الطيب صالح - رولان بارت وتغيير الموقف

"يا لها من بدع عجيبة تسربت الي نقدنا الأدبي! سحابة مظلمة ساقتها الينا ريح شُؤم، من جنيف أو بوسطن او من الجحيم، حجبت عنا شمس (الجمال) المضيئة. يا لها من فلسفة عبثية! اي عدوى غريبة، تصيب المروجين لهذه الترهات، فيبررون بكلام مثل هذيان المجانين؟"

شارل بودلير – مارس 1859


حيـَّر العالم الفرنسي رولان بارت، مريديه. انه لم يثبت علي موقف واحد، بل ظل يغير مواقفه باستمرار. وسوف يجد القارىء أدلة كثيرة علي عبثه الفكري في مقالته الشهيرة التي اعلن فيها (موت المؤلف) وهي من كتابه (الصورة – الموسيقي – النص) الصادر 1977
وفي ما يأتي مقتطفات منها:

يقول بلزاك، في قصته (القرصانة) التي يصف فيها خصيا متنكرا في هيئة امرأة:"كان امرأة فعلا، بمخاوفها المفاجئة، وتقلبات مزاجها، وقلقها الغريزي، وتهورها واهتمامها بالامور التافهة، ورقة شعورها المحببة".
مَن الذي يتحدث؟ هل هو بطل القصة الذي يجهل ان المرأة ما هي الا خصي في زي امرأة؟ هل المتحدث هو بلزاك الشخص، معتمدا على تجربته وفلسفته عن المرأة؟ هل هو بلزاك المؤلف معبرا عن افكار ادبية عما يظن طبيعة الأنثي؟
هل هو صوت الحكمة عموما؟ صوت السايكلوجيا الرومانسية؟
اننا لن نعرف الاجابة ابداً، لسبب بسيط هو ان الكتابة الغاء وتحطيم لكل صوت، لكل مصدر. الكتابة هي ذلك الركام المحايد، الفضاء المائل، حيث ينزلق الموضوع، السلبي الذي يقضي على الخصائص الذاتية كلها، بدءاً بخصائص الجسد الذي يقوم بفعل الكتابة.
لا شك ان الأمر كان دائما هكذا بمجرد ان تروي حقيقة ما – ليس بنية التأثير المتعمد على الواقع انما في نهاية الامر رهين بطبيعة الرمز ذاته، وخارج اية وظيفة – حينئذ يحدث الانفصام، الصوت يفقد مصدره، المؤلف يدخل في موته، الكتابة تبدأ (..).
المؤلف شخصية مفتعلة، بمعني انه نتاج مجتمعنا، بإرثه من العصور الوسطى، والفكر التجريبي الانكليزي، والعقلانية الفرنسية، ودعوة حركة الاصلاح البروتستانية الي تاكيد ذاتية الفرد، او كما يقال تجاوزاً (الفرد الانساني). هذه النظرة الساذجة، وصلت قمتها بشكل منطقي الى تهويل في الفكر الرأسمالي، من اهمية الفرد، اي المؤلف.
هكذا تجد ان المؤلف يتربع علي عرشه في كتب تاريخ الادب، وتراجم الكتـّاب، والمقابلات، وفي المجلات، بل وفي رغبات المؤلفين انفسهم الذين يستهويهم ان يخلطوا بين ذواتهم واعمالهم، بواسطة نشر مذكراتهم ويومياتهم.
كل شيء في الثقافة العامة، ينطلق من شخص المؤلف وحياته وذوقه وأهوائه (..). النقد ابداً يبحث عن تفسير العمل، في شخص الرجل او المرأة، الذي صنعه، كانما العمل في نهاية الامر شيء متاح، ينبع من مصدر واحد هو صوت المؤلف الذي يهمس في آذاننا باسراره (..).
ازاحة المؤلف عن عرشه، ليس فقط حقيقة تاريخية، او حيلة كتابية، انه أمر يحدث انقلابا في النص الحديث او بكلمات أخرى، النص بعد اليوم يكتب ويقرأ، بطريقة تجعل المؤلف غائبا عنه في جميع مستويات النص.. حين تعتقد في وجود المؤلف، فانك دائما تتخيله كأنه"ماضي"كتابته.
الكتاب والكاتب يقفان بالضرورة علي خط واحد، ينقسم الى قبل وبعد. المؤلف يظن انه يطعم الكتاب اي انه يوجد قبل الكتاب. يفكر ويعاني ويحيا من اجل الكتاب، انها علاقة تشبه علاقة الوالد بمولوده.
خلافا لهذا التصور، فان الكاتب الحديث، يولد في اللحظة نفسها التي يولد فيها النص (الذي) ليس له اطلاقا وجود يسبق كتابته او يزيد عليها. لا يوجد زمن عدا زمن الكتابة. وكل نص يكتب الي الأبد، ويكتب هنا ويكتب الآن (..).
نحن نعلم، ان النص ليس خيطاً من كلمات تصرح بمعني واحد. ليست رسالة لاهوتية مقدسة من (المؤلف / النبي).
انها فضاء متعدد الزوايا، يحوي انواعا شتي من منابع الثقافة علي سعتها (..). الكاتب الذي يجلس مكان المؤلف، لم يعد يحمل في جوفه اية مشاعر ولا أفكار ولا أحاسيس ولا تصورات، انه بالاحرى يحمل في جوفه معجما ضخما يغرف منه كتابة لا نهاية لها. الحياة ليست أكثر من محاكاة للكتاب والكتاب ليس أكثر من مجموعة اشارات لفقـد مؤجل باستمرار.
وهكذا حين يزول المؤلف تصبح محاولة فك ألغاز النص، محاولة لا جدوى منها. ان تعطي النص مؤلفا، هو ان تفرض عليه مساحة وحداً. يعني ان تجد معنى نهائيا، معناه ان تضع نهاية للكتابة.
ذلك التصور يناسب الناقد جدا، لان الناقد حينئذ يعطي نفسه سلطة اكتشاف المؤلف وراء النص، أو اكتشاف العوامل المؤثرة عليه – المجتمع، التاريخ، الذات، الحرية. وحين يعثر على المؤلف يكون قد وجد حل اللغز. انتصار للناقد، لا عجب اذاً ان عهد سلطة المؤلف كان ايضا عهد سلطة الناقد.
في الكتابة المتعددة، انت لا تفسر اي شيء، انت تفكك كل شيء: لا توجد ألغاز تبحث لها عن حل، تتابع هيكل البناء. تسحب عناصره كما تسحب خيوط الثوب. في كل موضع، وعلي كل مستوى. انما لا شيء يوجد تحت السطح. تتسكع في فضاء الكتابة، لا تنفذ فيه، الكتابة ترشح المعنى باستمرار، كل ذلك في عملية إقصاء للمعنى.
هكذا يصبح الادب (ومن الافضل ان نقول بعد الآن الكتابة) برفضها اضفاء طابع اللغز على النص واعطائه اي معني نهائي – تصبح حرة. يصبح النص والعالم طليقين من قيود ما يمكن ان يوصف بالطابع اللاهوتي
ان تلك ثورة حقيقية في نهاية الأمر، اذ ان رفض اعطاء النص معنى نهائيا، هو في الواقع رفض للخالق (الله) وآياته، ورفض للعقل والعلم والقانون.)
انتهي كلام الاستاذ رولان بارت ولا يحتاج الانسان الي اعمال الفكر طويلا، كي يدرك انه لغو مملوء بالمغالطات والعجرفة. وهو لم يترك للقارىء اي مجال للحكم. لم يترك شيئا تقيس به او مرجعا تستند اليه ـ لانه رفض كل شيء.
وبرغم ذلك، فانه لم يفلح ان يخفي المغالطة الكبرى في خطابه، اذا كان قد أمات الكاتب والناقد والعقل والعلم والقانون، فاين وضع هو نفسه؟ ومن أين استمد الحق ان يصدر هذه الأحكام (اللاهوتية) كأنها حقائق تنزلت عليه من السماء؟
الأمر كما قال بودلير"كلام مثل هذيان المجانين". انه لا يعدو ان يكون محض لعب بالأفكار والألفاظ، من رجل يتيه بعلمه وهو في ما يتعلق بنا علي اي حال، علم لا فائدة منه ولا خير فيه.


* أصدر العالم السميولوجي الفرنسي، رولان بارت، حكمه بموت المؤلف، في مقالة ظهرت عام 1977.
وفي عام 1980 أعلن ميشيل فوكو حكمه بموت الكاتب علي طريقته. مقالة شهيرة هي الاخرى، عنوانها (ما المؤلف) وسوف يلمس القارىء المماحكة نفسها باسلوب آخر..."

** عن كتاب: مختارات – الطيب صالح - المضيئون كالنجوم: من أعلام العرب والفرنجة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى