
في المقابل، يقدّم نائل التونسي بعدا تطبيقيا لهذا الإطار، من خلال التركيز على الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجا حيا لتجليات “الفخ المركّب”. ففلسطين لم تعد مجرد قضية محلية أو إقليمية، بل نقطة تقاطع تتداخل فيها مسارات الطاقة، وأمن الملاحة، وشبكات التحالفات، ما يجعل أي تطور فيها قابلا للارتداد على الإقليم والعالم. وهنا يكتسب التحليل بعدا ملموسا، يربط بين البناء النظري وتشكلاته الواقعية. وهو ما يجعل الحالة الفلسطينية ليست فقط مثالا على التشابك، بل نقطة تكثيف له، حيث تتقاطع فيها مستويات الفخ المركّب بصورة أكثر كثافة ووضوحا من غيرها.
ومن أبرز نقاط التقاطع بين المتحاورين أيضا، إدراكهم لتحول طبيعة القوة. فالقوة لم تعد، كما كانت تاريخيا، أداة للحسم وإنتاج النظام، بل أصبحت تميل إلى إدارة الصراعات وإدامتها. وهي مفارقة لافتة: عالم يمتلك قدرات تدميرية غير مسبوقة، لكنه عاجز عن إنتاج الاستقرار أو حتى الحفاظ عليه. كما أن انتشار أدوات منخفضة الكلفة، كالمسيّرات والصواريخ، أعاد توزيع عناصر القوة، وقلّص من احتكارها التقليدي، ما زاد من سيولة المشهد وتعقيده. بل يمكن القول إننا أمام تحول في وظيفة القوة نفسها: من أداة لإغلاق الصراعات إلى أداة لإبقائها مفتوحة ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يجعل الاستقرار نتيجة مؤجلة، لا هدفا مباشرا. وهذا يعني أن القوة لم تعد تفشل في إنتاج النظام فحسب، بل ربما لم تعد تسعى إليه بالشكل الذي عرفته الأنظمة الدولية السابقة.
وبذلك، لا تتجلى سيولة المشهد في تعدد الأزمات فحسب، بل في تحوّلها إلى بنية دائمة، حيث تفقد القوة وظيفتها التقليدية في الحسم، وتُعاد توظيفها كأداة لإدارة الاختلال ضمن حدود قابلة للاستمرار، لا لإنهائه.

لكن التباين يعود ليظهر بوضوح عند الانتقال إلى سؤال الفاعلية العربية. فبينما يشير نائل التونسي إلى أهمية تعزيز التنسيق الإقليمي وبناء قدرات اقتصادية أكثر استقلالية، يطرح النقاش إشكالا أعمق: هل المشكلة تكمن فقط في ضعف الفاعلية العربية، أم في أن شروط الفاعلية نفسها لم تعد قائمة ضمن بنية “الفخ المركّب”؟ أي أننا قد نكون أمام بيئة بنيوية تعيد إنتاج العجز، مهما تغيّرت الإرادات. بل وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى احتمال أن مفهوم “الفاعلية” نفسه، كما تشكّل تاريخيا، لم يعد صالحا للتطبيق في بيئة لا تنتج قواعد مستقرة يمكن الفعل ضمنها. أي أن التحدي لم يعد فقط في امتلاك أدوات الفعل، بل في تحديد ما إذا كان الفعل ذاته ممكنا بالشروط التي اعتدنا التفكير من خلالها.
وهو ما يفتح احتمالا أكثر جذرية: أن أزمة الفاعلية لا تعود إلى نقص في الأدوات أو الإرادة، بل إلى اختلال في شروط الإمكان ذاتها، حيث لم يعد المجال البنيوي يسمح بإنتاج أثر مستقر يمكن البناء عليه.
وفي هذا المستوى من النقاش، يبرز تطور إضافي في طرح نائل التونسي، حيث يشير إلى أن حدود الفاعلية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها غيابا للتأثير، بل بوصفها تحوّلا في شكله، بحيث لم يعد يُقاس بالحسم بقدر ما يُقاس بالتراكم والاستمرارية. وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث يكتسب الصمود بعدا فاعلا، لا باعتباره مجرد حالة دفاعية، بل كعنصر يدخل في إعادة تشكيل موازين القوة عبر الزمن، ضمن بيئة لم تعد تسمح بحسم الصراعات بصورة نهائية.
ويفتح هذا الطرح أفقا مهما لإعادة التفكير في الفاعلية، ليس بوصفها قدرة على إحداث تحول فوري، بل كعملية ممتدة تراكمية تعمل داخل هوامش محدودة، وتسعى إلى توسيعها تدريجيا. غير أن هذا التصور، على وجاهته، يطرح بدوره إشكالا أعمق: إلى أي مدى يمكن لهذا النمط من الفاعلية أن يتجاوز كونه جزءا من آلية اشتغال الأزمات ذاتها؟
بمعنى آخر، قد يكون التأثير ممكنا، بل وفعّالا ضمن حدود معينة، لكنه يظل، في إطار “الفخ المركّب”، محكوما بسقف بنيوي يعيد احتواءه ضمن منطق إدارة الصراع، لا حسمه. وهو ما يجعل التراكم والصمود، رغم ضرورتهما، يعملان في كثير من الأحيان داخل بنية تعيد إنتاج شروطها، بدل أن تسمح بتجاوزها.
ومن هنا، لا يعود التحدي مقتصرا على تعظيم الممكن ضمن الشروط القائمة، بل يمتد إلى مساءلة هذه الشروط نفسها، والبحث في إمكان إزاحتها أو إعادة تشكيلها، ولو بشكل تدريجي، بما يسمح بفتح أفق مختلف للفعل السياسي، لا يكتفي بالتكيّف مع حدود الفاعلية، بل يسعى إلى إعادة تعريفها.
في هذا السياق، يحاول خالد عطية بناء مقاربة وسطية، مفادها أن الفاعلية لم تختفِ، لكنها لم تعد قابلة للقياس بالأدوات القديمة. فبدل أن تُفهم بوصفها قدرة على السيطرة ضمن نظام مستقر، قد تصبح مرتبطة بالقدرة على التموضع داخل فضاء سائل، والتأثير في مساراته دون امتلاك مركز صلب. وهو طرح يفتح الباب أمام إعادة تعريف “الدور” خارج القوالب التقليدية التي لم تعد تعكس واقع التحولات الجارية.
تتبلور من هذا الحوار جملة من الخلاصات الأساسية.
أولها: أن مفهوم “النظام الدولي” لم يعد صالحا بصيغته التقليدية. وأن ما نعيشه أقرب إلى حالة سيولة بنيوية تُدار عبر الأزمات.
وثانيها: أن القوة لم تفقد قدرتها على التدمير، لكنها فقدت وظيفتها في إنتاج النظام، ما يجعل الحروب تميل إلى الاستمرار بدل الحسم.
وثالثها: أن الفاعلية السياسية، خصوصا في السياق الفلسطيني والعربي، لم تعد ممكنة بالأدوات القديمة، ما يفرض إعادة نظر جذرية في مفهوم “الدور” ذاته.
وربما الأهم من ذلك، أن ما نواجهه ليس مجرد أزمة داخل النظام الدولي، بل أزمة في قدرة هذا النظام على تعريف نفسه كنظام. وهو ما يجعل الفوضى ليست نقيض النظام، بل أحد أنماط اشتغاله الجديدة.
وفي قلب هذه الخلاصات، تبرز القضية الفلسطينية، إلى جانب الحرب الجارية على إيران ولبنان وعموم المنطقة، بوصفها جزءا من مشهد أوسع يتصل بطبيعة التنافس بين القوى الكبرى، وبكيفية إدارة الصراع في الإقليم. فالحرب الأمريكية - الإسرائيلية، في هذا السياق، لا تنطوي فقط على مخاطر عسكرية أو إنسانية، بل تحمل أخطارا بنيوية تتعلق بإعادة تشكيل المنطقة ضمن توازنات هشّة تُبقيها في حالة توتر دائم، وتحدّ من قدرتها على الفعل المستقل، بوصفها مثالا على نمط الحروب التي لا تهدف إلى الحسم، بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط التوازنات ضمن بيئة غير مستقرة، بما يجعلها جزءا من آلية إدارة الفخ المركّب، لا خروجا عنه.
ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته “المعضلة الأوروبية”، بوصفها أحد تجليات الفخ المركّب على مستوى القوى الدولية، حيث تبدو أوروبا غير قادرة على التحول إلى قطب مستقل، فتتأرجح بين التبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، والبحث عن دور، ما يجعل حضورها أقرب إلى إدارة الأزمات ضمن الإطار القائم، لا إعادة تشكيله. وهو ما يكرّس فراغا نسبيا في بنية النظام، لا يُملأ ببديل واضح، بل يُدار عبر توازنات هشة تزيد من سيولة المشهد وتعقيده، بما يجعل العجز الأوروبي ليس ظرفيا، بل جزءا من منطق أوسع يعيد إنتاج التبعية داخل بنية تبدو بلا مركز واضح.
من هنا، تبرز أهمية توسيع هذا النقاش، والدعوة إلى انخراط أوسع للمفكرين والمثقفين من مختلف المكونات الأصيلة في المنطقة - الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما، والأتراك، والفرس، والأكراد - في حوار مفتوح لا يكتفي بتشخيص المخاطر، بل يسعى أيضا إلى استشراف الفرص. فإدراك طبيعة “الفخ المركّب” لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام له، بل إلى البحث عن إمكانيات الفعل داخله، وإعادة تعريف شروط النهوض الفلسطيني والعربي والإقليمي في ضوء تحولات عميقة تمس بنية العالم ذاته.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى قراءة ما يجري، بل إلى إنتاج معرفة قادرة على مواكبة هذا التحول، وبناء أفق فكري جديد يعيد طرح أسئلة القوة، والنظام، والفاعلية من خارج القوالب التقليدية. فمثل هذه الحوارات، بما تحمله من تقاطعات وتباينات، لا تمثل ترفا فكريا، بل ضرورة تاريخية لفهم اللحظة، وتحديد موقعنا فيها، والسعي، قدر الإمكان، إلى التأثير في مساراتها.
وعليه، فإن “الفخ المركّب” لا يعبّر فقط عن حالة عابرة من التعقيد، بل عن نمط اشتغال جديد للعالم، حيث تُدار الأزمات بدل أن تُحل، وتُعاد صياغة القوة خارج قدرتها على إنتاج نظام، ما يفرض إعادة تأسيس التفكير السياسي من جذوره.
في هذا العالم، لم تعد الفوضى نقيض النظام، بل شكله الأكثر صدقا، ولم يعد السؤال كيف نؤثر، بل كيف نتحرر من شروط عالم لا يسمح بالتأثير أصلا.

تعليقات

خالد عطية



الصديقة العزيزة الدكتورة غانية،

أجد نفسي هذه المرة لا أعلّق على مقال بقدر ما أشتبك مع نص أصبحنا – بطريقة ما – جزءاً من بنيته، وهذا بحد ذاته تحوّل لافت في طبيعة النقاش: من التفكير في العالم، إلى التفكير داخل نص يحاول تفكيك كيفية التفكير فيه.
ما قدّمتِه هنا، في تقديري، لا يقتصر على تطوير مفهوم “الفخ المركّب”، بل يتجاوزه إلى مستوى أكثر تركيبا، حيث يصبح النقاش ذاته مادة للتحليل. أي أننا لم نعد أمام محاولة لفهم العالم فقط، بل لفهم كيف يفكّر من يحاول فهمه، وما تكشفه أدواته عن حدود هذا الفهم.
في هذا المعنى، ينتقل الحوار من مستوى التفاعل الفكري إلى مستوى مساءلة البنية التي تنتج هذا التفاعل، وهو ما يفتح طبقة جديدة من الوعي:
ليس فقط ماذا نقول، بل ماذا يكشف قولنا عن شروط إمكان القول ذاته.
ولعل هذا ما يمنح النص قوته الأساسية، حيث لم يعد “الفخ المركّب” مجرد إطار تفسيري للأزمات، بل يقترب من كونه وصفاً لنمط اشتغال العالم نفسه، بما فيه من تداخل الأزمات، وإعادة إنتاجها، وحدود الفاعلية داخلها.
وفي هذا السياق، لفتني بشكل خاص انتقالك من فكرة “اختبار النظام” إلى “انكشاف وهمه”، ثم دفعك بالنقاش خطوة إضافية نحو مساءلة “شروط الإمكان” ذاتها. وهنا، في تقديري، نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في هذا الحوار:
إذا كان النظام وهماً، والقوة فقدت وظيفتها، والفاعلية محكومة ببنية تعيد إنتاج العجز،
فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا نفعل؟
بل: هل ما نتصوره فعلاً ما يزال فعلاً بالمعنى ذاته؟
لكن هنا، أود أن أفتح ثغرة صغيرة داخل هذا البناء المتماسك.
إذا كان “الفخ المركّب” يصف بنية تعيد إنتاج نفسها وتحتوي الفعل داخل حدودها،
فإلى أي حد يمكن اعتبار هذه البنية مكتملة أو مغلقة؟
بمعنى آخر:
هل نحن أمام نظام أزمات قادر على إعادة إنتاج ذاته بالكامل،
أم أمام بنية شديدة التعقيد، لكنها – بحكم سيولتها نفسها – غير قابلة للإحكام الكامل؟
أطرح هذا السؤال لأن النقاش يقترب هنا من حافة دقيقة:
بين تفسير العالم بوصفه بنية تعيد إنتاج ذاتها،
وبين الوقوع – دون قصد – في نوع من الحتمية البنيوية التي قد تنفي إمكان الفعل من حيث نحاول إعادة تعريفه.
فإذا كانت القوة قد تحوّلت من أداة للحسم إلى أداة لإدارة الصراع،
وإذا كانت الفاعلية محكومة بشروط تعيد احتواءها،
فهل يعني ذلك أن كل أشكال الفعل محكومة سلفاً بالبقاء داخل هذه الحلقة؟
أم أن نفس هذه السيولة – التي تُضعف النظام – قد تفتح، في لحظات معينة، إمكانيات غير متوقعة للانزياح؟
ربما هنا يمكن إعادة النظر في فكرة “التراكم” والتي طرحها وائل، لكن ليس بوصفه فعلاً يعمل داخل الفخ فقط، بل كإمكانية بطيئة لإرباك منطقه ذاته.
أي أن التراكم قد لا يكسر البنية مباشرة، لكنه قد يعيد تشكيل شروط اشتغالها على المدى الطويل، حتى لو بدا في لحظته جزءاً منها.
وفي هذا السياق، يصبح من المفيد التمييز بين مستويين:
• مستوى إدارة الأزمات داخل الفخ
• ومستوى إعادة تشكيل شروط هذا الفخ نفسه
قد يكون الأول محكوماً بالسقف البنيوي الذي تفضلتِ به،
لكن الثاني – رغم بطئه وصعوبته – قد يظل مفتوحاً، ولو في حدود ضيقة.
أما ما تفضلتِ به حول أن الفوضى لم تعد نقيض النظام بل شكله الأكثر صدقاً، فهو من أكثر الأفكار كثافة في النص، وربما يحمل مفارقة إضافية تستحق التوقف:
إذا كانت الفوضى هي نمط الاشتغال،
فإن غياب المركز لا يعني فقط استحالة السيطرة،
بل أيضاً استحالة الإحكام الكامل.
وهنا تحديداً قد تكمن إمكانية محدودة لكنها حقيقية:
أن ما يجعل العالم أقل قابلية للضبط من قبل القوى الكبرى،
قد يجعله أيضاً أقل قابلية للإغلاق البنيوي الكامل.
في هذا المستوى، أعتقد أن ما يخرج به هذا الحوار – كما عكستهِ في نصك – ليس فقط إعادة تعريف النظام أو القوة أو الفاعلية، بل إعادة تعريف العلاقة بين الفكر والواقع ذاته.
فنحن لم نعد نستخدم المفاهيم لفهم العالم،
بل أصبحنا مضطرين أولاً لفهم المفاهيم نفسها،
لأنها لم تعد بريئة من لحظتها التاريخية.
أما على مستوى الفاعلية العربية، فإن ما وصل إليه النقاش يضعنا أمام استحقاق فكري مزدوج:
ليس فقط إعادة تعريف الفاعلية،
بل التحرر من اللغة التي تفترض وجود شروط لم تعد قائمة.
لكن في الوقت نفسه، ربما لا يكون التحدي في إثبات أن الفاعلية مستحيلة،
بل في تحديد أشكالها الممكنة ضمن بيئة لا تسمح بالحسم، لكنها لا تلغي التأثير بالكامل.
أي أننا قد لا نملك القدرة على كسر البنية،
لكننا قد نملك القدرة على إزاحتها تدريجياً،
أو على الأقل توسيع هوامش الحركة داخلها، إلى أن تتغير شروطها.
من هنا، أرى أن هذا الحوار – كما قدّمتِه – لا يصل بنا إلى نهاية السؤال،
بل إلى إعادة صياغته بشكل أكثر دقة:
لسنا فقط أمام عالم لا يسمح بالتأثير،
بل أمام عالم يفرض علينا أن نعيد تعريف ما نعنيه بالتأثير أصلاً،
وأن نبحث عنه في أماكن لم نكن نعتبرها جزءاً من السياسة من قبل.
كل التقدير لهذا النص الذي لم يكتفِ بتحليل العالم،
بل أعاد بناء النقاش حوله،
ودفعنا إلى مسؤولية أكثر تعقيداً:
ليس فقط أن نفهم ما يجري،
بل أن نعيد التفكير في كيفية فهمه.
خالد عطية
22/3/2026


***


ممتنة لك كثيرا يا خالد على هذا الاشتباك العميق مع مقال أنت ونائل التونسي جزءا أساسيا من بنيته. وأعتقد أن ما أشرت إليه يعبّر بالفعل عن انتقال مهم في مستوى النقاش: من محاولة فهم العالم، إلى مساءلة شروط إنتاج هذا الفهم ذاته، وهو انتقال لا يقل أهمية عن التحولات التي نحاول تحليلها.
لفتّ انتباهي بشكل خاص توقفك عند مسألة “شروط الإمكان”، وطرحك للسؤال الحرج: هل نحن أمام بنية مكتملة تعيد إنتاج نفسها، أم أمام بنية سيّالة تمنع اكتمالها؟ وهو في تقديري سؤال مفصلي، لأنه يحدد ما إذا كان “الفخ المركّب” إطارا تحليليا مفتوحا، أم أنه ينزلق - دون قصد - نحو نوع من الحتمية البنيوية.
وهنا أود أن أوضح أن ما يحاول مفهوم “الفخ المركّب” الإمساك به ليس بنية مغلقة بالمعنى الصارم، بل نمط اشتغال يتميّز بقدر عال من القدرة على إعادة إنتاج نفسه، دون أن يكون ذلك نتيجة اكتمال أو إحكام نهائي.
بمعنى آخر، نحن لا نتحدث عن نظام مكتمل، بل عن ديناميكية تعيد إنتاج الاختلال باستمرار، وهو ما يجعلها في الوقت ذاته: غير قابلة للحسم الكامل، وغير قابلة أيضا للانفلات الكامل.
وهذا التوتر بالذات - بين إعادة الإنتاج وعدم الاكتمال - هو ما يمنح “الفخ المركّب” طبيعته الخاصة.
من هنا، أجد أن ملاحظتك حول أن سيولة البنية قد تفتح إمكانيات غير متوقعة للانزياح، ليست فقط وجيهة، بل ضرورية، لأنها تمنع تحويل التحليل إلى قدرية مغلقة.
لكن في المقابل، أعتقد أن هذه الإمكانيات تظل محكومة بسقف بنيوي يتعذر تجاوزه بسهولة، بحيث لا يتحول كل انزياح إلى تحول نوعي، بل غالبا ما يُعاد احتواؤه ضمن منطق أوسع يعيد إنتاج التوازنات المختلة.
وفي هذا السياق، يصبح التمييز الذي أشرت إليه بين إدارة الأزمات داخل الفخ، وإعادة تشكيل شروط الفخ نفسه تمييزا بالغ الأهمية،
وربما يمكن تطويره بالقول إن المستوى الأول هو المجال الذي تعمل فيه أغلب الفاعليات السياسية الحالية، حيث يجري التكيف مع البنية. بينما يبقى المستوى الثاني مجالا أكثر بطئا وتعقيدا، ويتطلب تراكما طويل الأمد لا يهدف إلى كسر البنية مباشرة، بل إلى إزاحة شروط اشتغالها تدريجيا.
وهنا نصل إلى نقطة “التراكم” التي أثارها نائل. وأعتقد أن إضافتك بإعادة قراءتها بوصفها إمكانية لإرباك منطق الفخ، وليس فقط العمل داخله، تمثل إضافة نوعية للنقاش. ومع ذلك، ربما يكون من الأدق القول إن التراكم يعمل في مستويين متداخلين:
مستوى يُعاد فيه امتصاصه ضمن البنية، ومستوى آخر، أقل وضوحا، قد يسهم في تعديلها ببطء. أي أننا أمام عملية مزدوجة، لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد.
أما فيما يتعلق بفكرة الفوضى بوصفها نمط اشتغال، فإن ملاحظتك حول أن غياب المركز لا يعني فقط استحالة السيطرة، بل أيضا استحالة الإحكام الكامل، تفتح بالفعل أفقا مهما. وربما يمكن البناء عليها بالقول إن ما نعيشه ليس فقط تفككا في القدرة على الضبط، بل أيضا تآكلا في القدرة على تثبيت أي شكل مستقر، سواء من قبل القوى الكبرى أو من قبل الفاعلين الآخرين. وهو ما يجعل العالم في حالة انفتاح دائم، لكنه انفتاح غير متكافئ، تظل فيه بعض الأطراف أكثر قدرة على توجيه المسارات من غيرها، دون أن تمتلك السيطرة عليها بالكامل.
في هذا الإطار، لا يبدو أن السؤال هو ما إذا كانت الفاعلية ممكنة أو مستحيلة، بل كيف يمكن التفكير فيها خارج ثنائية الحسم/العجز. وهو ما يتقاطع مع ما أشرتَ إليه حول ضرورة إعادة تعريف التأثير ذاته، والبحث عنه في مستويات لم تكن تُعد تقليديا جزءا من الفعل السياسي.
أما على مستوى الفاعلية العربية، فأعتقد أن التحدي يتجاوز إعادة تعريف الأدوات، ليصل إلى مستوى أعمق يتعلق باللغة المفاهيمية نفسها التي نفكر من خلالها. فحين تتغير شروط العالم، تصبح المفاهيم التي نستخدمها - كما أشرت - جزءا من المشكلة، وليس مجرد أدوات لفهمها. لكن في الوقت ذاته، لا يعني ذلك أن الفاعلية تنتفي، بل أنها تعيد التشكل في هوامش ضيقة، تتطلب قراءة مختلفة، لا تبحث عن لحظة حسم، بل عن مسارات تراكمية قد لا تظهر نتائجها في المدى القصير.
من هنا، ربما يمكن صياغة النقطة التي وصل إليها هذا الحوار بشكل أكثر دقة: لسنا أمام عالم مغلق يستحيل التأثير فيه، ولا أمام عالم مفتوح بالكامل، بل أمام بنية متحركة، تعيد إنتاج حدودها باستمرار، لكنها لا تنجح في تثبيتها نهائيا. وفي هذه المسافة تحديدا، بين إعادة الإنتاج وعدم الاكتمال، تتحدد إمكانيات الفعل، بكل ما تحمله من قيود وهشاشة، ولكن أيضا من إمكانات كامنة.
ممتنة لك مجددا على هذا النقاش الحيوي الذي لا يكتفي بمساءلة الأفكار، بل يساهم في تطويرها، ويفتح أفقا ضروريا لاستمرار التفكير، ليس فقط فيما يحدث، بل في كيفية التفكير فيه، وفي إعادة تشكيل هذا التفكير بوصفه شرطا لإمكان الفعل، وليس مجرد وعي بحدوده.
غانية ملحيس
22/3/2026
 
أعلى