أمين كعابنة (ابن البادية) - المناسف في البادية... حين يكون الكرم صلة رحم

استوحيت فكرة هذا النص اليوم من وليمة أقامها ذوو ابن العمومة محمد الاتيمين أبو عمر بمناسبة خروجه من المشفى، وقد جمعت أغلب أبناء القرية. جاد الله عليهم، ونسأل الله أن يتم عليه الشفاء، ويلبسه ثوب الصحة والعافية.
#ومن هذا المشهد عادت بي الذاكرة إلى البادية التي أفخر بها، إلى عادات وقيم ومبادئ تجذرت فينا، وتجذرنا فيها، حتى أصبحت جزءا من سلوكنا اليومي، يتعلمها الناشئة بالمشاهدة والمعايشة قبل أن يسمعوها كلاما.

#فالكرم عند أهل البادية ليس ذبيحة ومنسفا فحسب، بل منظومة من الأدب والاحترام وأداء الواجب ومراعاة الشأن.

#حتى دخول الرجل إلى المجلس له أدبه. يقوم الجالسون لاستقباله والسلام عليه، ما عدا كبار السن، فيسلم عليهم، وقد يقول لهم: #خليكم جالسين. ثم لا يكتفي المجلس بالسلام، بل قد يترك أحد الجالسين مكانه للقادم ويقول له: تعال مكاني، حتى لو كان الجالس ضيفا هو الآخر. #فالقادم له احترامه، والضيف له مكانته.

#وإذا كثر القادمون وضاق المكان، قالوا #الرجال #كالدراهم، تأخذ بعضها. فيتقاربون ويتسع المجلس بأهله، لأن المكان لا يضيق بمن جاء، ما دام في القلوب متسع.

#ومن الفراسة أيضا أن من قام بالواجب لا يطيل الجلوس. فإذا شعر أن الوافدين كثر، قام وفسح مكانه وغادر، مراعاة للناس وسترة للجميع. لا ينتظر من أحد أن يقول له: المكان ضاق، ولا يجعل صاحب الشأن في حرج. وهذه فراسة لا يتعلمها الإنسان من كتاب، وإنما يتعلمها من مجالس الرجال.

#وفي الجهة الأخرى، يتجمع كبار السن، وكأنهم عنوان المجلس وقاعدته. يبقون وقتا طويلا، مباركين في الفرح، أو معزين في المصاب، وحضورهم ليس مجرد حضور أشخاص، وإنما حضور ذاكرة وتجربة ومكانة. ولعل اجتماعهم في صدر المجلس يمنح المناسبة شيئا من هيبتها وطمأنينتها.
#ثم تأتي الضيافة، وهي ليست مهمة صاحب الشأن وحده. فما إن يدخل القادم حتى تتحرك القهوة والشاي والماء، ويقوم الشباب بخدمة الضيف، وقد يبادر أحدهم قبل أن يطلب القادم شيئا. وأحيانا ترى أهل الشأن، وأبناء العمومة، والجوار، والشباب جميعا كخلية نحل؛ هذا يقدم القهوة، وذاك الماء، وآخر يستقبل القادم، وغيرهم يتابعون الطعام والضيوف. الكل يرى الأمر واجبا، لا خدمة ينتظر عليها شكرا.
#ويبدأ المجلس بتحية المساء: #الله يمسيك بالخير، فيرد القادم، ثم يقول: كيف أنتم يا الغانمين؟ ويسلم على الجميع، كل واحد باسمه. كلمات تبدو بسيطة، لكنها تحفظ للإنسان قدره، وتشعره أنه دخل مجلسا يعرف أهله ويعرفونه.
#ومن المجلس تبدأ الحكاية، فقد يكون القادم صاحب مناسبة، أو جاء يبارك، أو يعزي، أو يسأل عن مريض، أو يزور جارا. وعندها يأخذ الواجب طريقه. يعزم صاحب الشأن، ويصر على دعوته، وقد يعطيه يوما يأتي فيه هو وأهله وأقاربه.
#إذا خرج أسير من السجن، أقام ولي أمره وليمة، وتسابق الجوار إلى عزيمته. وإذا توفي شخص، تقدمت الأقارب والعشائر بالعزائم، وكأن الجميع يقول: أنتم أهل المصاب، ونحن أهل الواجب.
#وإذا سكن أحدهم في مكان جديد أو ارتحل من موضع إلى آخر، وجد من يعزمه ويشد بالعزومة ويذبح له. وإذا خرج أحدهم من المشفى، أقام أبوه أو أبناؤه أو إخوته وليمة، كما رأينا اليوم. وكذلك الحاج حين يعود من الحج، والمعتمر بعد عمرته، والناجح في الثانوية العامة، وللعروس حين تعود إلى أهلها واجبات عند جوارها. لكل مناسبة فرحتها، وللجوار فيها نصيب.
#وقد يحاول المدعو أن يخفف عن صاحب العزيمة، فيقول: لا تتكلف. فيأتي الرد: الواجب. فيقول الآخر: لا يعديكم الواجب، زيارتكم وجيتكم تكفي، وقمتوا بالواجب. وقد تقال العبارة التي تختصر فلسفة كاملة: #الغلا في الصدور، #وليس في القدور. فالمحبة والتقدير في القلوب، وليست في كثرة ما يوضع في القدر. وقد يقولون: كاننا مغسلين عنها، أي كأننا أكلنا وقمنا عن طعامكم؛ فقد وصل الاحترام والتقدير بمجرد مجيئكم.

#ما أعمق هذه اللغة. فالواجب يؤدى دون أن يتحول إلى عبء، والعزيمة تعرض دون مباهاة، والاعتذار يقبل دون أن ينكسر خاطر أحد. وحتى قبول العزيمة فيه كرم؛ فالمضيف يكرمك بالطعام، وأنت تكرمه بقبول دعوته.

#ومهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة، قد لا يملك الرجل ثمن الشاة، لكنه لا يريد أن يغيب عن واجب يراه جزءا من كرامته. وكان كبارنا يقولون: #الجود جهود، والجود حرارة في الجلود. فيتدبر الرجل أمره، وربما استدان، ثم يقوم بواجبه، لا طلبا للمدح، وإنما وفاء للجوار وصاحب الشأن.
#والأجمل أن هذه القيم لا تقف عند جيل الآباء. حين يغيب الكبير، لا يغيب الواجب. إذا غاب الأب أو تعذر عليه القيام بالعزيمة، قام الابن مقامه، لأنه رأى وعايش وعرف أن ما كان يفعله أبوه ليس عادة تخصه، وإنما قيمة يحملها البيت.
#وهكذا يتعلم الناشئ أن الكرم ليس في الولائم وحدها. يتعلمه حين يقوم للداخل، وحين يفسح مكانه، وحين يقول للقادم: بجنبي هنا، وحين يقدم القهوة والشاي والماء، وحين يراعي ازدحام المجلس فيقوم ويفسح المجال لغيره. يتعلم أن احترام الكبير، وإكرام الضيف، ومراعاة القادم، وأداء الواجب، كلها وجوه لخلق واحد.
#فالمنسف ليس الحكاية كلها. الذبيحة تنتهي، والطعام ينتهي، وتجمع الصحون، لكن الموقف يبقى. يبقى من حضر يوم الفرح، ومن واسى في الحزن، ومن بارك النجاح، ومن استقبل الحاج، ومن وقف مع المريض بعد عودته من المشفى.
#وهذه القيم لا تحفظ الماضي فقط، بل تصنع الحاضر وتربي المستقبل. فالمجلس مدرسة، والدلة درس، وكوب الماء موقف، وفسح المكان فراسة، والعزيمة وفاء، والوقوف مع الناس وقت حاجتهم أخلاق لا تحتاج إلى شهادة.
#وفي زمن كثرت فيه وسائل التواصل وقلت فيه الزيارات، ما أحوجنا إلى هذه الروح؛ أن نفرح لفرح بعضنا، ونحمل شيئا من حزن بعضنا، وأن يبقى الجار جارا، لا مجرد بيت بجوار بيت.
#فالكرم الحقيقي ليس فيما يمتلئ به القدر، وإنما فيما تمتلئ به الصدور.. الغلا في الصدور، وليس في القدور.

هذه قيم تجذرت فينا، وتجذرنا فيها. ورثناها من كبارنا، ونرجو أن نحسن تسليمها لمن بعدنا؛ لا كعادات تؤدى، وإنما كروح تحفظ مودة الجوار، وحرمة الأخوة، وكرامة الإنسان.

قد تضيق البادية بالإمكانات، لكن تتسع فيها القلوب. وقد لا يملك الرجل كثيرا، لكنه لا يبخل بما يستطيع.

هي البادية... حيث للمناسف حكايات، وللمجالس آداب، وللجوار حق، وللكرم جذور.

هي البادية... وأهلها الكرام...

تعليقات

غانية ملحيس

كعادتك يا أمين، تلتقط مشهدا عابرا وتحوله إلى نافذة واسعة على ذاكرة البادية وقيمها. لم تكتب عن المنسف بوصفه طعاما، وإنما بوصفه جزءا من منظومة متكاملة: كيف تعمل هذه الشبكة الاجتماعية من خلال مناسبات الحياة: المرض، الوفاة، الحج، النجاح، الزواج، السكن، الأسر والخروج من السجن، وما يرتبط بها من قيم اجتماعية كالكرم، والجوار، وصلة الرحم، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، وأداء الواجب.
والأجمل أنك وثّقت ذلك من خلال بيان متى تُقام الولائم، وكيف يُستقبل القادم، وكيف يُفسح المكان، ومن يقوم ومن يبقى جالسا، وكيف يتعامل الناس مع ضيق المجلس، وكيف يتوزع الشباب في خدمة الضيوف، وما العبارات التي تقال، وكيف تنتقل هذه الممارسات من الآباء إلى الأبناء. وهنا يتحول المقال إلى شهادة على ثقافة اجتماعية، من خلال تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها كثيرون.
وهذا ما يميز كتابتك يا أمين؛ تستعيد دفء المكان، وتقدم وثيقة اجتماعية تحفظ شيئا من عادات البادية ولغتها ومجالسها للأجيال القادمة. ولا تكتفي بتسجيل العادات، بل تسأل ضمنيا: ما القيمة التي تقف خلفها؟ فـ «فسح المكان» يصبح فراسة، و«القهوة» تصبح احتراما، و«العزيمة» تصبح وفاء، و«الوليمة» تصبح صلة رحم، والمنسف نفسه يصبح رمزا وليس غاية.
واستوقفني أيضا كيفية تجسيد القيم، ولفتتني عبارتك: «قد لا يملك الرجل ثمن الشاة… وربما استدان…». وهنا ربما على الجيل الشاب أن يعيد النظر في تجسيد بعض المفاهيم؛ فالقيمة ليست في استنساخ الشكل القديم، وإنما في الحفاظ على روحه.
فليس المطلوب أن يستدين الإنسان فوق قدرته ليذبح شاة، وإنما أن يحافظ على معنى الوقوف مع الناس.
وهنا توجد إشكالية اجتماعية حقيقية: متى يتحول الكرم من فضيلة إلى ضغط اجتماعي؟ فالكرم الذي يحفظ كرامة الإنسان ويعبّر عن قدرته فضيلة، أما حين يدفعه إلى الاستدانة أو يحمّله ما لا يستطيع، فقد تتحول القيمة الجميلة إلى عبء اجتماعي يناقض روحها الأصلية. وربما يكون التحدي أمام الجيل الجديد هو أن يحافظ على جوهر هذه القيم، من دون أن يصبح أسيرا لأشكالها القديمة.
وهذا في رأيي أحد أجمل الأسئلة التي يفتحها مقالك دون أن يصرح بها: كيف نحافظ على روح البادية وقيمها، ونحن نعيد تشكيل صورها بما يتناسب مع ظروف حياتنا اليوم؟
غانية ملحيس


=========


أمين كعابنة

أستاذة غانية،
أنت لا تقرئين ما أكتب، بل تذهبين إلى ما وراءه، وهذه إحدى متع الحوار معك.
أتفق معك أن القيمة ليست في الشاة ولا في حجم الوليمة، وإنما في معنى الوقوف مع الناس. لكنني أخشى أن نبالغ أحيانا في الفصل بين الشكل والروح؛ فبعض الأشكال القديمة كانت هي الوسيلة التي تحفظ الروح وتنقلها من جيل إلى جيل.
لذلك لا أريد للجيل الجديد أن يستنسخ البادية، ولا أن يتخلص منها باسم الحداثة. أريده أن يفهم لماذا كان الرجل يفسح مكانه، ولماذا كان الشباب يخدمون، ولماذا كانت الوليمة واجبا لا استعراضا، ثم يبحث عن صورتها التي تليق بزمنه.
وهنا أختلف معك قليلا، وربما هنا يبدأ المشاكس في داخلي: هل نستطيع فعلا أن نغيّر الأشكال من دون أن نخسر شيئا من القيم التي كانت مختبئة داخلها؟ أم أن بعض ما نسميه اليوم «تطويرا» ليس إلا فقدانا هادئا للروح؟
أمين كعابنة
أمين

=========


غانية ملحيس


وهنا بدأتَ تستدرجني إلى المنطقة التي أعرف أنك تستمتع بها: منطقة «المشاكس» الذي لا يكتفي بأن يتفق، بل يريد أن يختبر الفكرة حتى آخرها.
نعم، أتفق معك أن بعض الأشكال لم تكن مجرد أوعية للقيم، بل كانت جزءا من صناعتها وحفظها. فالطفل لم يكن يسمع محاضرة عن الكرم؛ كان يراه في أبيه وهو يقوم للضيف، وفي أمه وهي تهيئ ما تستطيع، وفي الرجال وهم يفسحون المكان، وفي الشباب وهم يتسابقون على خدمة القادم. هكذا كانت القيمة تُورّث من غير أن يقال لها: هذه قيمة.
لكنني سأشاكسك هنا أيضا: إذا كان الشكل قد خدم الروح في زمنه، فهل يعني ذلك أنه سيظل قادرا على خدمتها بالفاعلية نفسها في كل زمن؟
ربما لا. فالمنسف الذي كان يجمع الناس قد يتحول، في ظروف أخرى، إلى عبء يجعل بعض الناس يترددون في أداء الواجب أصلا. والوليمة التي كانت تعبيرا عن المحبة قد تتحول، إذا دخلتها المباهاة والمنافسة، إلى معيار اجتماعي يُقاس به الناس. وهنا لا نخسر الروح لأننا غيّرنا الشكل، بل قد نخسرها لأننا تمسكنا بالشكل حتى نسيْنا لماذا وُجد.
ولهذا أميل إلى فكرة مختلفة قليلا: ليست مهمتنا أن نحرس الأشكال القديمة، وإنما أن نحرس «المعنى» الذي أنتجها، ثم نبحث له عن أشكال جديدة لا تخونه.
فالذي كان يفسح مكانه للقادم كان يقول عمليا: «مكانك محفوظ بيننا». والذي كان يحمل العزيمة لجاره كان يقول: «فرحك وحزنك يعنيني». والذي كان يخدم ضيفه كان يقول: «أنت لست غريبا في هذا المكان».
إذا استطعنا أن نقول هذه الأشياء نفسها بوسائل زمننا، فأظن أننا لم نفقد شيئا.
لكن يبقى سؤالك المقلق جميلا: كيف نعرف أننا نغيّر الشكل، ولا نغيّر معه المعنى من حيث لا نشعر؟
وربما هنا تحديدا تأتي الكتابة التي تفعلها أنت؛ أن تضع هذه التفاصيل أمامنا قبل أن تختفي، حتى لا يأتي جيل فيظن أن «التراث» هو المنسف والدلة فقط، بينما الحقيقة أن وراءهما طريقة كاملة في النظر إلى الإنسان والجوار والواجب.
أما «المشاكس» الذي بداخلك، فأبقه موجودا… يبدو أنني سأحتاجه في المقال القادم.
غانية ملحيس


========٤

أمين كعابنة

تحياتي غانيا......
هنا أتفق معك وأختلف معك في الوقت نفسه.
أتفق أن نحرس المعنى لا الشكل، لكنني أخشى من اللحظة التي نقنع فيها أنفسنا أننا حافظنا على المعنى، بينما كنا في الحقيقة قد أعدنا تعريفه بما يناسب راحتنا.
أنا لا أقدس المنسف ولا الدلة ولا الوليمة، لكنني أعرف ماذا كانت تفعل بالناس. كانت تصنع الجار، وتدرّب الشاب على الواجب، وتعلّم الطفل أن القادم له مكان، وأن فرح الناس وحزنهم ليس شأنا يخصهم وحدهم.
لذلك ربما لا يكون السؤال: هل نغيّر الشكل؟ بل: ماذا يحدث للإنسان بعد أن نغيّره؟ وهنا يا غانية أترك لك المشاكسة الأصعب:
إذا اختلفت الأجيال في تعريف «المعنى» نفسه، فمن يملك حق القول إننا حافظنا عليه… ومن يملك شجاعة الاعتراف بأننا فقدناه ونحن نظن أننا نطوره؟
أمين كعابنة
 
غانية ملحيس

أمين
أظن أنك هذه المرة لم تترك لي منفذا سهلا للمشاكسة، بل وضعتني أمام السؤال نفسه الذي كنت أحاول أن أضعك أمامه.
وأعترف أن سؤالك الأخير أصعب من كل ما سبق؛ لأن المشكلة ليست فقط في أن تتغير الأشكال، وإنما في أن الإنسان نفسه قد يتغير، ثم يعيد تفسير القيم بما يتوافق مع هذا التغير، وبعدها يطمئن إلى أنه ما زال يحتفظ بها.
وربما هنا لا يملك أحد حق القول: «أنا وحدي أعرف المعنى الحقيقي».
لا الجيل القديم يملك هذا الحق كاملا، ولا الجيل الجديد. لكنني أظن أن هناك اختبارا يمكن أن نحتكم إليه، ولو كان قاسيا قليلا:
ماذا صنعت القيمة بالإنسان؟
إذا كان «الكرم» قد تحول من استعداد لتحمل الناس والوقوف معهم إلى مجرد صورة اجتماعية جميلة، فشيء ما قد فُقد، حتى لو بقيت الوليمة.
وإذا بقيت العزيمة، لكن غاب السؤال عن الجار، وبقيت القهوة، لكن لم يعد القادم يجد من يفسح له مكانا في حياة الناس، فربما حافظنا على الطقس وفقدنا وظيفته.
أما إذا تغيّر الشكل، لكن بقي الإنسان أكثر إحساسا بغيره، وأكثر استعدادا للوقوف معه، وأشد حرصا على كرامته وحرمة جواره، فأظن أن من حقنا أن نقول إن المعنى ما يزال حيا، حتى لو لم يعد يرتدي الملابس نفسها.
لكن هناك نقطة أتفق معك أنها مخيفة: أن نستخدم كلمة «التطوير» كي نعفي أنفسنا من الأشياء التي تتطلب منا جهدا أو تنازلا أو حضورا حقيقيا.
قد يكون أسهل أن يقول الإنسان: «زمن المنسف انتهى»، من أن تبحث عن طريقة تجعلك حاضرا في فرح جارك وحزنه. وقد يكون أسهل أن يقول: «الناس اليوم تغيروا»، من أن يعترف بأنه هو الذي لم يعد يريد أن يتحمل كلفة القرب من الناس. وهنا ربما يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يملك حق تعريف المعنى؟ بل: من يملك الشجاعة ليختبر نفسه بهذا المعنى؟
وأظن أن التراث حين يصبح مرآة، لا متحفا، يكون أكثر إزعاجا وفائدة. لأنه لا يسألنا فقط: ماذا كان يفعل آباؤنا؟ بل يسألنا: ماذا نفعل نحن حين يحتاجنا أحد؟
وأنت محق يا أمين في شيء آخر: بعض القيم كانت تصنع الإنسان من خلال الممارسة، لا من خلال الكلام عنها. وربما لهذا أخشى أنا أيضا من أن نختصرها في تعريفات جميلة، ثم نفقد المواقف التي كانت تجعلها جزءا من تكوين الإنسان.
أما من يملك شجاعة الاعتراف بأننا فقدنا المعنى ونحن نظن أننا نطوره؟
ربما هو ذلك الشخص الذي يستطيع، في لحظة صدق، أن ينظر إلى نفسه ويكتشف أن ما سماه «تطورا» كان أحيانا مجرد طريقة أنيقة للابتعاد عن الواجب. وهنا سأعيد إليك المشاكسة التي وضعتها في يدي:
هل نحن فعلا نبحث عن صورة جديدة للكرم تليق بزمننا، أم أننا أحيانا نبحث عن صورة للكرم لا تكلّفنا شيئا؟
أظن أن هذا السؤال يستحق أن يبقى مفتوحا، وألا نكون نحن أول من يستعجل الإجابة عنه.
غانية ملحيس


=====

امين كعابنة


غانيا
أظن أنك هذه المرة لم تكتفي بالمشاكسة، بل وضعتني أمام المرآة وطلبت مني أن أنظر فيها إلى نفسي!
وأعترف أن سؤالك «ماذا صنعت القيمة بالإنسان؟» من الأسئلة التي لا تترك للكاتب كثيرا من مخارج الهروب. فهو ينقلنا من الحديث عن الكرم بوصفه عادة أو مظهرا إلى الكرم بوصفه امتحانا للإنسان نفسه.
وأنا لا أخشى كثيرا من تغير شكل الكرم؛ فالزمن يتغير، ووسائل التعبير تتغير. الذي أخشاه أن نغير القيمة نفسها ثم نقنع أنفسنا أننا طورناها.
فالكرم أن تستطيع أن تقرّب الناس منك، وأن تفتح لهم بابك وقلبك، وأن تبذل لهم مما تملك. لكن العطاء في رأيي درجة أخرى؛ أن يعطي الإنسان وهو محتاج، وأن يبذل وهو قادر على أن يمسك، وأن يؤثر غيره على نفسه. وهنا يكون العطاء من أعلى درجات الكرم.
وقد علمني والدي منذ زمن معنى جميلا حين كان يقول: «زلة الطيب». أي أن تخطئ في إكرام من لا يستحق الإكرام، لكن خطأك بقي طيبا، لأنك لم تخسر شيئا من أخلاقك حين أكرمت من لم يكن أهلا للكرم.
ولهذا أتذكر حكاية حاتم الطائي مع ذلك البدوي الذي أكرمه. قيل إن حاتما استطيب عنده طعاما، فذهب الرجل وذبح من أغنامه عددا كبيرا ليقدم له أفضل ما عنده، حتى تعجب حاتم وقال له: تكفيني واحدة. فقال له الرجل، بمعنى كلامه: وكيف أترك ضيفي دون ما يليق به؟
فلما عُرض الأمر على حاتم، قيل إنه أكرمه بمائة من الإبل ومثلها من الغنم والبقر، ثم قال: «هو أكرم مني؛ أنا جدت ببعض مالي، وهو جاد بماله كله».
وهنا بيت القصيد يا غانيا.
ليس الكريم دائما من يملك أكثر، وإنما قد يكون أكرم الناس من بذل أكثر مما يستطيع. فالذي يملك المال ثم يعطي منه، كريم بلا شك، لكن الذي لا يملك إلا القليل ثم يؤثر ضيفه به، أو يجهد نفسه ليكرمه، فقد انتقل من مجرد الكرم إلى معنى العطاء.
ولهذا لا أريد أن نحاكم الكرم بالمنسف ولا بالقهوة ولا بشكل المجلس. أريد أن نسأل: ماذا يحدث عندما تأتي لحظة الامتحان؟ ماذا أفعل عندما يحتاجني جاري وأنا مشغول؟ ماذا أفعل عندما يحتاجني صديقي وأنا متعب؟ ماذا أفعل عندما يكون العطاء على حساب راحتي؟ وهنا أزيد مشاكستك قليلا:
ربما لم نتخل عن بعض العادات لأنها لم تعد تناسب العصر، بل لأن بعض الواجبات أصبحت ثقيلة علينا. فبدلا من أن نقول: لا أريد أن أتحمل كلفة القرب من الناس، نقول: تغير الزمن. وبدلا من أن نقول: لم أعد أريد أن أذهب إلى فرح أو عزاء أو مجلس، نقول: لكل مقام مقال!
وأخشى أن نصل إلى مرحلة نريد فيها قيما حديثة، بشرط أن تتكيف القيم معنا، لا أن تطلب منا نحن أن نتغير.
فالكرم الذي لا يكلف صاحبه شيئا قد يكون جميلا، لكن الكرم الذي يأخذ من راحة الإنسان، أو من ماله، أو من وقته، أو حتى من حاجته، هو الذي يكشف معدن صاحبه.
ولذلك سأعيد إليك سؤالك، لكن بعد أن أزيده إزعاجا:
هل نحن فعلا نبحث عن صورة جديدة للكرم تليق بزمننا، أم أننا نبحث عن صورة للكرم لا تكلفنا شيئا؟
وهل نستطيع أن نغير شكل القيمة دون أن نغير الإنسان الذي كانت تصنعه؟
هنا يا غانيا تبدأ المشاكسة الحقيقية... وأظن أننا لم نصل بعد إلى أخطر الطريق.
أمين كعابنة

=========

غانية ملحيس


أمين
أنت بهذا الشكل ستجعلني أندم أنني فتحت باب المشاكسة من البداية!
لكن «زلة الطيب» توقفت عندها كثيرا. فيها شيء جميل فعلا؛ أن تخطئ في تقدير شخص، لكنك لا تندم على طيبتك. وربما لهذا أحببتها؛ لأن الإنسان أحيانا يعطي لأنه هو كذلك، لا لأنه متأكد ممن أمامه.
وأختلف معك قليلا في أن العطاء كلما كلف صاحبه أكثر صار أكرم؛ أحيانا نعم، وأحيانا لا.
قد يعطي شخص شيئا كبيرا لا يشعر بكلفته، بينما يعطي آخر شيئا بسيطا جدا، لكنه يأتي في اللحظة التي يكون فيها هذا الشيء هو كل ما يحتاجه الآخر. ربما لذلك أحب فكرة أن الكرم ليس فقط في مقدار ما نعطي، بل في أن ننتبه لما يحتاجه الآخر منا.
وأظن أن هذا كان موجودا في ثقافة البادية أيضا. ليس كل الكرم ذبيحة؛ أحيانا فنجان قهوة، أو مشوار، أو وقفة، أو أن تفسح مكانك لشخص دخل المجلس. أشياء صغيرة، لكنها كانت تقول الكثير.
وبالنسبة لفكرة أن بعض العادات اختفت لأن الواجب أصبح ثقيلا… أظن أنك محق في جانب منها، لكنني لا أريد أن نحمّل الزمن كل التهمة.
أحيانا نقول «تغير الزمن» لأننا فعلا لم نعد نستطيع أن نعيش بالطريقة نفسها، وأحيانا نقولها لأنها جملة مريحة نتخفف بها من بعض ما لا نريد أن نفعله.
وأكثر ما شدني في كلامك أن المنسف والدلة لم يكونا مهمين لذاتهما، وإنما لما كانا يفعلانه بالناس.
لكن بقيت معي «زلة الطيب» أنت قلت إن والدك علّمك هذا المعنى منذ زمن، وشعرت أن وراء العبارة حكاية.
ما أول موقف تتذكره قال لك فيه: «زلة الطيب»؟ أحب أن أسمع الحكاية هذه المرة منك، لا أن نواصل التنظير عن الكرم.
غانية ملحيس


========
 
امين كعابنة


يا دكتورة غانية...
ها أنتِ فتحتِ باب المشاكسة، ثم توقفتِ عند «زلة الطيب ما هي زلة»، وكأنكِ قلتِ لي: دعك من التنظير هذه المرة، واحكِ لنا من أين جاءت هذه العبارة. وكنتِ محقة؛ فهذه الجملة ليست من العبارات التي تعلمتها من الكتب، وإنما موقف عشته وأنا صغير، في البادية التي ما زلت فيها، وبين أهلها وتفاصيلها التي ما زالت تسكنني.
لذلك سأترك هذه المرة التنظير جانبا، وأحكي لكِ الحكاية كما بقيت في ذاكرتي.
قديما جاء أبناء أختي من رام الله إلى البادية شرق الخليل ليدرسوا في مدارس المنطقة. كانوا أطفالا صغارا، أكبرهم في الصف الخامس أو السادس، وجاءوا إلى بيت أجدادهم وأخوالهم، وكانت أمي رحمها الله تتولى رعايتهم والاهتمام بهم.
كنت وقتها في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري، في الصف السادس أو السابع تقريبا، وكان أبي حفظه الله خارج البيت.
رأيت الأطفال، وفكرت ببساطة طفل تربى في بيت يعرف معنى الضيف: هؤلاء جاؤوا من بعيد، وهم ضيوف، ولا بد أن نكرمهم.
فأخذت شاة وقررت أن أذبحها لهم. بدأت الذبح، لكنني كنت صغيرا ولم أستطع إكماله وحدي، فأمسكت يد أمي رحمها الله وساعدتني حتى أتممنا الذبح، ثم بدأنا بالسلخ. وأثناء ذلك قالت لي أمي:
«هذول ضيوف، سيأكلوا منسف، بدل ما يأكلوا أي شيء آخر».
لم تكن أمي قد طلبت مني أن أذبح، ولم تقل لي افعل ذلك قبل أن أقرر. تركت الأمر لي، فلما رأت ما فعلت، وقفت إلى جانبي وأكملت معي.
وبعدها عاد أبي حفظه الله من مشواره، وكان يومها راكبا حماره عائدا من الصيد. كان يحب صيد الغزلان، وكان قناصا ماهرا، يخرج إليها من باب الهواية وحب الصيد، لا بحثا عن اللحم، فقد كان اللحم موجودا في بيوتنا، والأغنام حولنا.
وقبل أن يصل البيت قال: « إني أشم رائحة اللحم». ولم يكن أبي يعرف رائحة أغنامنا بعينها، وإنما كانت البادية يومها بيئة مفتوحة، متباعدة البيوت، والأغنام ترعى وتأكل من حصاد الأرض، ولا توجد فيها روائح كثيرة تزاحم رائحة المكان. فإذا ذُبحت شاة، انتشرت رائحة اللحم في ذلك الفضاء الهادئ، وكان يمكن أن يشمها من كان على مسافة. دخل أبي، فعرف أن أبناء أخته جاءوا من رام الله، وأنني ذبحت لهم شاة.
أما أنا، فكنت خائفا، قلت في نفسي: ماذا سيقول أبي؟ أنا ما زلت صغيرا، وهذه شاة من أغنامه، وقد ذبحتها دون أن أستأذنه؛ لكن الذي حدث كان أبعد ما توقعت نظر إلي وقال: «عفيا عليك... عفارم عليك... هيك انا ودي اياك».
تنفست يومها كأنني كنت أحمل جبلا على صدري، ثم أخبرته أنني كنت خائفا من زعله، لأنني أخذت من أغنامه دون إذنه. فقال لي كلاما لم يخرج من ذاكرتي منذ ذلك اليوم: «اسمع يا بني، في كل شيء، لو تخطئ سأغضب منك، لكن في الطيب والكرم، حتى لو أخطأت، سأكون سعيدا بهذا الخطأ. وإذا زليت في الطيب، فأنت ما زليت. وحتى لو أكرمت إنسانا لا يستحق، فلن أغضب منك».
ومن هنا جاءت العبارة التي بقيت معي: «زلة الطيب ما هي زلة».
ولعل هذه العبارة كانت أكثر ما أثر في نفسي، وأكثر ما كان له علاقة بتكوين شخصيتي على هذا النحو. لم تكن عندي يومها فلسفة عن الكرم والعطاء، كنت مجرد طفل ذبح شاة لضيوف جاءوا إلى بيت أجداده وأخواله، لكن أبي زرع في ذلك الموقف معنى ظل يكبر معي.
فالكرم ليس دائما في كثرة ما تملك، ولا العطاء في قيمة الشيء الذي تقدمه. قد تكون الشاة وليمة، وقد يكون فنجان قهوة، أو مشوارا، أو فسحة في مجلس، أو وقفة مع إنسان في لحظة يحتاج فيها إلى من يقف بجانبه.
لكن العطاء الحقيقي ربما يبدأ حين تعطي وأنت قادر على أن تقول: ليس الآن، أو لا يستحق، أو ماذا سأحصل في المقابل؟
وهنا أجد أن الكرم والعطاء يلتقيان في معنى أعمق: أن ترى حاجة الإنسان قبل أن ترى استحقاقه، وأن تفعل الخير لأن الطيب صار جزءا منك، لا لأنك أجريت حسابا طويلا لمن يستحق ومن لا يستحق.
وهذا لا يعني أن الإنسان لا يخطئ في تقدير الناس. قد أكرم شخصا ثم أكتشف أنه لم يكن يستحق، وقد أعطي أكثر مما ينبغي، وقد أندم على المال أو الوقت أو الجهد، لكنني لا أريد أن أندم على أنني كنت طيبا.
وهذه ربما هي خلاصة ما بقي في داخلي من ذلك الموقف: احذر في كل شيء، وفكر في كل شيء، لكن لا تجعل خوفك من أن تخطئ في الناس سببا لأن تخطئ في نفسك. فبعض الخسارات تعلمك الحذر، وبعضها يعلمك ألا تخسر طيبتك.
ولذلك بقيت الشاة في ذاكرتي، لا لأنها شاة، ولا لأن المنسف كان هو المقصود، وإنما لأن طفلا صغيرا في البادية تعلّم يومها أن هناك خطأ قد يستحق العتاب، وهناك «خطأ» قد يجعل الأب يقول لابنه: «عفيا عليك... عفارم عليك... هيك انا ودي اياك».
ومن بين تلك الشاة، ويد أمي رحمها الله، وعودة أبي حفظه الله من الصيد، وبيت الأجداد والأخوال، بقيت عبارة واحدة تعاند السنين: «زلة الطيب ما هي زلة».
وأظن أنني اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زلت أحاول أن أعيش معناها أكثر مما أحاول أن أشرحها...



=========


غانية ملحيس

أمين

الآن فهمت لماذا بقيت «زلة الطيب ما هي زلة» معك كل هذه السنوات.
الحكاية نفسها أجمل من العبارة، وربما أجمل ما فيها أن أباك حفظه الله لم يكن يعلّمك الكرم بالكلام؛ أنت فعلت ما رأيته طبيعيا، ثم جاء ردّه ليعطي ذلك الفعل معنى بقي معك إلى اليوم.
وتوقفت كثيرا عند خوفك وأنت تنتظر أن يغضب منك، ثم عند قوله: «عفيا عليك… عفارم عليك… هيك أنا ودي إياك». أظن أن الطفل في تلك اللحظة لم يتعلم فقط أنه لم يخطئ، بل تعلّم أي إنسان يريد أبوه أن يكون.
وأحببت أيضا حضور أمك في الحكاية… لم تطلب منك أن تذبح، لكنها حين رأتك بدأت، وقفت إلى جانبك وأكملت معك. كأن الاثنين، كل بطريقته، تركا في ذلك الموقف شيئا منك.
ولعل هذا ما يجعل بعض الذكريات تكبر معنا؛ لا نفهمها كلها ونحن صغار، ثم نعود إليها بعد سنوات فنكتشف أنها كانت تربي فينا شيئا أكبر مما كنا نعرف.
وأنت قلت في آخر كلامك جملة لافتة جدا: «ما زلت أحاول أن أعيش معناها أكثر مما أحاول أن أشرحها».
أظن أن هذا هو أجمل ما يمكن أن تفعله قيمة ورثناها من أهلنا؛ أن تتحول من نصيحة قالها الأب إلى شيء يظهر في تصرفات الابن من غير أن ينتبه.
وأنا الآن عندي فضول واحد فقط… بعد كل هذه السنوات، عندما تجد نفسك أمام موقف تحتار فيه: أكرم أم أتريث؟ أعطي أم أحسبها؟ هل تسمع صوت أبيك القديم في داخلك: «زلة الطيب ما هي زلة»؟
أشعر أن هذه العبارة، بعد أن عرفت قصتها، لم تعد مجرد حكمة قالها والدك… صارت جزءا من صوتك أنت.
غانية ملحيس
 
أعلى