نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

ديوان الغائبين : مليكــة مستظرف - المغرب - 1969 - 2006

نشر: نقوس المهدي · ‏9/7/18 ·
  1. ولدت بالدار البيضاء بتاريخ /20 /6/ 1969
    لم يكتب لها اكمال دراستها الجامعية اصيبت بمرض القصور الكلوي في سنة 1986 و هي لم تكمل ربيعها السابع عشر
    وكُتبـِت لها رحلة مع العذاب الجسدي والنفسي طيلة عشرين عاماً، تحس بمعاناتها حين تقرأ شيئاً من سيرة حياتها فترى كيف تنصل عنها الأقرباء خوفاً من تكاليف علاجها الباهظة، وكيف عانت من الوعود الكاذبة لمنظمات حكومية وغير حكومية
    ملأت الاديبة اوقات فراغها بالقراءة هروبا من المعاناة النفسية لجلسات العذاب امام جهاز تصفية الكلى 3 مرات اسبوعيا و كل جلسة 4 ساعات
    وحين رفضها الناشرون ماكان منها إلا أن نشرت روايتها على نفقتها الخاصة،ادخرت ما يعطيها والدها من مالٍ لشراء الأدوية اللازمة لها، وفي قرار عنيد وخطير لتطبع روايتها، و عرضها ذلك إلى الإصابة بهشاشة العظام فغدت لا تقدر قدماها على حملها، وأضحت تسير بعكازتين.. صدرت روايتها الاولى في عام 1998م
    مليكة لم تستسلم لما قيل عنها، كتبت عدداً من القصص القصيرة وأصدرتها في مجموعة قصصية اختارت لها اسماً من بين أسماء قصص المجموعة، اسمها " ترانت سيس" وهي تعني بالفرنسية الرقم 36 وهو جناح للأمراض العقلية في مستشفى الدار البيضاء، وهي كلمة صارت تطلق على كل الأفعال الخارجة عن المنطق و المعتبرة من افعال المجانين
    لها في هاته المجموعة القصصية قصص رائعة مثل مأدبة الدم وجلباب وعلبة حليب.. كما كانت لها كتابات عبر شبكة الانترنيت في العديد من الفضاءات الادبية
    رغم مرضها رغم المها .. فلم يحرك أحد ساكنا.. حتى و هي تستغيث على صدر الصحف طالبة مساعدة مالية لأجل أن تشتري الدواء فقط.. توفيت والدتها بعد اصابتها بهبوط مفاجئ في القلب.. ثم توفي والدها بعد ذلك.. و توفيت بدورها يوم 9 شتنبر 2006
    تم إعلان عن قاعدة ثقافية تحمل اسم: مليكة مستظرف.. وعن جائزة للقصة النسائية الشابة تحمل اسم: جائزة مليكة مستظرف القصصية.. و جهات أخرى أطلقت على مراكزها اسم مليكة مستظرف

    ***

    كان يرتدي قميصا بمربعات كبيرة
    قصة قصيرة بقلم مليكة مستظرف

    -----

    كان يرتدي قميصا بمربعات كبيرة, سوداء و بيضاء. قميصه يشبه رقعة شطرنج, نصفه العلوي فقط يظهر عبر شاشة الحاسوب. لذلك خمنت أنه ربما يرتدي سروالا أصفر,وحذاء شتويا برقبة طويلة, جوارب خضراء وتبانا برتقاليا بثقوب عديدة. زمت شفتيها فخرجت الضحكة من أنفها بصوت مسموع.

    Boughattat70كتب لها

    - عنقك في الصورة يبدو لذيذا كعمود جبان كولوبان
    ضحكت و كتبت له:
    -جبان كولوبان
    و القيق و القيقلان
    و العار على الضمان
    سادتنا اهل وزان

    -و لسانك بالتأكيد سيكون حلوا كفنيد المكانة التي يا ما ضرسناها في الطفولة
    -لا احب فنيد المكانة. عندما كنت طفلة ,ذهبت لموسم" سيدي رحال"
    -شايلاه آسيدي رحال
    -اشتريت فنيد المكانة. اذخلت رأسي في الكيس البلاستيكي و لم أخرجها الا بعدما أتيت على كل ما فيها. ليلتها لم أنم. مِؤخرتي كانت تنغل بالديدان الصغيرة. عندما تعبت من الحك صرخت. والدتي هددتني بوضع السودانية أو تربطني في الضريح . لم أعد أصرخ.
    -حدثيني عنك
    -لا أرغب في الحديث عني
    -هل انت شبح؟
    -انا شبح و انت بوغطاط

    * * * * * *

    طفلها يبكي ,تلقمه ثديها."كغ آمومو". أصابعه صغيرة ووردية اللون. يوما ما ستقضم أصابعه أو ستضمه بقوة حتى يموت. تمسح مؤخرته بحليب جونسون, تضع له الحفاظات و لا تضمه حتى لا يموت. عندما يحضر زوجها ستجهز له عشاءه : التقلية باللفت و الزيتون الاحمر.هو يعشق التقلية لذلك تطبخها بكميات كبيرة و تضعها في المجمد. ويقوم بتسخينها متى دعت الضرورة لذلك. في المجمد يوجد كذلك خبز يكفي لمدة أسبوع, خضر مغسولة و ...كل شيء.

    Jupiter1960vient de se connecter

    كتبت له:
    -انتهيت لتوي من طقوس "تاغنجا"
    -المطر تأخر كثيرا
    والارض عطشانة
    تلحس شفتيها
    -هاهو المطر قد اتى غزيرا متدفقا. عندما أحضر للبيضاء , تمضين الليلة معي؟
    En couleur-كتحلم
    -دعينا نحلم فالحياة ياصاحبتي مقرفة بدون أحلام
    -ساحضر معي زجاجة" جين" ,مذاقه جيد عندما يمزج بشويبس طونيك" .سيكون اللقاء حارا" كصيف المدن السفلى"

    وماذا كذلك؟-

    -عندما نلتقي, لا تخنقي نهديك بحمالات الصدر..شعرك اتركيه حرا على كتفيك كما في الصورة. اريد ان اكحل عيني بك فانا بدوي و عيناي كبيرتان.

    (زوجها يقول:شعر المرأة عورة.رأسه كقطعة عاج قديمة, لحيته كالمكنسة. يوما ما ستمسكه من لحيته, تطوح به ثلاث مرات قبل أن ترمي به في المرحاض و تفرغ عليه سطل ماء. وستصرخ فيه :لحيتك عورة..صلعتك عورة.. و م..عورة.)

    Jupiter1960- هل ترغبين في ممارسة الحب؟ كتب

    (زوجها لا يسألها. هي تلبي رغبته كيفما شاء, ومتى شاء , واينما شاء. حتى لو كان ذلك في رمضان نهارا

    (ابن قيم الجوزية يقول"من خاف تشقق خصيتيه يباح له الوطء في رمضان . وهي تطيع زوجها و تطيع ابن القيم .حتى لا تتشقق خصيتا زوجها و تحرم من دخول الجنة)

    أمسكت لوحة المفاتيح و نقرت عليها:

    - هل الحب الذي يمارس عبر النت له مذاق مختلف؟
    - طبعا انه لذيذ "ككسكس الامهات"

    (لحست شفتيها. يوم الجمعة ستذهب لتأكل الكسكس بالقديد عند والدتها.سيرافقها زوجها طبعا:تلبس لباسها الاسود. تشبه خيمة متحركة,اخوتها ينادونها"النينجا".الخيمة تخنقها,زوجها يخنقها و "جوبيتر1960" يكتب لها:المرأة ليست جسدا فقط.

    كتبت له:

    -عندما نلتقي , نذهب الى البحر. نراقب النوارس و هي ترحل ونأكل كلاص
    -سأقرأ لك قصيدة النوارس
    -سأمنح البحر جسدي , وأقول له هيت لك.
    -امنحيني انا جسدك, وقولي لي هيت لك , و سترين اني لن اكون مثل يوسف وأعرض عنك
    -انت مجنون.
    -عندما نتسلل لغرفة صديقي, سأقرأ لك قصيدة لرامبو. ندخن لفافتين و نشرب كأسين من "الدجين"..سأحرك براكينك الخامدة منذ الازل و أشعل نيرانك . فأنا عابد مجوسي أعشق اللهب.

    (تذكرت رامبو..ناس الغيوان.. الجامعة)

    - تناطح الاربعين و لم تتزوج بعد.
    - لماذا أشتري بقرة و الحليب متوفر بكثرة.

    الساعة المعلقة على الحائط تدق ثمان دقات. بعد نصف ساعة سيحضر زوجها. الساعة الثامنة و النصف تأتي دائما بانقباض في القلب. تقفل مسانجر . وتعيد كل شيء لمكانه. عندما يحضر زوجها يلتهم صحن التقلية, يصلي العشاء , يقفل عليه مكتبه و يختلي بحاسوبه.

    ذبابة تطن قرب أذنها . تحط على وجه طقلها. يستفيق...شش...تطرد الذبابة.يعود طفلها للنوم. زوجها يردد دائما "لو أعلم أن الذبابة التي تدخل بيتي ذكرا لقتلتها).

    ***

    مأدبة الدم
    بقلم: مليكة مستظرف

    أخذت الأنبوب الزجاجي الشفاف الذي أعطتني إياه الطبيبة, ودخلت إلى مرحاض المستشفى الحكومي.
    كان نتنا ومتعفنا.وضعت أصابعي المتورمة على أنفي اتقاء لتلك الرائحة النفاذة. على العموم أنا لست من هواة الجلوس في المراحيض, بخلاف زوجتي التي لا يحلو لها تصفح كتب الطبخ إلا هناك.ناولت الطبيبة الأنبوب الزجاجي, أخذت تتأمل ذلك السائل البني الممزوج بالدم, مطت شفتها السفلى ربما امتعاضا أو قرفا, لا أدري
    منذ شهر تقريبا...لا ليس شهرا بل عشرين يوما بالتحديد, بعد زواجي بـأسبوع واحد فقط, أخذت أحس بألم أسفل الظهر..ألم شديد قوي..يعتصرني..ينهشني..يشلني..يمتد إلى بطني و مثانتي. أزحف إلى المرحاض , عملية التبول أصبحت بالنسبة لي عملا شاقا, تنزل قطرات بنية تؤلمني كفلفل حار. جدتي كانت تخلط أعشابا عجيبة مرة مقيتة, تفرغها في جوفي دفعة واحدة, الجيران كذلك أصبحوا يخترعون و صفات غريبة أخرى و يأتون بها, وأنا أ صبحت فأر تجارب بوجه منتفخ أصفر مطلي بالزعفران.أمي قالت: "العروسة قدامها كحلين". الفقيه السوسي قال إنه "التوكال"* نزع عني ملابسي, كان يحرك شفتيه الزرقاوين, ويغلق عينيه تارة ويفتحهما تارة أخرى.أنظر إليه بوهن يعبث بجسمي.عليك اللعنة ، لو كنت في كامل قوتي لكسرت عظامك.هذا الألم يعود ثانية, أصرخ وأصرخ, الفقيه السوسي يقول التوكال.أمي تتهم زوجتي..زوجتي تنكمش, تخاف, تبكي..تقسم على المصحف أنها لم تؤذني...سباب بينها وبين أختي, يتحول الأمر إلى معركة بالأيدي.وسب في دين أمي..و أنا مسجى على ظهري أحس بالاختناق.الطبيبة تلمس بأصابعها الباردة جسمي, تضغط على ظهري, بطني, مثانتي, وكل شيء. يحمر وجهي خجلا, هي لا يحمر وجهها, لقد تعودت على ذلك. وجهها مستطيل و أبيض بلون الورق. لو رأتها جدتي لأعطتها إحدى وصفاتها العجيبة حتى يصبح وجهها موردا.
    نمت على سرير المستشفى, كان أشد نتانة من المرحاض. بقع دم متجمدة على السرير, آثار بول..تأففت.نظر إلي شخص مستلق على السرير المجاور, يمص سيجارة رخيصة, يحاول أن يخفيها عن الممرض الرئيسي. قال لي ستتعود. الطبيبة كذلك قالت لي ستتعود. أخبرتني أنني مصاب بالفشل الكلوي المزمن. هززت كتفي بلا مبالاة. هل هذا المرض أخطر من المصرانة الزايدة*؟ لا أظن. كل ما في الأمر, ستعطيني أدوية وحقنا لمدة شهر أو أسبوع و بعدها أصبح "بحال العود" , كما يحلو لوالدتي أن تسميني, وسأعود لبيتي هناك في "بني ملال" حيث تنتظرني زوجتي.سننجب نصف دزينة من الأطفال
    لكن الطبيبة تتكلم عن أشياء وقعها غريب عن أذني, تصفية الدم , كلية اصطناعية, أنابيب, عملية بسيطة في اليد, وستتردد على المستشفى مرتين في الأسبوع, ستحضر من بني ملال إلى البيضاء.أبي قال"مالك فيك السيدا؟ إذا كنت تعاني من "الكلاوي" سآخذك إلى سيدي حرازم* .لم يذهب أحد هناك إلا وشفي.ثم أنا لا أثق بهذه الطبيبة. المرأة عموما لم تخلق لتكون طبيبة. ثم ما علاقة الكلى بهذا الاختناق الذي تحسه ويمنعك من النوم؟ أنت تعاني من الضيقة".
    الألم يعود أشد قسوة, أشد ضراوة, يمنعني من التفكير و التركيز, هل أسمع كلام الطبيبة أم اختار كلام أبي؟الرجل الذي ينام على السرير المجاور, والذي يمص سيجارته الرخيصة التي تزيد إحساسي بالاختناق, قال لي أنت لا تملك حق الاختيار, يمكنك فقط أن تختار بين أن تموت فورا ولمرة واحدة, أو تموت بالتقسيط على مدى شهور وسنوات.الموت سيتسلل عبر مسامك, سينخر عظامك وصدرك وقلبك, وسيأكل من نفس صحنك, ويتسرب عبر مسامك, سينخر عظامك و صدرك وقلبك, وسيأكل من نفس صحنك, و يتسرب إليك عبر الهواء الذي تتنفسه. وبعد ذلك ستتعود على وجوده, ستصاحبه وتستأنس به, ولأن الموت جبان وغدار, سيأتيك من الخلف ويغدر بك, وسيلعب عزرائيل لعبته معك حين لا تنتظره, إنه يأتي دائما حين لا ننتظره .و سيأخذونك لمثواك الأخير ويضعون على جسمك حجرا كبيرا حتى يتأكدوا من عدم رجوعك, و يذرفون عليك دمعتين, ويأكلون كسكسا لذيذا و يشربون كثيرا من القهوة السوداء ترحما عليك, في حين أنك ساعتها تقدم كشف حساب عن تصرفاتك في الدنيا.
    صمت قليلا, أطفأ سيجارته بعصبية وأشعل أخرى بيدين مرتعشتين. كنت أود لو أرجوه أن يكف عن التدخين و الكلام وحتى التنفس..هذا الألم يمزقني ثانية و جسمي يِؤلمني كأنني قطعت آلاف الكيلومترات على قدمي.عاد الألم و عاد صديقي للكلام ثانية
    الدنيا امرأة مومس تهرب منك إذا تبعتها و أبديت بعض الاهتمام بها, وتزحف إليك زحفا إذا هربت منها وأوليتها ظهرك.
    و زوجتي مومس, اللعنة على النساء, على كل النساء ابتداء من حواء وانتهاء بزوجتي إلا أمي. قبل المرض كنت الآمر الناهي, لا تجرؤ على رفع صوتها في حضوري, أنظر إليها نظرة واحدة بعيني فتنزوي في المطبخ. هل تصدق أنها كانت تغسل قدمي كل يوم؟ لكن عندما تمكن مني المرض, ووهن جسمي, تنمردت و استأسدت علي.أصبحت بالكاد أتكلم, و إذا جلست لا أقف وإذا وقفت لا أجلس.أنهي حصة غسيل الكلي وأصبح كالخرقة المبللة, أجرجر جسمي النحيل إلى البيت و أتكوم على السرير متعبا لا أبغي إلا شيئا واحدا "النوم". لم أعد أعمل, خانتني صحتي,
    أصبحت هي رجل البيت, هي التي تعمل, لذلك تنمردت علي.سأهمس في أذنك بسر, لم يعد سرا...لقد فضحتني عليها اللعنة بنت الحرام. على الفراش لم أعد أستطيع أن أرضيها, أتعب بسرعة,أتعب قبل أن أبدأ.أحس بالعرق يلفني و قلبي يكاد يتوقف عن الخفقان. كنت أتحاشاها. في البداية, كانت تعاتبني بعينيها, لكن العتاب أصبح سبا علنيا. ذات خيبة حاولت أن أتحايل على عجزي بحبوب "الفياغرا". ليلتها أعدت أمجادي وأمجاد أجدادي الأشاوس. وانتهت المعركة, لكن في قسم المستعجلات. كان الأمر مخزيا لا يفهمه إلا الطاعنون في العجز مثلي. بعدها طلبت منها أن تفعل ما بدا لها بعيدا عني و دون أن أعرف. على العموم هي لم تكن تنتظر إذنا مني, أخبار مغامراتها كانت تصلني. كاد أهلي أن يأكلوا وجهي. لكن لكي أقبل بوضع كهذا, يجب أن يكون قلبي مصنوعا من روث البغال, وهذا الدم الذي يجري في عروقي بول خنازير.
    اضطررت لتطليقها حفاظا على ما تبقى أو لم يتبق من رجولة وهمية. لكن الفاجرة فضحتني عند كل العائلة, قالت لهم إني لا أختلف عنها في شيء, بل هي أرجل مني... بنت الحرام قليلة الأصل.
    أشعل سيجارة أخرى من عقب سيجارته. عاد للكلام , للثرثرة.
    "لكن دعنا نتكلم فيما هو أهم, النساء لا تستحق منا كل هذا الاهتمام, ضلعة عوجاء إذا حاولت تقويمه تكسر.أهم شيء هو ما سأقوله لك الآن, يجب أن تحصل على مجانية العلاج, حتى في المستشفى الحكومي حصة غسيل الكلى مكلفة جدا. بعض المحسنين فقط هم الذين يتكلفون بمصاريف العلاج.
    ستطلب منك السكرتيرة التابعة لهم بعض الأوراق . على ذكر السكرتيرة, كلما أراها أحس أنها مركبة بطريقة خطأ...لا تضحك..وجهها يبدو كبلغة صفراء قديمة, وبعينيها حول غير خفيف, وفمها ممتلئ أسنانا حادة كسمك القرش, صدرها يبدو ضامرا ولديها عجيزة ضخمة, ورجلاها كقصبتين نحيلتين. ستطلب منك شهادة تثبت فقرك و أخرى تثبت مرضك وصورا شمسية لك. "المقدم" لن يعطيك شهادة الفقر إلا إذا فهمت رأسك وأدخلت يدك في جيبك و أخرجت ورقة من فئة خمسين درهما, مع أنه يعلم أكثر من غيره أنك أفقر من الفقر نفسه. بعد أن تضع الملف ستعطيك السكرتيرة رقما يجب أن تحفظه عن ظهر قلب, لأنه بعد ذلك ستصبح مجرد رقم فقط. سيكون رقمك مائة و قد يكون ألفا. وستنتظر سنة , سنتين أو ربما ثلاثا. صديقي انتظر ثلاث سنوات و حينما حان دوره لكي يحصل على مجانية العلاج كان قد أ سلم روحه لبارئها. ولكن إذا كنت محظوظا وتعرف شخصية يفلق اسمها الحجر ستحدث معجزة بشرية , وعوضا أن يكون رقمك ألفا سيشطبون على الأصفار الثلاثة ليصبح رقمك واحدا, و تحصل فورا على مجانية العلاج.
    اعصر ذاكرتك, وتذكر إن كنت تعرف شخصا ما ,"ريحة الشحمة في الشاقور" مثلا, برلمانيا أو وزيرا أو حتى راقصة, لكي يتوسطوا لك. ستتعلم كيف تقبل الأيدي والأرجل, وتتوسل و تركع و تزحف وتنحني تنثني لكي تستجدي ثمن العلاج. لأنك إن لم تفعل ستبيع كل شيء, هذا إذا كنت تملك شيئا بالطبع. وستستدين وسترى كيف سيهرب منك أصدقاؤك وأهلك و أولادك, ستبيع عظامك قطعة قطعة , ودمك قطرة قطرة , لكي تستوفي ثمن العلاج. لا تسألني عن الحكومة, إنهم يعرفون و يتعامون, يعرفون ما نسر وما نعلن, بل يعرفون ما يحدث بين المرء و زوجه على الفراش . لكن يتغاضون, يتجاهلون وجودنا. مرة, منذ سنوات عديدة ,لم أعد أتذكر متى بالضبط , حضر أحد المسؤولين , ابتسم أمام كاميرا التلفزيون , التقطوا له صورا وهو يقبل طفلة مريضة. نشرت الصور في الصفحات الأولى من بعض الجرائد الوطنية اليومية, وقال كلاما ضخما وكثيرا , ونحن صدقناه و صفقنا له و ابتسمنا, وكدنا نبكي لرقته. وكلما ذهبنا إليه لكي نسأله أن يفي بوعوده, لم يكن موجودا , أو في اجتماع أو...أو..فهمنا متأخرين أن مهمتنا انتهت عند التصفيق والدعاء له أمام كاميرا التلفزيون.من يومها تعلمنا أن لا نصدق كل شيء و أي شيء. وفي المرات النادرة التي كان يتذكرنا فيها أحد المسؤولين , مصحوبا بأتباعه وكاميراته وصحفييه, كانوا يجبروننا على الحضور و الابتسام و التصفيق قرفا . وبعدها ننصرف دون أن ننتظر شيئا. فقد فهمنا قوانين اللعبة".
    سكت صديقي. نفث سمومه بداخلي و سكت. لعنته في سري. لماذا لم يتركني أكتشف كل شيء بنفسي؟ أخذ يدندن بأغنية شعبية. دخلت السكرتيرة. عرفتها الصدر الضامر , العجيزة الضخمة... قالت لي بصوت خشن بفعل السجائر لا محالة, " يجب أن تحضر شهادة الفقر , شهادة تثبت مرضك و...و...و... الى أن يحين دورك , ستتحمل مصاريف العلاج بنفسك".نظرت إلى صديقي, ابتسم بمرارة و طأطأ رأسه. حشوت قدمي المنتفختين في بلغتي, جرجرت جسمي المنهك خارج المستشفى.
    حاولت أن أصرخ, صرخت, " من أين لي بالمال حتى أدفع لكم؟" انتبهت الى نفسي , كل الناس ينظرون الي. سمعت أحدهم يقول "لقد جن الرجل". هل جننت فعلا؟
    -1 التوكال نوع من السحر الأسود
    -2 المصرانة الزايدة الدودية الزائدة
    * * *

    مليكة مستظرف – قاصة مغربية

    ***

    قمل
    بقلم الراحلة مليكة مستظرف

    اهداء: الى شبيهي في الفقدان… المهدي المنتظر, محمد المهدي السقال

    لو انه طاوعني لما كنت الان هنا ولما كان هو الاخر هناك…لكن “راسه قاصح ديال التهراس”..القمل والخنز وسراق الزيت.*.كنت اظن ان القمل قد انقرض منذ زمن لكنه مازال متواجدا في هذا المكان الحقير..المرأة المترهلة الجالسة امامي تفلي راس صديقتها وتصرخ بين الفينة والاخرى: هاهي هااناشديتها …ثم تضع تلك الحشرة الصغيرة بين الابهامين وتمعسها.
    امي كانت هي الاخرى تضع راسي على ركبتها وتحاول البحث عن تلك الحشرات الصغيرة ..تضع بجانبها قارورة الكاز ومشطة الكرن*استعدادا لشن غارة على تلك الطفيليات التي تقتات على دمي..احاول التملص ، تمسك ذراعي، أتمرد ..تغريني :غادي نحكي ليك خرافة هاينة اللي خطفها الغول…استسلم لها .
    المرأة الجالسة امامي وجهها اصفر بلون الكبريت لذلك ينادونها الصفريطة ، تدخل يدها بين نهديها و تخرج علبة صغيرة تفتحها ..اعقاب سجائر كثيرة..تنتقي واحدا بعناية و تطلب عود ثقاب من امراة ملونة(لا اقول امراة ملونة لسبب عنصري بل فقط لانها ترتدي ملابس ملونة كثيرة) لا تكف عن الغناء:
    البير اللي حفرنا ه ما شربنا ماه
    الفتاة تحاول الافلات من قبضة المراة المترهلة ،تصرخ فيها: راه فيك القمل بزاف خليني نحيدو ليك
    حيدي القمل اللي في راسك بعدا
    احاول التملص من امي تحكم قبضتها علي وتفتح قاروة الغاز التي اشترتها من السعيدي بائع الفحم …
    اغمض عيني حتى لا يتسرب الغاز اليهما …وتكمل امي: هاينة كانت زينة وشعرها طويل كيف شعر الخيل و رطب كيف الحرير….قطرات الغاز تتسرب الى رقبتي ،رائحته نفادة اقفل انفي ،
    امي لا احب الغاز ولا احب القمل ولا أحب السعيدي.أبكي.
    لا تبكي تقول المرأة المترهلة ،غادي يضربوك بست اشهر ديال الحبس الى كثروا.
    المرأة الصفراء تقترب مني تناولني عقب سيجارة : خذي ماشي خسارة فيك
    لا ادخن. قلت لها وأسندت راسي لركبتي
    آخر مرة كتبت له:
    لماذا لا تحاول فهم وجهة نظري ؟-
    لان ما تقولينه غير منطقي -
    : امسكت الكايبورد وكتبت له
    من لم يستطع الباءة فليصم -
    حاولت الصيام وكلما سألني أحدهم :علاش صايم؟ كاينة شي عواشر؟ أتذكر فورا جسدي فيزداد الضغط علي -
    الزاني و الزانية في نار جهنم -
    الله يغفر الذنوب جميعا الا ان يشرك به -
    ماذا سيحدث حين نقفل علينا في غرفتك؟ -
    لست عرافا -
    …..
    لكن قد اكون نبيا…..سأكون عيساك…ألم يحيي عيسى الاموات؟ -
    أنا خائفة -
    le message suivant n’a pas pu être remis à tous les destinataires par ce qu’ils/elles semblent être hors ligne.
    اشعر بالاحباط.
    رائحة اعقاب السجائر تخنقني ، رائحة الغاز تجعلني أشعر بدوار ولدي رغبة في القيأ.. تكف أمي عن سكب الكاز و تكمل:
    واحد النهار كانت هاينة خارجة مع صحاباتها تجمع الحطب كانت الشتا خيط من السما و الرعد والبرق يا لطيف
    أرتعش.
    لازالت تمطر بالخارج أقول له.يضمني اليه أضع رأسي على صدره العاري.
    لن تشعري بالبرد بعد قليل…سأعيد رسم خريطة جسدك باصابعي -
    أبتسم . أهرب الى أقصى الغرفة
    تلحق بي أمي تمسكني و تظفر شعري:
    هاينة كانت فرحانة جات الشتا من بعد الجفاف تسقي الارض وتروي البهيمة ..واحد اشوية جات غمامة كحلة ..ما قدراتش تهرب بنت الهم كيف عملو صحاباتها.الغمامة الكحلة كانت غول خطف هاينة وهرب بها بعيييييييييييد.
    الضابط يتعمد الاحتكاك بمؤخرتي
    أستري نفسك آلقحبة .هكذا قال و هو يلتهمني بعينيه.
    كنت اريد اسكات نداء جسدي أردت ان اقول له
    تغطي امي شعري بكيس بلاستيكي لكي يدوخ القمل ويموت..
    سأموت أنا وليس القمل -
    انت لن تموتي ..انت فاش تكبري غادي تكوني شي حاجة كبيييييييييييرة ونفرح بيك -
    أمي هل ستهرب هاينة من غولها؟
    المرأة المترهلة نائمة على الاسفلت .،تتوسد ذراعها
    هو يقول لست عرافا
    وأمي لم تتم لي الحكاية.

    ————————
    سراق الزيت: الصراصير
    مشطة الكرن: مشط مصنوع من قرن الغزال او الخروف كنا نستعمله في الطفولة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..