أمين كعابنة (ابن البادية،) - حين تتلاقح العقول… تنمو الفكرة

ثمة أناس يدخلون حياتنا دون موعد، ولا نعرف كيف بدأت الحكاية معهم، ثم نكتشف بعد فترة قصيرة أن حضورهم لم يكن عابرًا، وأن بعض العلاقات الجميلة لا تحتاج إلى سنوات حتى تتشكل، فقد تبدأ من جملة، أو تعليق، أو كتاب، أو فكرة عبرت من عقل إلى عقل، ثم وجدت لها مكانًا في القلب. وهذا بالضبط ما حدث معي خلال الأسبوعين الماضيين، حين وجدت أربعة أسماء تتكرر في فضائي الكتابي، وتترك في كل مرة أثرًا جديدًا: غانيا ملحيس، وعواد أبو زينة، ومهدي ناقوس، والروائي والصديق نافذ الرفاعي.

بدأت الحكاية مع نافذ الرفاعي، حين أرسل إلي رواية، فقرأتها وكتبت تعليقًا عليها. نشر نافذ التعليق، وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند حدود منشور وتعليق، كما تنتهي أشياء كثيرة في فضاء التواصل، لكن الكلمة حين تجد من يلتقطها لا تعرف أين يمكن أن تصل. خرج التعليق من صفحتي، وبدأت معه دائرة جديدة من التفاعل، فإذا بأسماء لم تجمعني بها معرفة سابقة تقرأ وتعلق وتتابع وتراسل.

كانت غانيا ملحيس من أوائل من التقطوا هذا الخيط. لم تكن تعرفني من قبل، ولم تكن تعرف ابن البادية الذي يكتب من هناك، ولم تكن بيننا معرفة سابقة تجعلها تتابع ما أكتب. لكنها قرأت الكلمة، فكان اهتمامها بها هو الطريق إلى معرفة صاحبها. علقت، وراسلت، وتابعت، ثم لم يتوقف الأمر عند ذلك المنشور، بل امتد إلى المقالات التي كتبتها بعد ذلك، فما زالت حاضرة بالقراءة والتعليق والتشجيع، في العام والخاص، وكأن بيننا معرفة قديمة لم تبدأ في يوم محدد، وإنما بدأت حين التقت الكلمة بعين تقرأها وقلب يتفاعل معها.

ثم جاء عواد أبو زينة، وكان حضوره امتدادا لهذا التواصل. تعليق هنا، ومراسلة هناك، واهتمام بما أكتب ومتابعة لما أنشر. وما يعنيني في الأمر أن هذه العلاقة لم تتوقف عند حدود المجاملة التي تنتهي بانتهاء المنشور، وإنما استمرت مع كل مقال جديد، وكأن الفكرة حين تجد من يصغي إليها تصبح قادرة على أن تخلق حولها دائرة من الحوار. وهنا تذكرت شيئا من مجالسنا في البادية؛ فالضيف عندنا لا يكون مجرد شخص دخل المجلس ثم خرج، وإنما يصبح له مكان في الذاكرة، ويظل أهل المجلس أوفياء للقاء ولو طال الزمن. وما وجدته عند هؤلاء قريب من هذا المعنى، وإن كان مجلسنا هذه المرة من الكلمات والأفكار.

ثم جاء مهدي ناقوس، وكان للكلمة معه طريق آخر. فبعض الناس يقرأون النص ويكتفون، وبعضهم يعلقون ويشجعون، وهناك من يرى أن النص الجيد ينبغي أن يسافر إلى قارئ آخر. وهذا ما وجدته عند مهدي؛ متابعة للنصوص، واهتمام بها، ثم نشر وإيصال إلى فضاءات ثقافية أوسع، ومن بينها الأنطولوجيا. وهنا شعرت أن المسألة لم تعد مجرد تفاعل على منشور، وإنما بدأت تأخذ صورة أجمل؛ صورة مجموعة من العقول تتحرك حول الفكرة، كل عقل يضيف إليها شيئا، وكل إنسان يمنحها مساحة جديدة للحياة.

أما نافذ الرفاعي، فله في هذه الحكاية موقع مختلف، لأنه الصديق الذي كان يعرفني من قبل، ومن عنده بدأت إحدى حلقات هذه القصة حين أرسل الرواية، ثم بقي حاضرا قارئا ومتابعا ومعلقا. وهكذا اكتملت أمامي صورة لم أكن أخطط لها، ولم يسع أحد منا إلى صناعتها، لكنها تشكلت بصورة طبيعية، حتى بدت لي مثل خلية نحل؛ لكل واحد فيها حركة مختلفة، لكن الجميع يعمل حول شيء واحد، هو الكلمة والفكرة.

وهنا أصل إلى المعنى الذي أراه أهم من الأسماء نفسها: تلاقح العقول.

الفكرة لا تولد مكتملة، كما أن النبتة لا تبدأ شجرة. تبدأ بذرة صغيرة، ثم تحتاج إلى تربة صالحة وماء وشمس وعناية حتى تنمو. وكذلك الفكرة حين يكتبها الإنسان. قد تكون في بدايتها مجرد خاطر أو سؤال أو موقف، ثم يأتي تعليق يضيف إليها، ورسالة تفتح زاوية جديدة، وحوار يكشف معنى لم يكن ظاهرًا، ونشر يوصلها إلى قارئ آخر، فإذا بها تكبر شيئا فشيئا، حتى تصبح أوسع من اللحظة التي ولدت فيها.

وهذا هو تلاقح العقول الذي أعنيه. ليس المقصود أن يتفق الناس في كل شيء، وإنما أن يضيف عقل إلى عقل، وأن تنمو الفكرة حين تنتقل بين أصحابها، وأن يعود الكاتب إلى نصه أحيانا بعين مختلفة لأنه وجد من حاوره فيه. وقد يكون أجمل ما في الثقافة أن الإنسان لا يظل أسيرا لما يعرفه، وإنما يتغير بما يسمعه ويقرأه ويتحاور حوله. نحن لا نكتب وحدنا، حتى حين نجلس وحدنا أمام الصفحة.

لقد عرفني هؤلاء من خلال الكتابة قبل أن يعرفوني من خلال المكان. لم يسألوا أولا: من هذا الذي يكتب من البادية؟ ولم يكن السؤال إن كان قادما من المدينة أو القرية أو من مكان بعيد. وصلت إليهم الكلمة، فكانت الكلمة هي الوسيلة التي عرّفتهم بصاحبها. وهذه بالنسبة إلي قيمة كبيرة، لأن الإنسان حين يحكم على الفكرة قبل صاحبها يكون قد أعطى الكلمة حقها، وحين يقترب من الإنسان من خلال ما يقول لا من خلال موقعه، فإنه يفتح بابا أكثر صدقا للتعارف.

وأنا ابن البادية، وأعتز بذلك، لكنني أعرف أيضا أن البادية علمتنا شيئا لا يتغير بتغير المكان: الوفاء. علمتنا المجالس أن من نزل بك ضيفا لا يصبح غريبا بعد أن يغادر، وأن المعروف لا ينتهي بانتهاء المجلس. فالضيف له حقه في السؤال، وله مكان في الذاكرة، وله تقديره حتى بعد أن يرحل. وربما لهذا السبب شعرت تجاه هذه التجربة بشيء يتجاوز الإعجاب بالتفاعل؛ لأنني رأيت فيها معنى قريبا من تلك القيم التي تربينا عليها.

هؤلاء لم يهتموا بي لأنني ابن البادية، ولم تكن هناك معرفة سابقة تدفعهم إلى ذلك. اهتموا بالكلمة، وحين وجدوا فيها ما يستحق المتابعة واصلوا حضورهم. ما زالت غانيا تتابع وتعلق، وما زال عواد حاضرًا بالتعليق والمراسلة والاهتمام، وما زال مهدي يتابع وينشر ويفتح للنص طريقا إلى فضاءات أخرى، وما زال نافذ حاضرًا بعينه القارئة واهتمامه ومتابعته. ولهذا فإنني لا أستطيع أن أضع كل ذلك تحت عنوان «تفاعل على فيسبوك». التفاعل ينتهي غالبا بانتهاء المنشور، أما ما بيننا فقد تجاوز المنشور إلى التواصل والاستمرار.

وهنا تعلمت أن الإنسان يؤثر في الإنسان أكثر مما نظن. قد يكتب أحدنا تعليقا صغيرا ولا يدرك أثره، وقد يرسل رسالة قصيرة فيظن أنها عابرة، بينما تكون عند الطرف

تعليقات

غانية ملحيس



أمين

أظنك هذه المرة لا تكتب عن «أمين» ولا عن البادية، وإنما تكتب عن شيء أعمق: كيف يمكن للكلمة أن تفتح طريقا بين العقول، وكيف يمكن لنص صغير أن يصبح بداية لسلسلة من اللقاءات الفكرية التي لا يعرف صاحبها، لحظة كتابته، إلى أين يمكن أن تقوده.
وأظن أن أجمل ما في التجربة أنك لم تخطط لها أصلا. أنت بدأت بإرسال قراءتك لـ«المهاتر» إلى نافذ الرفاعي، وفتحت بذلك بابا صغيرا، ثم جاءت الكلمات من ذلك الباب إلى أبواب أخرى، ووجدت قراء لم تكن تعرفهم، وبدأ الحوار، ثم اتسعت دائرة القراءة والتعليق والمراسلة والنشر.
وهنا أرى أن عنوانك «حين تتلاقح العقول… تنمو الفكرة» يلتقط شيئا حقيقيا مما حدث، لكنه يفتح أيضا سؤالا أكبر من التجربة الشخصية: متى تتحول القراءة من فعل استقبال إلى فعل إنتاج؟ ومتى يصبح الحوار نفسه جزءا من الكتابة؟
هذا، في رأيي، هو أجمل ما بدأ يتشكل في تجربتك.
فأنت لم تعد تكتب النص ثم تنتظر من يقرأه، بدأت تدخل في علاقة مع قارئ يرد عليك، ويسأل، ويختلف، ويفتح في النص بابا لم تره أثناء الكتابة. ثم تعود أنت إلى النص بعين أخرى. وهنا لا يعود النص ملكا لك وحدك، يصبح، بمجرد خروجه إلى المجال العام، مادة لتفاعل معرفي يمكن أن يضيف إليه بقدر ما يكشفه.
ولعل هذا هو معنى «تلاقح العقول» الذي تشير إليه: ليس أن تتطابق العقول، ولا أن يتفق أصحابها، وإنما أن يحتفظ كل عقل بخصوصيته، ويترك في الوقت نفسه نافذة مفتوحة للآخر كي يضيف، أو يعترض، أو يعيد ترتيب السؤال.
وهنا أريد أن أقول لك شيئا ربما يكون أهم من الشكر الذي خصصته لنا جميعا:
لا تجعل هذا المجلس الجديد بديلا عن الكتابة، بل اجعله مختبرا لها.
فالقارئ الجيد لا ينبغي أن يصبح مرجعية للكاتب، كما أن تشجيع الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى معيار يقيس به الكاتب قيمة ما يكتب. نحن نقرأك لأننا وجدنا في كتابتك شيئا يستحق القراءة، لكن مسؤوليتك أنت أن تختبر هذا الصوت خارج الدائرة التي بدأت منها الحكاية، وأن تضعه أمام قراء لا يعرفونك، وربما لا يشاركونك تجربتك ولا رؤيتك ولا ذائقتك.
وهنا بالذات أرى أنك بدأت تعبر الأبواب التي فتحتها بنفسك.
بدأت بـ«المهاتر»، ثم أخذتك الكتابة إلى الذاكرة والمكان والطريق والانتظار، ثم إلى الاحتلال وتحول حديث الناس، والآن إلى سؤال العلاقة بين الكاتب والقارئ وتلاقح الأفكار.
وهذه ليست موضوعات منفصلة تماما، ثمة خيط يتشكل بينها: الإنسان الذي ينظر إلى تجربته الصغيرة، ثم يكتشف من خلالها عالما أوسع.
وهذا هو الكاتب الذي نريد جميعا أن نراه يذهب إليه.
أما ما كتبته عني وعن عواد ومهدي ونافذ، فأقدره كثيرا، وأراه وفاء جميلا منك، وهو أيضا يكشف شيئا جميلا في شخصيتك: أنك لا تنظر إلى الكتابة باعتبارها فعلا فرديا مغلقا، بل ترى في المعرفة علاقة، وفي الكلمة جسرا، وفي التشجيع مسؤولية متبادلة.
لكنني أريد أن أعيد الكرة إلى ملعبك مرة أخرى:
نحن أخذنا منك يا أمين، ربما، أكثر مما أخذت منا.
نحن لم نصنع الكاتب أمين، ولم نكتب عنه ما لم يكن موجودا فيه. نحن فقط دخلنا من الأبواب التي فتحتها أنت، ثم حاول كل واحد منا أن يفتح لك بابا آخر.
وأظن أن أجمل ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تستمر في فتح الأبواب مع قراء آخرين.
قد يكون هذا هو «رد العطا» الحقيقي الذي تتحدث عنه: ليس أن ترد لنا الجميل بالكلمات، وإنما أن تجعل ما وصلك من قراءة وتشجيع وحوار يتحول إلى كتابة أكثر كثافة، وأسئلة أكثر جرأة، ونصوص تستطيع أن تعيش بعيدا عن أصحابها الأوائل.
أما عبارة «نحن لا نكتب وحدنا، حتى حين نجلس وحدنا أمام الصفحة»، فأراها من أجمل أفكار النص، لأنها تختصر معنى التجربة كلها. الكاتب يحمل معه ذاكرته وقراءاته وأمكنته وحواراته ووجوه الذين أثروا فيه، لكنه في النهاية مطالب بأن يصنع من كل ذلك صوته هو.
وأظن أن هذا هو التحدي الجميل الذي ينتظرك الآن.
فاستمر في الكتابة، ليس لأن حولك من يشجعك، بل لأنك بدأت تكتشف أن لديك ما تقوله.
واستمر في الحوار، ليس لأن الجميع سيوافقونك، بل لأن الاختلاف الجاد هو الذي يوسع أفق الكاتب.
وافتح الأبواب التي بدأت تلوح أمامك، لكن لا تخف من أن تذهب إلى أبواب لم نفتحها نحن.
لقد بدأنا نكتشف كاتبا مختلفا من خلال ما تكتب، وأظن أن دورنا الحقيقي الآن ليس أن نقول لك من أنت، وإنما أن نترك لك المساحة الكافية لكي تكتشف أنت من يمكن أن تكون، كما فعل آخرون معنا حين كنا نتحسس الطريق.
وهذا، في النهاية، هو أجمل ما يمكن أن تفعله الصحبة الفكرية: أن تساعد الإنسان على أن يعثر على صوته، ثم تتركه يمضي به أبعد مما كان يتصور.
اكتب يا أمين.
فالأبواب التي فتحتها لنا، آن أوان أن تفتح منها أبوابا أخرى لقرائك.



******


أمين كعابنة


غانيا.. تحياتي.
قرأت ردك، وقرأته بذهن يقظ أكثر من مرة، وكلما أعدت قراءته شعرت أن هذا الرد لا يحتمل أن يمر عليه المرء مرور العابر؛ فقد فتحت في كلامك أبوابا أخرى، ووجدتني أمام جولة فكرية جديدة، فوجب علينا الرد.
ولعل أجمل ما في الحوار أن يتحول الرد من نهاية للكلام إلى بداية لسؤال جديد.
أنت لم تكتبي لي مجاملة، بل أخذت الفكرة التي كتبتها، ومشيت بها خطوة أبعد. وهذا بالضبط ما أعنيه حين أقول: حين تتلاقح العقول، لا تبقى الفكرة في مكانها الأول.
وأنا في الحقيقة لم أخطط لأي من هذا. بدأت من نص، ثم من قراءة، ثم من تعليق، ثم من حوار، فإذا بي أجد أن الكتابة قد صنعت لي طريقا لم أكن أعرف أنه موجود. وكل باب فتحته الكلمة كان يقودني إلى باب آخر، وكل قارئ لم يكن مجرد قارئ، بل كان يضع أمامي نافذة جديدة أنظر منها إلى ما كتبت.
وهنا أتوقف عند فكرة أراها جوهرية في كل ما قلت: الكاتب لا يكتب وحده، حتى حين يجلس وحده أمام الصفحة.
فالكاتب يجلس وحده، لكنه لا يكتب وحده. يجلس ومعه ذاكرته، ومكانه، وناسه، وقراءاته، وأسئلته، وكل وجه ترك فيه أثرا. وأنا، فوق كل ذلك، أجلس ومعي البادية.
أكتب عنها، لكنني لا أريد أن أكتب لها وحدها. أريد أن أحمل صوتها إلى حيث أذهب.
لطالما قال لي بعض أبناء البادية، في مجالس مختلفة: «أنت رسولنا الأمين». وأنا لا أتعامل مع هذه العبارة باعتبارها مدحا، بل باعتبارها أمانة.
حين أكتب، أشعر أنني لا أكتب باسمي وحدي. هناك أرض بعيدة، وناس لهم حكاياتهم، ووجوه لا تصل أصواتها دائما إلى المنابر، وهناك طفل يمشي طريقا طويلا إلى مدرسته، وراع يطارد رزقه في الفلاة، وأم تنتظر عودة أبنائها، وقرية تريد حقها في الماء والصحة والطريق والتعليم.
لهذا أحاول أن أكون، في كل محفل أدخله، ناقلا أمينا لصوت البادية. أن أحملها معي إلى قاعة مؤتمر، وإلى مجلس ثقافي، وإلى مقال، وإلى حديث عابر، حتى لا تبقى البادية مجرد مكان أسكنه، بل قضية وذاكرة وإنسانا يستحق أن يسمع الآخرون صوته.
وربما لهذا السبب أجد أن الكتابة عندي لم تعد ترفا. إنها شكل من أشكال الوفاء.
و«رد العطا» الذي تحدثت عنه لا يكون فقط لمن فتح لي بابا في الفكر، بل أيضا للمكان الذي أعطاني اللغة الأولى التي أتحدث بها عن الحياة.
أنت قلت إن علينا أن نفتح أبوابا لم نفتحها من قبل، وأنا أقول: ربما آن الأوان أن نحمل معنا بعض الأبواب التي لا يعرفها الآخرون، ونفتحها لهم. بابا على البادية، وبابا على الإنسان، وبابا على الذاكرة، وبابا على أسئلة لا تجد من يجرؤ على طرحها.
وهنا أعود إلى نقطة أراها ضرورية لكل كاتب: ما أجمل أن يكون الكاتب حرا بكلمته...
لا يمسك أحد زمامها، ولا يسيرها له أحد، ولا يكتب تحت إملاء الرضا أو الخوف أو انتظار التصفيق. فالكاتب حين يفقد حريته، قد تبقى له الكلمات، لكنه يفقد صوته.
وأنا أريد أن أكتب من وحي ما أشعر به، وما أستشعره، وما أراه بعين الإنسان الذي يعيش التجربة قبل أن يكتب عنها. أكتب حين تستوقفني فكرة، أو يوقظني موقف، أو يمر بي مشهد لا يرضى أن يغادر الذاكرة.
قد أصيب وقد أخطئ، وقد يوافقني قارئ ويختلف معي آخر، وهذا كله جزء من الطريق. لكن ما يهمني أن تبقى الكلمة صادقة، وأن تخرج من قناعتي، لا من رغبة في إرضاء أحد.
فالكاتب الحر لا يعني أنه لا يسمع الآخرين، بل يعني أنه يسمع الجميع، ثم يملك شجاعة أن يعود إلى نفسه. يقرأ، ويصغي، ويحاور، ويختلف، ويتعلم... ثم يكتب.
وهنا ربما يكون «تلاقح العقول» أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب: أن يدخل إليه الآخرون بأفكارهم، لا بأقلامهم؛ أن يفتحوا له النوافذ، لا أن يمسكوا بيده ليحددوا له الطريق.
فالطريق في النهاية طريقه، والكلمة كلمته، والصوت صوته.
وأنا أريد لهذا الصوت أن يبقى حرا... حرا في أن يحب، وأن يسأل، وأن يعترض، وأن يمدح حين يرى ما يستحق المدح، وأن يقول «لا» حين يرى أن الصمت خيانة لما يؤمن به.
ولعل أجمل ما يمكن أن يصل إليه الكاتب أن يصبح أمينا على كلمته، كما أحاول أن أكون أمينا على صوت البادية التي أحملها معي أينما ذهبت.
لا أريد أن أكون صدى لأحد. أريد أن أكون صوتا يسمع الجميع صداه، ثم يقرر هو إلى أين يمضي.
ولهذا لن أريد أن أبقى أسير ما ينتظره مني القارئ، ولا أسير الصورة التي تشكلت عني. فالكاتب الذي يخاف أن يخرج من صورته القديمة، لن يستطيع أن يصل إلى صورته القادمة.
وأنا ما زلت في أول الطريق. ما زلت أتعلم كيف أصغي أكثر، وكيف أسأل أكثر، وكيف أكتب أقل مما أعرف، وأكثر مما أريد أن أكتشف.
لذلك يا غانيا، ربما لم يكن ردك هذه المرة ردا على نصي بقدر ما كان دعوة إلى نص آخر.
وها نحن بدأنا جولة جديدة... لا نعرف إلى أين ستأخذنا، وهذا في حد ذاته أجمل ما في الكتابة.
فبعض الطرق لا نعرف نهاياتها، لكننا نعرف أن السير فيها يستحق.
وأنا، ما دمت أحمل معي البادية، وأحمل معي هذا الصوت الذي بدأ يتشكل، سأظل أفتح الأبواب... وأترك للكلمة أن تقول لنا إلى أين نمضي.
شكرا غانيا...
ليس لأنك شجعتني، فالتشجيع جميل، وإنما لأنك قرأت ما وراء الكلمات، ثم أعدت إلي كلماتي وقد أصبحت سؤالا أكبر.
وهكذا أعرف أن الصحبة الفكرية الحقيقية لا تقول لك: «استمر لأنك جميل»، بل تقول لك: «استمر، لأن أمامك ما لم تكتشفه بعد».
ولعل أجمل ما في الطريق أنني ما زلت أكتشف.
 
غانية ملحيس


أمين العزيز

قرأت ردك أكثر من مرة، وشعرت هذه المرة أنني لا أقرأ ردا على ما كتبت، بقدر ما أقرأ نصا بدأ فيه صوتك أنت يتضح أكثر فأكثر.
ولعل أكثر ما استوقفني في كلامك، وما أقدّره فيك كاتباً، هو إصرارك على الحرية. ليس فقط الحرية من إملاء الآخرين، وإنما الحرية الأعمق: أن تصغي، وتتفاعل، وتتعلم، وتتأثر، ثم تعود إلى ذاتك لتكتب من موقعك أنت.
وهذه في ظني ليست مسألة أسلوب، بل مسألة تكوين.
فالكاتب الذي لا يستطيع أن يعود إلى ذاته بعد كل هذا الإصغاء، يتحول بسهولة إلى صدى لمن قرأهم أو حاورهم.
أما الكاتب الحقيقي، فيدخل الحوار محملا بما لدى الآخرين، ثم يخرج منه وقد تغير، لكن من دون أن يفقد ملامحه. وربما هنا تحديدا تكمن قيمة «تلاقح العقول»: أن نتغير من دون أن نذوب، وأن نضيف إلى ذواتنا من دون أن نتخلى عنها.
ولهذا أعجبتني عبارتك: «فالكاتب الذي يخاف أن يخرج من صورته القديمة، لن يستطيع أن يصل إلى صورته القادمة.»
أظن أنك لمست هنا مسألة أعمق من الكتابة نفسها. فالكاتب، كما الإنسان، قد يصبح أسير الصورة التي صنعها عن نفسه، أو الصورة التي صنعها الآخرون عنه. وأحياناً تكون شجاعة الكاتب الحقيقية في أن يخون الصورة القديمة التي اطمأن إليها، لكي يكتشف ما يمكن أن يكونه لاحقاً.
لكنني أريد أن أدفع النقاش خطوة أخرى.
أنت يا أمين تقول إنك تحمل البادية معك، وإن أبناءها يقولون لك: «أنت رسولنا الأمين». وهذه أمانة جميلة وثقيلة في الوقت نفسه.
لكنني أتساءل: هل تقتصر مهمة الكاتب على أن يكون ناقلا أمينا لصوت المكان، أم أن عليه أن يجعل المكان نفسه نافذة على أسئلة أكبر منه؟
فالجميل في الكتابة، في تقديري، أنها لا تكتفي بأن تقول للآخر: «انظروا إلى البادية، فهذا عالم يستحق أن ترونه»، بل تستطيع أن تقول له أيضا: «انظروا من خلال البادية إلى الإنسان، وإلى علاقتنا بالمكان، وبالذاكرة، والهامش، والعدالة، والتحول، وإلى الطريقة التي نصنع بها معنى حياتنا.»
عندها لا تعود البادية موضوعا للكتابة فقط، وإنما تصبح معرفة. وهنا أظن أن أمامك مساحة واسعة يمكن أن تذهب إليها في كتاباتك القادمة: أن تنتقل من «الكتابة عن البادية» إلى محاولة اكتشاف ما الذي تستطيع البادية أن تقوله عن الإنسان خارج حدودها.
وهذا يقودني أيضا إلى التوتر الجميل الذي ظهر في تعليقك بين كلمتين: «الحرية» و«الأمانة».
تريد أن تكون حرا في كلمتك، وفي الوقت نفسه أمينا لصوت المكان الذي منحك هذه الكلمة الأولى. وأظن أن الكاتب الحقيقي يعيش دائما في هذه المسافة: بين حريته ومسؤوليته.
فالأمانة لا ينبغي أن تتحول إلى قيد، والحرية لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء من المسؤولية.
ربما تكون مهمة الكاتب أن يحمل أصوات الآخرين، لكن لا يتكلم بدلا منهم، وأن يمنحهم مساحة في المقال، من دون أن يصادر حقه في السؤال والاختلاف. أن يكون أمينا للحقيقة كما يراها، لا مجرد أمين للصورة التي يحبها الآخرون عن أنفسهم.
ومن هنا أجد أن قولك «لا أريد أن أكون صدى لأحد» ليس إعلان استقلال فقط، بل هو أيضاً بداية سؤال أخلاقي وفكري: كيف يصبح الكاتب صوتا مستقلا، من دون أن يفقد قدرته على الإصغاء؟
وأعتقد أنك بدأت تجيب عن هذا السؤال بنفسك حين قلت: «يقرأ، ويصغي، ويحاور، ويختلف، ويتعلم… ثم يكتب.»
هذه بالنسبة لي ليست فقط طريقة في الكتابة، وإنما منهج في الحياة.
ولذلك لا أريد أن أقول لك: استمر لأنك تكتب بصورة جميلة، ولا لأنك وجدت صوتا خاصا بك فحسب. أريد أن أقول شيئاً آخر:
استمر في اختبار هذا الصوت.
اختبره في الاختلاف كما تختبره في التوافق. اختبره حين يصفق لك الآخرون، وحين يعترضون عليك.
اختبره حين تكتب عن المكان الذي تحبه، وحين تكتشف فيه ما لا تحبه. اختبره حين تضطر إلى مغادرة الصورة التي كوّنتها عنه، لكي تراه من جديد.
فالكاتب لا يكتشف صوته مرة واحدة، ربما يقضي حياته كلها في اكتشاف الطبقات التي كانت تختبئ وراء ذلك الصوت.
وأظن أن أجمل ما في صحبتنا الفكرية أنني لا أراك كاتبا أريد أن أقنعه بما أؤمن به، ولا أريد منك أن تتفق معي. بالعكس، ما يثيرني في الحوار معك أنك تستمع، ثم تعود إلى نفسك، وتعيد صياغة ما وصل إليك بطريقتك أنت.
وهذا يجعل الحوار ممتعا ومنتجا، وليس استعراضيا، لأن غايته ليست أن ينتصر أحدنا لفكرته، وإنما أن نصل معا إلى منطقة لم تكن الفكرة فيها قبل الحوار.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعبارتك: «ردك لم يكن ردا على نصي بقدر ما كان دعوة إلى نص آخر.»
نعم يا أمين، وربما هذه هي الكتابة التي تستحق أن نواصلها معا: كتابة لا تغلق الأسئلة، وإنما تفتح بعضها على بعض، ولا تجعل من الكاتب صاحب إجابات، بل صاحب قدرة على اكتشاف الأسئلة التي لم نكن نعرف أننا نحتاج إلى طرحها.
وأريد أن أتوقف عند قولك: «وأنا ما زلت في أول الطريق».
لا يا أمين، أنت لست وحدك في بداية الطريق.
وربما هذه واحدة من المفارقات الجميلة في الكتابة: أنني، رغم أنني أكتب قبلك بسنوات، وكلما أنجزت مقالا أو كتابا أشعر أنني لم أصل إلى شيء نهائي، بل اكتشفت أنني بدأت من جديد.
كل كتاب أكتبه يترك خلفه أسئلة أكثر مما يترك إجابات، وكل مقال أنهيه أشعر أن نهايته ليست خاتمة، وإنما عتبة لمقال آخر، وسؤال آخر، وربما لطريق لم أكن أراه قبل أن أكتب.
ولهذا لا أظن أن الكاتب يتقدم في الطريق بمعنى أنه يقترب من نهايته. ربما ما يحدث هو العكس تماما: كلما تقدمنا، اتسع أمامنا الطريق، واتسعت معه مساحة ما لا نعرفه.
وهذا، في رأيي، هو سر البقاء حيا في الكتابة.
أن لا يتحول ما عرفناه إلى يقين يغلق علينا الطريق، بل إلى معرفة تفتح لنا طرقاً جديدة.
لذلك لا تنظر إلى نفسك باعتبارك «في أول الطريق» وكأن أمامك مسافة ينبغي أن تقطعها حتى تصل. ربما لا توجد نقطة وصول أصلا. هناك فقط قدرة متجددة على أن نبدأ من جديد.
وأنا، رغم ما كتبت، ما زلت أشعر أنني أبدأ.
وربما لهذا السبب بالذات أحببت عبارتك: «ما زلت أتعلم كيف أصغي أكثر، وكيف أسأل أكثر، وكيف أكتب أقل مما أعرف، وأكثر مما أريد أن أكتشف.»
هذه، في تقديري، ليست صفة كاتب في أول الطريق فقط، وإنما صفة الكاتب الذي يريد أن يبقى كاتبا.
فحين تنتهي من كتاب ولا تشعر أنك بدأت كتابا آخر في مكان ما داخلك، فربما يكون الكتاب قد انتهى فعلا.
أما حين تكون نهاية الكتاب بداية لسؤال جديد، ونهاية المقال بداية لمقال آخر، ونهاية الحوار بداية لجولة جديدة، فذلك يعني أن الكتابة لم تنتهِ، وأن الطريق ما زال مفتوحا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه، أنا وأنت وكل من اختار أن يجعل الكتابة طريقا، هو ألا نصل.
أن نظل في هذه المنطقة المضيئة بين ما نعرف وما لم نكتشفه بعد.
هناك، في رأيي، تبدأ الكتابة الحقيقية.

******
 
التعديل الأخير:
أعلى