بداح السبيعي - الفقر آفة الشعر..

لابن رشيق القيرواني ( تـ 463 هـ) رأي يُخالف الرأي السائد الذي يرى القائلون به: إن مُعاناة الشاعر، لاسيما مع الفقر، عامل يساعد على جودة إنتاجه وتفوقه الشعري، فالفقر بحسب تعبيره هو "آفة الشعر"، ويوضح ابن رشيق رأيه في العلاقة بين الفقر وبين ضعف مستوى القصيدة فيقول: "ذلك لأن الشاعر إذا صنع قصيدة، وهو في غنى وسعةٍ، نقّحها وأنعم النظر فيها على مهل. فإذا كان مع ذلك طمعٌ، قوي انبعاثها من ينبوعها، وجاءت الرغبةُ في نهايتها مُحكمة. وإذا كان فقيراً مُضطراً، رضي بعفو كلامه، وأخذ ما أمكنه من نتيجة خاطره، لم يتسع في بلوغ مراده، ولا بلغ مجهود نيَّته، لِما يحفزه من الحاجة والضرورة، فجاء دون عادته في سائر أشعاره".

ويبدو أن ابن رشيق ككثير من النقاد يستعجل التصريح ببعض الآراء والأحكام النقدية بناء على حالات مُعينة لا يمكن تعميمها، وقد رأينا كيف استمر ربط النقاد بين مسألة تدين الشاعر وبين ضعف مستوى قصيدته لعقود طويلة بناء على رأي الأصمعي الخاص في جانب من جوانب تجربة الشاعر حسان بن ثابت، وكذلك رأينا مساهمتهم الواضحة في نشر أفكار مغلوطة أو غير دقيقة كفكرة ارتباط عملية إبداع الشعر بشياطين الشعر وغيرها من الأفكار التي لا تستند على أي أساس.

ومما يدلل على استعجال ابن رشيق أو عدم اقتناعه التام بمضمون عبارة: "الفقر آفة الشعر" أنه استدرك سريعاً بعد عباراته السابقة فقال عن الشعراء: "ومنهم من تحمي الحاجةُ خاطره، وتبعثُ قريحته، فيجودُ، فإذا أوسِع أنِف، وصعُب عليه عملُ الأبيات اليسيرة فضلاً عن الكثيرة".

تردد ابن رشيق في تحديد طبيعة تأثير الفقر على مستوى القصيدة يؤكد الحقيقة التي لا يُمكن تجاهلها وهي أن موهبة الشاعر هي العامل الأقوى الذي يتحكّم في جودة القصيدة بغض النظر عن كون الشاعر غنياً أو فقيراً، بل إن الفقير المضطر يكون، في معظم الأحيان، أكثر حرصاً على تنقيح قصيدته وتجويدها ليقينه بأنها هي خبزه ومصدر قوته، لكن حرصه لا يمكن أن يجعله يتفوق على غيره ما لم يمتلك الموهبة الجيدة والمهارة التي تمكّنه من إبداع ما يتميز به عن بقية الشعراء.

أخيراً يقول فيصل العطاوي:

أعتذر لو قلت لك كلمة أحبك = كلمة أحبك على مثلك قليل
منتي أجمل شيء فالدنيا وربّك = أنتي دنيا كل ما فيها جميل



جريدة الرياض | الفقر آفة الشعر




مواد ذات صله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى