في السنوات الأخيرة،
بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
ليس في نشرات الأخبار.
ولا في خطابات السياسيين.
ولا في البيانات التي تصدر كل يوم ثم تختفي في اليوم التالي.
بل في الأحاديث الجانبية.
في جلسات الأصدقاء القدامى.
في مكالمات الهاتف التي تبدأ بالسؤال عن الصحة وتنتهي عند أسئلة التاريخ.
وفي التعليقات التي تظهر فجأة تحت صورة قديمة التُقطت في زمن بعيد.
أشخاص تجاوزوا السبعين.
وبعضهم اقترب من الثمانين.
أشخاص حملوا البنادق والكاميرات والدفاتر وحقائب السفر.
وعاشوا المنافي والحروب والحصارات.
ورأوا الشهداء بأعينهم.
وعرفوا السجون من الداخل.
وشهدوا ولادة أحلام كبيرة وانكسارات أكبر.
هؤلاء أنفسهم بدأوا يطرحون أسئلة لم أكن أسمعها بهذا الوضوح من قبل.
ليس لأنهم فقدوا إيمانهم بما عاشوه.
وليس لأنهم قرروا التنكر لتاريخهم.
بل لأن الزمن منحهم شيئًا لم يكن متاحًا في لحظة الحدث.
المسافة.
ففي قلب العاصفة لا يرى الإنسان إلا ما تسمح له العاصفة برؤيته.
أما بعد مرور السنين، يبدأ بالنظر إلى الطريق كله.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو:
هل كنا مخدوعين؟
كلمة "خديعة" قاسية أكثر مما ينبغي.
لأنها تختزل عمرًا كاملًا من التضحيات والأحلام والآمال والخيبات في كلمة واحدة.
والحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
لقد كانت هناك تضحيات حقيقية.
وسجون حقيقية.
وشهداء حقيقيون.
وأمهات انتظرن أبناءهن سنوات طويلة.
وشباب خرجوا من بيوتهم وهم يعتقدون أنهم ذاهبون إلى مستقبل أجمل لشعبهم.
لا يمكن شطب كل ذلك بجملة واحدة.
لكن في المقابل، لا أعتقد أن من حق أي جيل أن يحرم نفسه من مراجعة تجربته.
بل ربما تكون المراجعة المتأخرة أكثر صدقًا من اليقين المبكر.
وأعترف أن أكثر ما يشغلني اليوم ليس الأشخاص.
ولا الأسماء.
ولا الصراعات القديمة.
بل شيء أكبر من ذلك كله.
الخوف من أن تكون بعض الأسئلة الجوهرية قد بقيت مؤجلة أكثر مما ينبغي.
فإذا كانت هناك أسئلة لم نجرؤ على طرحها لعقود طويلة، فكيف يمكن أن نفهم أين أخطأنا؟
وكيف يمكن أن نعرف الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم؟
فالثورات لا تتعثر بسبب أعدائها فقط.
أحيانًا تتعثر لأنها تتوقف عن مساءلة نفسها.
وأحيانًا لأنها تحول بعض الملفات إلى مناطق ممنوع الاقتراب منها.
وأحيانًا لأن السؤال يصبح تهمة.
بينما الحقيقة أن السؤال ليس خيانة.
الخيانة هي الخوف من السؤال.
ولعل ما يدفعني إلى التفكير في ذلك ليس الماضي بقدر ما هو الحاضر.
فأنا أنظر اليوم حولي فأرى شعبًا موزعًا بين احتلال وحصار ومنفى ولجوء.
وأرى مؤسسات هرمت قبل أن تحقق أهدافها.
وأرى أجيالًا جديدة تدخل الحياة السياسية وهي لا تعرف على وجه اليقين كيف وصلنا إلى هنا.
وأرى واقعًا يبدو لكثيرين وكأنه قدر محتوم.
وهنا يبدأ السؤال الذي يؤرقني.
هل ما نعيشه اليوم هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من القرارات والاجتهادات والأخطاء والإصابات؟
أم أن هناك خريطة كانت تُرسم بهدوء بينما كنا نظن أننا نحن من يرسمها؟
هل وصلنا إلى هذا الواقع لأننا اخترناه خطوة خطوة، حتى عندما أخطأنا التقدير؟
أم أننا كنا نسير داخل ممر ضيق رُسمت جدرانه مسبقًا، بينما كنا نظن أننا نسير في فضاء مفتوح؟
لا أملك إجابة قاطعة.
وأحذر نفسي قبل غيري من إغراء الإجابات السهلة.
لكنني أعرف أن ما نراه اليوم ليس حدثًا عابرًا.
فالواقع لا يولد في ليلة واحدة.
ولا تصنعه سنة واحدة.
ولا يصنعه شخص واحد.
إنه حصيلة عقود كاملة.
عقود من الأحلام والقرارات والصراعات والانتصارات والانكسارات.
ولهذا، عندما أنظر إلى المشهد الفلسطيني اليوم، لا أسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل أسأل أيضًا:
هل كان يمكن أن يحدث غير ما حدث؟
وهل كانت هناك طرق أخرى لم نسلكها؟
وهل استُبعدت خيارات معينة منذ البداية؟
وهل بقيت بعض الأسئلة ممنوعة من التداول إلى أن وجدنا أنفسنا أمام هذا الواقع الذي يبدو أحيانًا وكأنه نهاية الطريق؟
هنا بالضبط يبدأ القلق.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس أن يخطئ.
فكل الشعوب تخطئ.
بل أن يفقد القدرة على التمييز بين ما اختاره بنفسه، وما جرى اختياره له.
بين الطريق الذي بناه بيديه، والطريق الذي وجد نفسه يسير فيه دون أن ينتبه كيف دخل إليه.
ولهذا أعود إلى السؤال ذاته.
ليس بوصفه اتهامًا لأحد.
ولا تبرئة لأحد.
ولا محاكمة للماضي.
بل محاولة لفهم الحاضر.
هل كنا نرى الصورة كلها؟
أم أننا كنا نرى الجزء الذي سمح لنا الزمن برؤيته فقط؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أن الأجيال التي تمتلك شجاعة السؤال تمتلك فرصة أكبر للوصول إلى الحقيقة من الأجيال التي تخاف الاقتراب منها.
فالمشكلة ليست في أن نكتشف أن بعض ما اعتقدناه يحتاج إلى مراجعة.
المشكلة أن نرفض المراجعة خوفًا مما قد تكشفه.
عندها لا يصبح الماضي تاريخًا نتعلم منه.
بل يتحول إلى قدر نعيد إنتاجه مرة بعد أخرى.
ولهذا تبقى الأسئلة المفتوحة، مهما كانت مؤلمة، أكثر رحمة من اليقين المغلق.
ويبقى السؤال الذي يرافقني كلما نظرت إلى ما حولنا اليوم:
هل نحن أمام حصيلة تاريخ صنعناه نحن؟
أم أمام تاريخ ساهم آخرون في صناعته لنا أكثر مما كنا نتصور؟
وربما تكون الإجابة الحقيقية،
كما يحدث دائمًا في الحياة،
موجودة في مكان ما بين السؤالين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5/6/2026
بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
ليس في نشرات الأخبار.
ولا في خطابات السياسيين.
ولا في البيانات التي تصدر كل يوم ثم تختفي في اليوم التالي.
بل في الأحاديث الجانبية.
في جلسات الأصدقاء القدامى.
في مكالمات الهاتف التي تبدأ بالسؤال عن الصحة وتنتهي عند أسئلة التاريخ.
وفي التعليقات التي تظهر فجأة تحت صورة قديمة التُقطت في زمن بعيد.
أشخاص تجاوزوا السبعين.
وبعضهم اقترب من الثمانين.
أشخاص حملوا البنادق والكاميرات والدفاتر وحقائب السفر.
وعاشوا المنافي والحروب والحصارات.
ورأوا الشهداء بأعينهم.
وعرفوا السجون من الداخل.
وشهدوا ولادة أحلام كبيرة وانكسارات أكبر.
هؤلاء أنفسهم بدأوا يطرحون أسئلة لم أكن أسمعها بهذا الوضوح من قبل.
ليس لأنهم فقدوا إيمانهم بما عاشوه.
وليس لأنهم قرروا التنكر لتاريخهم.
بل لأن الزمن منحهم شيئًا لم يكن متاحًا في لحظة الحدث.
المسافة.
ففي قلب العاصفة لا يرى الإنسان إلا ما تسمح له العاصفة برؤيته.
أما بعد مرور السنين، يبدأ بالنظر إلى الطريق كله.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو:
هل كنا مخدوعين؟
كلمة "خديعة" قاسية أكثر مما ينبغي.
لأنها تختزل عمرًا كاملًا من التضحيات والأحلام والآمال والخيبات في كلمة واحدة.
والحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
لقد كانت هناك تضحيات حقيقية.
وسجون حقيقية.
وشهداء حقيقيون.
وأمهات انتظرن أبناءهن سنوات طويلة.
وشباب خرجوا من بيوتهم وهم يعتقدون أنهم ذاهبون إلى مستقبل أجمل لشعبهم.
لا يمكن شطب كل ذلك بجملة واحدة.
لكن في المقابل، لا أعتقد أن من حق أي جيل أن يحرم نفسه من مراجعة تجربته.
بل ربما تكون المراجعة المتأخرة أكثر صدقًا من اليقين المبكر.
وأعترف أن أكثر ما يشغلني اليوم ليس الأشخاص.
ولا الأسماء.
ولا الصراعات القديمة.
بل شيء أكبر من ذلك كله.
الخوف من أن تكون بعض الأسئلة الجوهرية قد بقيت مؤجلة أكثر مما ينبغي.
فإذا كانت هناك أسئلة لم نجرؤ على طرحها لعقود طويلة، فكيف يمكن أن نفهم أين أخطأنا؟
وكيف يمكن أن نعرف الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم؟
فالثورات لا تتعثر بسبب أعدائها فقط.
أحيانًا تتعثر لأنها تتوقف عن مساءلة نفسها.
وأحيانًا لأنها تحول بعض الملفات إلى مناطق ممنوع الاقتراب منها.
وأحيانًا لأن السؤال يصبح تهمة.
بينما الحقيقة أن السؤال ليس خيانة.
الخيانة هي الخوف من السؤال.
ولعل ما يدفعني إلى التفكير في ذلك ليس الماضي بقدر ما هو الحاضر.
فأنا أنظر اليوم حولي فأرى شعبًا موزعًا بين احتلال وحصار ومنفى ولجوء.
وأرى مؤسسات هرمت قبل أن تحقق أهدافها.
وأرى أجيالًا جديدة تدخل الحياة السياسية وهي لا تعرف على وجه اليقين كيف وصلنا إلى هنا.
وأرى واقعًا يبدو لكثيرين وكأنه قدر محتوم.
وهنا يبدأ السؤال الذي يؤرقني.
هل ما نعيشه اليوم هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من القرارات والاجتهادات والأخطاء والإصابات؟
أم أن هناك خريطة كانت تُرسم بهدوء بينما كنا نظن أننا نحن من يرسمها؟
هل وصلنا إلى هذا الواقع لأننا اخترناه خطوة خطوة، حتى عندما أخطأنا التقدير؟
أم أننا كنا نسير داخل ممر ضيق رُسمت جدرانه مسبقًا، بينما كنا نظن أننا نسير في فضاء مفتوح؟
لا أملك إجابة قاطعة.
وأحذر نفسي قبل غيري من إغراء الإجابات السهلة.
لكنني أعرف أن ما نراه اليوم ليس حدثًا عابرًا.
فالواقع لا يولد في ليلة واحدة.
ولا تصنعه سنة واحدة.
ولا يصنعه شخص واحد.
إنه حصيلة عقود كاملة.
عقود من الأحلام والقرارات والصراعات والانتصارات والانكسارات.
ولهذا، عندما أنظر إلى المشهد الفلسطيني اليوم، لا أسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل أسأل أيضًا:
هل كان يمكن أن يحدث غير ما حدث؟
وهل كانت هناك طرق أخرى لم نسلكها؟
وهل استُبعدت خيارات معينة منذ البداية؟
وهل بقيت بعض الأسئلة ممنوعة من التداول إلى أن وجدنا أنفسنا أمام هذا الواقع الذي يبدو أحيانًا وكأنه نهاية الطريق؟
هنا بالضبط يبدأ القلق.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس أن يخطئ.
فكل الشعوب تخطئ.
بل أن يفقد القدرة على التمييز بين ما اختاره بنفسه، وما جرى اختياره له.
بين الطريق الذي بناه بيديه، والطريق الذي وجد نفسه يسير فيه دون أن ينتبه كيف دخل إليه.
ولهذا أعود إلى السؤال ذاته.
ليس بوصفه اتهامًا لأحد.
ولا تبرئة لأحد.
ولا محاكمة للماضي.
بل محاولة لفهم الحاضر.
هل كنا نرى الصورة كلها؟
أم أننا كنا نرى الجزء الذي سمح لنا الزمن برؤيته فقط؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أن الأجيال التي تمتلك شجاعة السؤال تمتلك فرصة أكبر للوصول إلى الحقيقة من الأجيال التي تخاف الاقتراب منها.
فالمشكلة ليست في أن نكتشف أن بعض ما اعتقدناه يحتاج إلى مراجعة.
المشكلة أن نرفض المراجعة خوفًا مما قد تكشفه.
عندها لا يصبح الماضي تاريخًا نتعلم منه.
بل يتحول إلى قدر نعيد إنتاجه مرة بعد أخرى.
ولهذا تبقى الأسئلة المفتوحة، مهما كانت مؤلمة، أكثر رحمة من اليقين المغلق.
ويبقى السؤال الذي يرافقني كلما نظرت إلى ما حولنا اليوم:
هل نحن أمام حصيلة تاريخ صنعناه نحن؟
أم أمام تاريخ ساهم آخرون في صناعته لنا أكثر مما كنا نتصور؟
وربما تكون الإجابة الحقيقية،
كما يحدث دائمًا في الحياة،
موجودة في مكان ما بين السؤالين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5/6/2026