محمد مستاوي - الراحل محمد ابزيكا.. الباحث الذي قاده المرض إلى أعمق مكان من ظلمات الذات

بعد صمود في جزيرة النسيان المظلمة حوالي عشرين سنة، انتقل الأستاذ الباحث محمد ابزيكا الى جوارربه يوم الجمعة 28 فبراير 2014 الساعة 12,30 صباحا، تغمده
كان الأستاذ الباحث محمد ابزيكا أحد الباحثين القلائل الذين يشقون في سبيل إسعاد طلبته ومتتبعي ندواته هنا وهناك وقرائه في هذه المجلة وتلك خاصة مجلة اتحاد كتاب المغرب الذي يعتبر عضوا عاملا فيه قبل أن أجبره مرض النسيان على مغادرته للحياة قبل الممات ومن حقه على اتحاد الكتاب تنظيم ندوة تكريمية له وجمع ما يمكن جمعه من مقالاته وطبعها والعمل على طبع أطروحته..
أقام أصدقاؤه ومن يقدرون قيمته الفكرية وعطاءاته داخل الكلية وخارجها، اقاموا له تكريمين شاركت فيهما واحدة في أيت ملول والثانية في أكادير، ألقت ابنته كلمة في بلدية أكادير، وعدت الجمهوربمتابعة مسار والدها وأبكت من يدركون طموحاتها وابعاد كلماتها وهم كثر. للفقيد ابنتان واحدة تتابع دراستها في أمريكا والثانية في كندا...
كان اللقاء الأخير الذي شاركنا فيه معا بمدينة القنيطرة بتاريخ 28 شتنبر 1989 إلى 08 أكتوبر 1989، نظمه المجلس البلدي تحت شعار: الثقافة الشعبية المغاربية. إلى جانب الباحثين المغاربة شارك فيه باحثون من تونس والجزائر وليبيا وتم طبع المداخلات في كتاب يحمل عنوان الملتقى وكانت زوجته تدرك أن مرض الزهيمر أخذ يتسلل إلى ذاكرته مما جعلها ترافقه وما إن أنهى مداخلته حتى عادت به إلى أكادير.
قمت بزيارته رفقة ثلة من أصدقائه أكثر من مرة ويتذكر أصدقائي في اتحاد كتاب المغرب مطالبتي لهم في كل مؤتمر بأن يقوموا بزيارته والعمل على نقله الى خارج الوطن. وتقدمت بطلب مباشر إلى الدكتور حسن أوريد بصفته رئيسا لمركز طارق بن زياد ومكلف في نفس الوقت بمهمة في القصر الملكي ظرفذاك طلب مني أن آتيه بملفه الطبي فاستحييت و أتيته سيادته بنسخة من ملفه الطبي.
وكنت آمل أن ينقل إلى خارج الوطن حيث الإمكانيات الطبية في جميع التخصصات دون نسيان ما قامت به زجته قبل يأسها ويأس الأطباء من علاجه.
المتتبعون لمسيرته الثقافية، فالمرجوم محمد ابزيكا جمع بين العمل كأستاذ جامعي تعرفه مدرجات المحمدية فابن زهر وبين المداخلات والمحاضرات والإشراف على بحوث طلبته إضافة إلى كونه أعد بحثه لنيل دكتوراه الدولة في موضوع أسطورة حمو نمير في البحر الأبيض المتوسط، حال مرضه الخبيث بينه وبين مناقشتها.
طلبت من وزارة الثقافة أن تقوم بطبعها ومن مركز طارق بن زياد لكن لم يتحقق هذا في حياته نأمل أن يتحقق بعد وفاته. دون نسيان تحية تقدير أصدقائه وطلبته، لوالدته الصبورة الحنونة التي كانت والدة وممرضة مدة مرضه تأتيه بكل شيء وتحمله الى حيث يشاء إلى يوم وفاته هناك طبعا إخوته وقلة من أصدقائه...
ما كتبه و ما كتب عنه بحاجة إلى الجمع والتدوين لإغناء المكتبة الوطنية من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما نشرته جريدة أنوال بتاريخ 1994/08/22-21 صفحة 10 بقلم مصطفى الزاكي جاء فيه لنتذكر الأستاذ محمد ابزيكا، هذا الذي تم وضعه في مجرى الريح وقاده المرض إلى أعمق مكان من ظلمات الذات، ابزيكا نسيه الجميع في ظلمة مرضه، كان باحثا وأستاذا في الكلية ومثقفا نشيطا في اتحاد كتاب المغرب وأيضا يتحرك ككيس مائل من الرغبة المتوقدة ويهوى تحريك المستحيل، لكنه الآن يرقد في دائرة نسيانه الخاص متعب من معركة لم يتوان فيها بعد خطواته الأولى، أما الأخبار القليلة التي تصل عنه من بيت أسرته بمدينة أيت ملول فتقول أن مرضه قد تمكن من عزله وبشكل نهائي عن العالم وقلص فعاليته الى مجرد التنقل بخطوات باردة بين غرف المنزل الكلام الوحيد الذي نقله عنه صديقه محمد مستاوي لازال يحمل شيئا من شخصيته الواعية حيث ردد قوله أنا مريض بالنسيان والنسيان عندو علاج.. انتهى ما كتبته عنه جريدة أنوال.
هذا جعلني أتصل ببعض الجهات التي تمت الإشارة إليها اتحاد كتاب المغرب في مؤتمراته ومؤسسة طارق بن زياد في شخص الأستاذ حسن أوريد..
في العدد الأول من مجلة تاوسنا المعرفة، الصادر بتاريخ 1994/1/1 التي أسسها محمد مستاوي بصفته مديرا لها وأحمد عصيد بصفته رئيس تحريرها صفة 66 تحت عنوان: الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية للبحث محمد ابزيكا جاء فيه.
محمد ابزيكا في محنة سفره الغامض الذي لا يصحبه فيه سواه متأبطا أحلامه المهبطة منفلتا من عالم ا لسحرة والعقدم والقتل العمد لجمالية الأشياء، يسكننا بندائه القديم الجديد وبجرأة منا وشته لأسرارنا الخجولة واقتفائه لآثار الخطو التي كان يغشيها غبار النسيان...
ها هو في نص من نصوصه المضيئة يؤرخ لشعب لا تاريخ فعلي له إلا أقنعته المنسوجة من رموز المتخيل الجريح والحزين.
الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية كتبه محمد ابزيكا وشارك به في الدورة الأولى للجامعة الصيفية 31-18 غشت 1980 وهو يعطي صورة عن الباحث المسكون بهاجس الإنصات الى مجتمعه والنبش بين تلافيف الذاكرة عن دلالة ومغزى يفكان مغاليق هذا المجتمع ويكشفان عن مخبوء صيحاته وعاهاته القديمة.
للتعريف بفقيدنا الذي فقدناه اليوم وقبله بسنوات لمن يجهل عنه كل شيء ننشر مقتطفات من مداخلته المشار اليها.
في سياق البحث سأحاول ان انكش بعض الجذور التي تنام عليها شجرة نسبنا الفكري، سأكتب بعض النصوص المسموعة، وسأقدم وثائق غير محايدة، ولكن الذي يشفع لها في التقدم هو استمرارها رغم طابعها الشفاهي، وهذا الاستمرار لابد وانه يؤدي وظيفة ما، وعندما يتعلق الامر بالتراث، تكون الوظيفة متناقضة بتناقض مصالح موظفيها، وستكون النصوص المسموعة عبارة عن حكايات اسطورية منتقاة بالسماع من جنوب المغرب، منقولة عن الامازيغية الى العربية، سأكتفي اذن في هذا البحث بالوقوف على جانب الاسطورة المتداولة باعتبارها عنصرا من عناصر تاريخ الشعوب التي لا تاريخ لها.

1 - القناع الدال
سأبدأ بنكش بعض هذه الجذور المشار اليها عبر مجموعة من الحكايات الأسطورية باعتبارها أقنعة.

2- المرأة التي مسحت بالخبز «تامغارت اصفدن ساوبيش، اوغروم»
في ليلة مقمرة من ليالي الصيف، حيث تكون القرى والمداشر على موعد مع الافراح ابتهاجا بالمحصول السنوي، ومشاركة للمتزوجين الجدد أفراحهم، خرجت امرأة وزوجها بصحبة طفلهما الرضيع قاصدين مدشرا قريبا للمشاركة في حفلة رقص (احواش)، وقد حملا معهما زوادة فيها ماء وقطع رغيف، ولما وصلوا مكان الحفل اختارت المرأة مجلسا بين النساء فيما اختار زوجها مكانه بين الرجال الراقصين. وفجأة أحست المرأة بأن طفلها الراقد في حجرها قد تبرز، بحثت حواليه عن شيء تمسح به البراز. وفجأة حدثت جلبة وهلع بين النساء. اما الرجال الراقصون فما لبثوا ان توقفوا عن الرقص وامسكوا عن الهزيج و هم ينظرون في خوف الى القمر الذي سحب ضوءه ولوثت بياضه قطعة كبيرة سوداء، واختلط الرجال بالنساء وهم يتبادلون رثاء المرأة التي مسخت هي وابنها ونصبا على وجه القمر عقابا لهما على تدنيس الخبز.

3 - الرجل المطفف «»اركاز اتغوشون لعبار»
كان رجل يشتغل (كيالا) في سوق الحبوب، وكان غشاشا مطففا حتى عرف الناس جميعا عنه هذه الرذيلة، و كان كلما سمع أحد الزبناء يجأر بالشكوى من تطفيفه. بادر الى أمانته بدعوة يكررها صباح مساء: «ان غششت فليمسخني الله»
وذات صباح وجد الناس الرجل في مكان عمله قد مسخ سلحفاة تحمل عليى ظهرها آلة كيل.

4 - الفقيه الذي توضأ باللبن «طالب اوضان ساوغو»
كان ذلك في فصل الشتاء، حيث استيقظ رجل ليصلي صلاة الفجر، ولما التمس الماء في كوخه لم يجده، وعز عليه ان يخرج بحثا عن الماء والبرد قارس، فمد يده الى جرة لبن وتوضأ بما في جوفها. وما كاد يتم مسح اطرافه حتى مسخ لقلاقا ابيض.

5 - الوجه (المدلول)
إزالة الأقنعة قصد التعرف على الوجوه، الجذور، النماذج، الاصلية لمنتجي هذه الحكاية، عملية تغري باستعمال عدة مناهج في دراسة التراث الشعبي. على ان طبيعة هذه النصوص، كروايات شفوية تتداول بالفم والذاكرة، تشجع على تبني الطريقة التي يدعو اليها هنري مونيو في دراسة الرواية الشفوية، تلك الطريقة التي تتراوح بين النقد النصي، والنقد الثقافي، والنقد السوسيولوجي.
1 - فاذا كان النقد النصي ينحصر دوره في محاولة تقييم المادة الوثائقية مضمونا وشكلا من حيث صحتها ووفاءها للاصل فان الدارس سيصطدم بقضية الشكل و صحة الرواية، فمن حيث الشكل لا نستطيع ان نقرأ هذه الحكايات رويت في الاصل كما وصلت الينا الان، بل لابد ان تكون قد تعرضت للتآكل والتعديل والبتر بسبب التداول المنتشر وأقدمية الاستعمال اما صحة الرواية فأعتقد هنا ان استمرار أول هذه الروايات هو الضمانة الوحيدة للاهتمام بها.
2 - والنقد الثقافي يتحمل مهمة استقصاء المقاييس الادبية والجمالية التي تتوفر في النص المخططات المتحكمة في الصياغة والفاظ التفكير والتصوير المتدخلة في تشكيل نسيج النص ومحتواه.
اما في الجانب الدلالي، فأهم مميزات هذه الحكايات هي الرزم، حيث يقع التبادل بين الانسان (الحيوان الناطق) والحيوان الاعجم من جهة وبين الفكرة المجردة والموضوع المحسوس من جهة أخرى.
وقيمة الرمز هنا في نظري ليست رؤيا اكثر مما هي محاكاة، لها مبرر فني هو التعليمية، ومبرر اخلاقي هو الخوف، ومبرر حضاري يعود الى تاريخ وصفها في فترة الطفولة البشرية حيث يوجد التحام بين الانسان والطبيعة، بحيث تكون عملية اسقاط الذات البشرية على الموضوع الخارجي اجراء مشروعا وعاديا لايزال صداه يسجل في الاغاني الشعبية بالجنوب المغربي.
والقيمة الجمالية لهذه الرمزية تتمثل في المواد المرموز لها للتماثل: الرغيف - السلحفاة - البجعة، هذه الادوات تشكل سلسلة الدورة الحياتية في مجال اجتماعي محدد هو البادية (باسقاط الجنس) واختيار نوع من الحيوانات كرموز تكشف عن نظرة الشعب الى هذه الحيوانات ضمن عملية الاسقاط.
ان الطاقة الرمزية التي تتضمنها الحكايات التي يتشكل ابطالها من الحيوانات المذكورة تكون محدودة القيمة. وهذه القيمة هي المحاكاة، لكن اذا ربطنا الاشخاص بالاحداث والمواقف وعممنا الربط على جميع الحكايات فان هذه القيمة تتحول الى رؤيا تتيح دراسة تفكير الشعب الذي انتج هذه الحكايات ودراسة هذا التفكير تتفيأ تحديد النمط على ضوء التقسيم الانثروبولوجي لمراحل التفكير البشري: السحر - الدين - العمل. ومن هنا نجد التفكير السحري والديني يتعاونان في تأطير رؤية الانسان الى عالمه في هذه الحكايات ليس هو الساحر وانما هو الله اذا فهمنا ان المقصود بكلمة ربي في هذه النصوص بعد الترجمة هو الله أما موضوع المسخ نفسه في هذه الحكايات فهو يثير ايحاء شديدا بالطوطمية كمقولة خرافية رئيسية في التفكير السحري، ولكنها في هذه الحكايات خصوصا ذات وضع مقلوب بالنسبة للاصل، اذ يعود فيها الانسان الى اصله: اي ان البطل في الحكاية رقم 3 مثلا كان طوطمه طير البجعة، فلما اقترف اثم التوضؤ باللبن عوقب على ذلك بأن مسخ وأعيد الى اصله.
ان النقد السوسيولوجي ينطلق من منظور الدور الاجتماعي الذي تلعبه تلك الحكايات الاسطورية، وفي هذا الصدد يؤكد هنري مونيو ان اية رواية شفوية لا تستمر الا اذا كانت تؤدي وظيفة ما و هذه النماذج من الحكايات بغض النظر عن هويتها الشعبية او الشعبوية تشكل القناع لنماذج اصلية في تاريخنا تعتبر دوالا على جذورنا، ودلالتها هي التي تزيح هذا القناع. وأهم دلالاتها على الصعيد الاجتماعي:
1 - رفض النزعة التبذيرية التي تشكل احدى السمات الاخلاقية لاغنياء المجتمع الذي انشأ هذه الحكايات
2 - رفض الانحرافات الاخلاقية التي تصطدم بالمثل التي اصطلحت البشرية على تقديسها مثل العدالة وما يستتبعها من نزاهة واستقامة وموضوعية.
هذا الكشف اعتبره مقدمة لعمل اكثر مردودية يمكن ان يقوم به باحثون ونقاد يتوفرون على إمكانيات اكثر مما في وسعي.
كما أعتبر هذا العمل من صميم مهمة المثقف العضوي تجاه الثقافة الشعبية، وهي مهمة يفترض ان يستثمر نتاجها المثقف الجماعي الملتزم بمهمة التعبير.. هذا التعبير الذي يستلزم الانطلاق من نقطة البدء: فهم الماضي لتغيير الحاضر، والتعامل مع الجذور لغاية تحويل الإحساس الى معرفة.


* عن مجلة تاوسنا مقتطف من مداخلة الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية، الاستاذ الباحث محمد ابزيكا.
* نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 22 - 03 - 2014

أحدث المراجعات

شكرا للمصادفة الرائعة التي قادتني لمحمد ابزيكا ... فالقليلون جدا من المثقفين المغاربة من قرأ او سمع بهذا الاسم لكاتب استثنائي من الزمن الجميل .. ومثقف عضوي بكل ما للكلمة من معنى ، ومبدع أصيل طواه النسيان لأنه لم يبايع أشباح الكتبة الذين تسلطوا على المشهد الثقافي وشوهوه وأفسدوه ودمروه ، وافسدت ( ضائقتهم ) هبات المبادرة الوطنية اللعينة التي افسدت الفكر واساءت اليه ، فآثر الركون الى الظل والصمت
من عاصروا زمن المجلات الرائدة وصفحات الجرائد النزيهة البعيدة عن اراقة مياه الوجه ..يدركون قدر ومكانة محمد ابزيكا ، ومن طالعوا مجلة الثقافة الجديدة وجريدة المحرر في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي يعرفونه حق المعرفة ، ومن اطلعوا على تحليلاته حول الادب العربي و الفلكلور والثقافة الشعبية المغربية ، و تحديدا الثقافة الامازيغية يعرفونه أيضا ، ومن طالعتهم دراساته حول ظاهرة الفرق الغنائية الشعبية ناس الغيوان ، جيل جيلالة ، ازنزارن والتي شكلت ظاهرة صوتية صحية في سماء الاغنية المغربية والعربية يعرفونه أيضا وأيضا ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى