زياد الحكيم – الحداثة وما بعد الحداثة في القرن العشرين

لم يرفض المثقفون في القرن العشرين الماضي بكل ما فيه من افكار ونظريات فحسب، ولكنهم رفضوا ايضا الاساس الذي تقوم عليه المعرفة الانسانية وتوصلوا الى ان المعرفة والمفاهيم التي كانت تعتبر ثابتة وموضوعية هي في الواقع متغيرة وذاتية على نحو مستمر. وتحدى فلاسفة ومفكرون من امثال فريدريك نيتشه وهنري بيرغسون وكارل ماركس وسيغموند فرويد علوم القرن التاسع عشر ورفضوا اعتبار هذه العلوم قادرة على تفسير العالم المادي والعالم الاجتماعي تفسيرا عقلانيا مقبولا.

وكان للحرب العالمية الاولى اثر شامل في بنية الفكر الانساني مما دفع الاوربيين الى اعادة النظر في مجمل النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية مدفوعين باستياء واسع النطاق من حكوماتهم التي اعتبروا انها تقوم على الجشع والاستغلال الطبقي والتسلط.

واسهم الاهتمام الجديد بعلم النفس وبنظريات سيغموند فرويد في التأكيد على العوالم النفسية للانسان واهمية الذات وازدياد الهوة عمقا بين الانسان والمجتمع الحديث. وادت دراسات جديدة في العلاقة بين المظهر والجوهر الى ظهور فلسفات جديدة كالوجودية مثلا في اعمال مارتن هايداغر وجان بول سارتر. وبعد الحرب العالمية الثانية صعدت الشيوعية وتفككت القوى الاستعمارية وتطورت التقنيات المتقدمة وازدهرت الوجودية في الاربعينيات والخمسينيات واشتد سعي الناس لايجاد معنى في عالم يزداد ارتباكا واضطرابا وتفككا. وانتشر هذا الفكر الجديد في كل الثقافات العالمية وان كان بنسب متفاوتة.

وراح المفكرون والادباء في القرن العشرين يتعاملون مع اللغة بوصفها لعبة، فاكثروا التجريب بها واستعملوها باشكال جديدة كثيرة الغموض بعيدة عن المألوف، متأثرين بنظريات فيرديناند سوسور ولودفيغ ويتغنستاين. وكانت الدادوية والسيريالية من اكثر الحركات الادبية انتشارا في النصف الاول من القرن العشرين. وسعى الدادويون الى الغاء القيود المعهودة وكسر التقاليد الادبية والفنية المتبعة بينما سعى السيرياليون الى التركيز على اللاشعور بالكتابة عن الاحلام والخيال. ومع ان مصطلح الحداثة يشير الى مجمل التيار الادبي في مطلع القرن العشرين الا انه يشير بشكل خاص الى اعمال عدد من الادباء البريطانيين والامريكيين من امثال جيمس جويس وازرا باوند وتي اس اليوت الذين استعملوا اللغة باشكال جديدة لاحداث تأثير جديد على القارئ، وجربوا في الاساليب المختلفة، ورصدوا الافكار من وجهات نظر متعددة، ولفتوا النظر الى طبيعة اللغة ذاتها. اعتقد الحداثيون الاوائل ان الفن هو الطريق الوحيد لاكتشاف معنى في المجتمع الجديد الذي تفككت اوصاله وضل سبيله. وفي منتصف القرن العشرين ظهرت جماعات من الكتاب يطلق عليهم اسم ما بعد الحداثيين من امثال صامويل بيكيت وجون آشبري ووليام بوروز تخلوا عن الامل في العثور على معنى في التجربة الانسانية الحديثة وراحوا يكتبون ادبا يظهر عجز اللغة والادب عن التوصل الى معنى مقبول لهذه التجربة. فامتلأت اعمالهم بالتلميحات والتنافضات والتلاعب باللغة لتظهر للقارئ استحالة التوصل الى استنتاجات ثابتة ومقبولة بشأن العالم والحياة.

وفي نهاية القرن العشرين ومع تزايد الاعتراف بتعدد الهويات الثقافية في ما يتصل بالعرق والجنس والمعتقد ظهرت آثار ادبية تتناول الانسان ومشاكله وشؤونه بتنوع لم يسبق له مثيل. ولفتت هذه الآثار النظر الى سعي الثقافات التي كانت خاضعة لسلطة المستعمر الاوربي الى تطوير نفسها بحيث تتميز عن ثقافة الدول الغربية التي كانت تستعمرها.


zedha[email protected]
لندن - بريطانيا

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
53
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى