أمين كعابنة (ابن البادية،) - حين تتلاقح العقول… تنمو الفكرة

ثمة أناس يدخلون حياتنا دون موعد، ولا نعرف كيف بدأت الحكاية معهم، ثم نكتشف بعد فترة قصيرة أن حضورهم لم يكن عابرًا، وأن بعض العلاقات الجميلة لا تحتاج إلى سنوات حتى تتشكل، فقد تبدأ من جملة، أو تعليق، أو كتاب، أو فكرة عبرت من عقل إلى عقل، ثم وجدت لها مكانًا في القلب. وهذا بالضبط ما حدث معي خلال الأسبوعين الماضيين، حين وجدت أربعة أسماء تتكرر في فضائي الكتابي، وتترك في كل مرة أثرًا جديدًا: غانيا ملحيس، وعواد أبو زينة، ومهدي ناقوس، والروائي والصديق نافذ الرفاعي.

بدأت الحكاية مع نافذ الرفاعي، حين أرسل إلي رواية، فقرأتها وكتبت تعليقًا عليها. نشر نافذ التعليق، وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند حدود منشور وتعليق، كما تنتهي أشياء كثيرة في فضاء التواصل، لكن الكلمة حين تجد من يلتقطها لا تعرف أين يمكن أن تصل. خرج التعليق من صفحتي، وبدأت معه دائرة جديدة من التفاعل، فإذا بأسماء لم تجمعني بها معرفة سابقة تقرأ وتعلق وتتابع وتراسل.

كانت غانيا ملحيس من أوائل من التقطوا هذا الخيط. لم تكن تعرفني من قبل، ولم تكن تعرف ابن البادية الذي يكتب من هناك، ولم تكن بيننا معرفة سابقة تجعلها تتابع ما أكتب. لكنها قرأت الكلمة، فكان اهتمامها بها هو الطريق إلى معرفة صاحبها. علقت، وراسلت، وتابعت، ثم لم يتوقف الأمر عند ذلك المنشور، بل امتد إلى المقالات التي كتبتها بعد ذلك، فما زالت حاضرة بالقراءة والتعليق والتشجيع، في العام والخاص، وكأن بيننا معرفة قديمة لم تبدأ في يوم محدد، وإنما بدأت حين التقت الكلمة بعين تقرأها وقلب يتفاعل معها.

ثم جاء عواد أبو زينة، وكان حضوره امتدادا لهذا التواصل. تعليق هنا، ومراسلة هناك، واهتمام بما أكتب ومتابعة لما أنشر. وما يعنيني في الأمر أن هذه العلاقة لم تتوقف عند حدود المجاملة التي تنتهي بانتهاء المنشور، وإنما استمرت مع كل مقال جديد، وكأن الفكرة حين تجد من يصغي إليها تصبح قادرة على أن تخلق حولها دائرة من الحوار. وهنا تذكرت شيئا من مجالسنا في البادية؛ فالضيف عندنا لا يكون مجرد شخص دخل المجلس ثم خرج، وإنما يصبح له مكان في الذاكرة، ويظل أهل المجلس أوفياء للقاء ولو طال الزمن. وما وجدته عند هؤلاء قريب من هذا المعنى، وإن كان مجلسنا هذه المرة من الكلمات والأفكار.

ثم جاء مهدي ناقوس، وكان للكلمة معه طريق آخر. فبعض الناس يقرأون النص ويكتفون، وبعضهم يعلقون ويشجعون، وهناك من يرى أن النص الجيد ينبغي أن يسافر إلى قارئ آخر. وهذا ما وجدته عند مهدي؛ متابعة للنصوص، واهتمام بها، ثم نشر وإيصال إلى فضاءات ثقافية أوسع، ومن بينها الأنطولوجيا. وهنا شعرت أن المسألة لم تعد مجرد تفاعل على منشور، وإنما بدأت تأخذ صورة أجمل؛ صورة مجموعة من العقول تتحرك حول الفكرة، كل عقل يضيف إليها شيئا، وكل إنسان يمنحها مساحة جديدة للحياة.

أما نافذ الرفاعي، فله في هذه الحكاية موقع مختلف، لأنه الصديق الذي كان يعرفني من قبل، ومن عنده بدأت إحدى حلقات هذه القصة حين أرسل الرواية، ثم بقي حاضرا قارئا ومتابعا ومعلقا. وهكذا اكتملت أمامي صورة لم أكن أخطط لها، ولم يسع أحد منا إلى صناعتها، لكنها تشكلت بصورة طبيعية، حتى بدت لي مثل خلية نحل؛ لكل واحد فيها حركة مختلفة، لكن الجميع يعمل حول شيء واحد، هو الكلمة والفكرة.

وهنا أصل إلى المعنى الذي أراه أهم من الأسماء نفسها: تلاقح العقول.

الفكرة لا تولد مكتملة، كما أن النبتة لا تبدأ شجرة. تبدأ بذرة صغيرة، ثم تحتاج إلى تربة صالحة وماء وشمس وعناية حتى تنمو. وكذلك الفكرة حين يكتبها الإنسان. قد تكون في بدايتها مجرد خاطر أو سؤال أو موقف، ثم يأتي تعليق يضيف إليها، ورسالة تفتح زاوية جديدة، وحوار يكشف معنى لم يكن ظاهرًا، ونشر يوصلها إلى قارئ آخر، فإذا بها تكبر شيئا فشيئا، حتى تصبح أوسع من اللحظة التي ولدت فيها.

وهذا هو تلاقح العقول الذي أعنيه. ليس المقصود أن يتفق الناس في كل شيء، وإنما أن يضيف عقل إلى عقل، وأن تنمو الفكرة حين تنتقل بين أصحابها، وأن يعود الكاتب إلى نصه أحيانا بعين مختلفة لأنه وجد من حاوره فيه. وقد يكون أجمل ما في الثقافة أن الإنسان لا يظل أسيرا لما يعرفه، وإنما يتغير بما يسمعه ويقرأه ويتحاور حوله. نحن لا نكتب وحدنا، حتى حين نجلس وحدنا أمام الصفحة.

لقد عرفني هؤلاء من خلال الكتابة قبل أن يعرفوني من خلال المكان. لم يسألوا أولا: من هذا الذي يكتب من البادية؟ ولم يكن السؤال إن كان قادما من المدينة أو القرية أو من مكان بعيد. وصلت إليهم الكلمة، فكانت الكلمة هي الوسيلة التي عرّفتهم بصاحبها. وهذه بالنسبة إلي قيمة كبيرة، لأن الإنسان حين يحكم على الفكرة قبل صاحبها يكون قد أعطى الكلمة حقها، وحين يقترب من الإنسان من خلال ما يقول لا من خلال موقعه، فإنه يفتح بابا أكثر صدقا للتعارف.

وأنا ابن البادية، وأعتز بذلك، لكنني أعرف أيضا أن البادية علمتنا شيئا لا يتغير بتغير المكان: الوفاء. علمتنا المجالس أن من نزل بك ضيفا لا يصبح غريبا بعد أن يغادر، وأن المعروف لا ينتهي بانتهاء المجلس. فالضيف له حقه في السؤال، وله مكان في الذاكرة، وله تقديره حتى بعد أن يرحل. وربما لهذا السبب شعرت تجاه هذه التجربة بشيء يتجاوز الإعجاب بالتفاعل؛ لأنني رأيت فيها معنى قريبا من تلك القيم التي تربينا عليها.

هؤلاء لم يهتموا بي لأنني ابن البادية، ولم تكن هناك معرفة سابقة تدفعهم إلى ذلك. اهتموا بالكلمة، وحين وجدوا فيها ما يستحق المتابعة واصلوا حضورهم. ما زالت غانيا تتابع وتعلق، وما زال عواد حاضرًا بالتعليق والمراسلة والاهتمام، وما زال مهدي يتابع وينشر ويفتح للنص طريقا إلى فضاءات أخرى، وما زال نافذ حاضرًا بعينه القارئة واهتمامه ومتابعته. ولهذا فإنني لا أستطيع أن أضع كل ذلك تحت عنوان «تفاعل على فيسبوك». التفاعل ينتهي غالبا بانتهاء المنشور، أما ما بيننا فقد تجاوز المنشور إلى التواصل والاستمرار.

وهنا تعلمت أن الإنسان يؤثر في الإنسان أكثر مما نظن. قد يكتب أحدنا تعليقا صغيرا ولا يدرك أثره، وقد يرسل رسالة قصيرة فيظن أنها عابرة، بينما تكون عند الطرف

تعليقات

غانية ملحيس



أمين

أظنك هذه المرة لا تكتب عن «أمين» ولا عن البادية، وإنما تكتب عن شيء أعمق: كيف يمكن للكلمة أن تفتح طريقا بين العقول، وكيف يمكن لنص صغير أن يصبح بداية لسلسلة من اللقاءات الفكرية التي لا يعرف صاحبها، لحظة كتابته، إلى أين يمكن أن تقوده.
وأظن أن أجمل ما في التجربة أنك لم تخطط لها أصلا. أنت بدأت بإرسال قراءتك لـ«المهاتر» إلى نافذ الرفاعي، وفتحت بذلك بابا صغيرا، ثم جاءت الكلمات من ذلك الباب إلى أبواب أخرى، ووجدت قراء لم تكن تعرفهم، وبدأ الحوار، ثم اتسعت دائرة القراءة والتعليق والمراسلة والنشر.
وهنا أرى أن عنوانك «حين تتلاقح العقول… تنمو الفكرة» يلتقط شيئا حقيقيا مما حدث، لكنه يفتح أيضا سؤالا أكبر من التجربة الشخصية: متى تتحول القراءة من فعل استقبال إلى فعل إنتاج؟ ومتى يصبح الحوار نفسه جزءا من الكتابة؟
هذا، في رأيي، هو أجمل ما بدأ يتشكل في تجربتك.
فأنت لم تعد تكتب النص ثم تنتظر من يقرأه، بدأت تدخل في علاقة مع قارئ يرد عليك، ويسأل، ويختلف، ويفتح في النص بابا لم تره أثناء الكتابة. ثم تعود أنت إلى النص بعين أخرى. وهنا لا يعود النص ملكا لك وحدك، يصبح، بمجرد خروجه إلى المجال العام، مادة لتفاعل معرفي يمكن أن يضيف إليه بقدر ما يكشفه.
ولعل هذا هو معنى «تلاقح العقول» الذي تشير إليه: ليس أن تتطابق العقول، ولا أن يتفق أصحابها، وإنما أن يحتفظ كل عقل بخصوصيته، ويترك في الوقت نفسه نافذة مفتوحة للآخر كي يضيف، أو يعترض، أو يعيد ترتيب السؤال.
وهنا أريد أن أقول لك شيئا ربما يكون أهم من الشكر الذي خصصته لنا جميعا:
لا تجعل هذا المجلس الجديد بديلا عن الكتابة، بل اجعله مختبرا لها.
فالقارئ الجيد لا ينبغي أن يصبح مرجعية للكاتب، كما أن تشجيع الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى معيار يقيس به الكاتب قيمة ما يكتب. نحن نقرأك لأننا وجدنا في كتابتك شيئا يستحق القراءة، لكن مسؤوليتك أنت أن تختبر هذا الصوت خارج الدائرة التي بدأت منها الحكاية، وأن تضعه أمام قراء لا يعرفونك، وربما لا يشاركونك تجربتك ولا رؤيتك ولا ذائقتك.
وهنا بالذات أرى أنك بدأت تعبر الأبواب التي فتحتها بنفسك.
بدأت بـ«المهاتر»، ثم أخذتك الكتابة إلى الذاكرة والمكان والطريق والانتظار، ثم إلى الاحتلال وتحول حديث الناس، والآن إلى سؤال العلاقة بين الكاتب والقارئ وتلاقح الأفكار.
وهذه ليست موضوعات منفصلة تماما، ثمة خيط يتشكل بينها: الإنسان الذي ينظر إلى تجربته الصغيرة، ثم يكتشف من خلالها عالما أوسع.
وهذا هو الكاتب الذي نريد جميعا أن نراه يذهب إليه.
أما ما كتبته عني وعن عواد ومهدي ونافذ، فأقدره كثيرا، وأراه وفاء جميلا منك، وهو أيضا يكشف شيئا جميلا في شخصيتك: أنك لا تنظر إلى الكتابة باعتبارها فعلا فرديا مغلقا، بل ترى في المعرفة علاقة، وفي الكلمة جسرا، وفي التشجيع مسؤولية متبادلة.
لكنني أريد أن أعيد الكرة إلى ملعبك مرة أخرى:
نحن أخذنا منك يا أمين، ربما، أكثر مما أخذت منا.
نحن لم نصنع الكاتب أمين، ولم نكتب عنه ما لم يكن موجودا فيه. نحن فقط دخلنا من الأبواب التي فتحتها أنت، ثم حاول كل واحد منا أن يفتح لك بابا آخر.
وأظن أن أجمل ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تستمر في فتح الأبواب مع قراء آخرين.
قد يكون هذا هو «رد العطا» الحقيقي الذي تتحدث عنه: ليس أن ترد لنا الجميل بالكلمات، وإنما أن تجعل ما وصلك من قراءة وتشجيع وحوار يتحول إلى كتابة أكثر كثافة، وأسئلة أكثر جرأة، ونصوص تستطيع أن تعيش بعيدا عن أصحابها الأوائل.
أما عبارة «نحن لا نكتب وحدنا، حتى حين نجلس وحدنا أمام الصفحة»، فأراها من أجمل أفكار النص، لأنها تختصر معنى التجربة كلها. الكاتب يحمل معه ذاكرته وقراءاته وأمكنته وحواراته ووجوه الذين أثروا فيه، لكنه في النهاية مطالب بأن يصنع من كل ذلك صوته هو.
وأظن أن هذا هو التحدي الجميل الذي ينتظرك الآن.
فاستمر في الكتابة، ليس لأن حولك من يشجعك، بل لأنك بدأت تكتشف أن لديك ما تقوله.
واستمر في الحوار، ليس لأن الجميع سيوافقونك، بل لأن الاختلاف الجاد هو الذي يوسع أفق الكاتب.
وافتح الأبواب التي بدأت تلوح أمامك، لكن لا تخف من أن تذهب إلى أبواب لم نفتحها نحن.
لقد بدأنا نكتشف كاتبا مختلفا من خلال ما تكتب، وأظن أن دورنا الحقيقي الآن ليس أن نقول لك من أنت، وإنما أن نترك لك المساحة الكافية لكي تكتشف أنت من يمكن أن تكون، كما فعل آخرون معنا حين كنا نتحسس الطريق.
وهذا، في النهاية، هو أجمل ما يمكن أن تفعله الصحبة الفكرية: أن تساعد الإنسان على أن يعثر على صوته، ثم تتركه يمضي به أبعد مما كان يتصور.
اكتب يا أمين.
فالأبواب التي فتحتها لنا، آن أوان أن تفتح منها أبوابا أخرى لقرائك.
 
أعلى