مأمون التلب - مقبرةٌ جَمَاعيَّة..

(1)
نجري في حَقلِ الأنغام.
تنفجرُ الألحان ونرضى أن نستلمَ حقيبةَ حُزنِكَ بدلاً عنك،
ونجري:
الوردةُ تَرفعُ قَدَمَاً عن أرضٍ قد تطأُ اللّغم،
والنهرُ يراقبُ مُلتذَّاً هذي الحرب.

كيف لحيوانات تُشرقُ بالأحلامِ وتَرشُقُ قلب الأصنام بماءٍ؛
كيف لها أن تَلتذَّ بنَاءٍ عن كلِّ خطاياه،
وتشتدُّ جمالاً بلذائذ لا تُوجدُ إلا بالذاتِ؟،
غنائمَ قلبٍ نامَ وحامت حولَهُ الأنغام بلا تَرَفٍ
وتجمّعت الأنواء بما نابت عنه خطايا جمَّلها الحزنُ الطيِّب؟.

(2)
ها الألحان هي العليا،
والألغام هيَ الدُنيا:
ألغام الحب، ولمِّ الشمل وجمعُ الأهل برئةٍ كسَّرها الخوف ونالت من أنحاءِ جَنَابَتِهَا أرضٌ لم تعرف عن خالقها اسماً.

(3)
بل كانت من ناءَ بصمتِ جلاله،
وفي الأثناء تماثلت الآلاء لهول جماله،
قالت النارُ :
إن كان من صوتٍ يَخرجُ من صَلَفِ اللهبِ ونالَ حلالَه،
فما من بركانٍ نالَ من القدرِ وضوحاً،
بقدرِ جلاءِ رِضائِه.


(4)
ما الجنّة إن لم يكُن ما نعيشه اليوم؟
ما الأغنيةُ إن لم نكن ما قلناه بالأمس، والغدِ، وقبل ثوانٍ؟
ما السلامُ سوى لمسةِ السلام الهائمة في الأهواءِ لأجل ذاتها تُغنّي؟
ما الأحلامُ سوى انغراس أنيابِ الغد المُستَحقِّ في مقبضِ بابِ المُستقبل الواقعي؟.

(5)
بينما يمتطي أحدنا صوتَهُ
تنبتُ الأشجارُ من تَحتِه،
تحمِلُه،
وتُفرِّع جمالَهُ وتمنحه الحب.

هذا الوعد كان صادقاً منذ الأزل،
ورغم عدم تصديق الأغلبيّة له،
لكنّه،
ها هوَ،
يُؤتَى أُكلَه.

(6)
إذاً، تسيرُ مسيرةُ الأشجار ولا حادَّاً لمقاطعتها؛ تنتبه الظلال لقوِّةِ جمال إظلامها، وتستثيرُ الأزهارُ موادّ أخرى في اللغة: تخرج بها، إلى الأبد، من مملكة الخير. يا لِـ شارل بودلير.
جمالٌ جديدٌ نستنشقُ هواءَه الخانق لممالك الماضي، والتصاميم البديعة للأغلال الخارجةِ إلينا من أعين أزهار الخير.
يا ويل من استدلَّ ونام،
مُستغرقاً،
في غِلالِ الغَير.

(7)
نامت ظلالُ النيل عن أحبابها،
وخَبَت تُخبِّؤهم ونالت من رضا أرجائها.

كالَ الكونُ من دُنيا حنَايَاهَا دماً
وسَقى الشفاهَ
دنيا لا تنم،
صالت وجالت في أرجاء آدَمِهِم،
وأخرَجَتِ المَحبَّةُ بعضَها من بعضِهم؛
صنواً لكلِّ ملازمٍ ليلاً طويلاً أجملِ:
أخرجَ آدمَ من جنةٍ
ورمى به في حضن كلّ جهنَّمِ.

(8)
عليك أن تضرب الأرض، أن تستغرق في الضرب وأنت معفَّرٌ بترابٍ أموميٍّ، أن تحرث التراب بأسنانك الأمامية حتى تُدمى لثتك، أن تحتكَّ بظهرك وبطنك وتتقلَّب مثيراً فضول الباطن الشيطاني، أن تتخوزق بالحشائش وتسمع صريرها في الأمعاء واشتباكات خضرتها بألوانك الداكنة بالداخل؛ عليك أن تعترف بكمون حياتك في الاحتكاك والتضرّع والذلّ لأجل قطرةٍ تدلُّ على بابٍ مغلق.

بصفةٍ أخرى ليست بعيدة عن ما سبق، عليك أن تكون عاشقاً، وباذلاً ثيابك للعدم...
أن تحذفَ قَلبَاً من سطرٍ ميتٍ
وتشارك في تنظيف بقاياه مع أخوتك الذاهلين
تقويم خلايا القبر لتسع ابتسامةَ نبضه
وتشويك الشاهدة لتمويه نظرات الحداد.

(9)
كنتُ أقف على رياحٍ، ليست على بالِ قلقٍ، أحرقُ كفَّاً بكفٍّ وأثورُ على ورعِ المنطقة الجَّافة المسماة مقبرة؛ مقبرةٌ جماعية لسربٍ من العشاق الذي نُحتوا، أو غاصت بهم أشواقهم في التراب.
والغربان الصديقة تشيِّدُ شجرةً واحدةً لضيافة الأحلام الهاربة من ليالي معشوقيهم. كان في قائمة المعشوقين: حركة النار المُخَمَّنة، ورتابة الأوساخ في مكانس المساجين وهم ينظِّفون الشوارع صباحاً، تهويمُ القاني من قبلةِ القهوة للشفاه، المكسور من لهجةِ السباق الناخر عظام المدن، الباخع معادن الأسلحة وهي تُصانُ في رحلةِ تطوّراتها الداروينيَّة بيدِ المُلكِ وأشجار العوائل الذابلة؟.

(10)
كنتُ أقفُ في رياحٍ
أصبُّ قوالب بركانيةً لأحزان المودِّعين في المقابر،
أصطادها بعد ذهابهم بلصوصيَّةٍ أُحسد عليها
وأهاجم أعينهم مُقتَلِعاً لمعات الدمع الخافتة؛
وأضفُرُها
يراقبني الصقر لوحدهِ؛
أنام عنه وأصحو في جشعي،
ينام عني ويصحو في فَلَكِهِ الساخر؛
كلانا نجمان في فضاءٍ سيِّدٍ،
يخنقه الفراغ.



ــــــــــــــ
بدأت في 2007م، مقاطعها النهائية، واكتملت في 13 أكتوبر 2017م.

هذا النص

ملف
مأمون التلب
المشاهدات
86
آخر تحديث

نصوص في : شعر

أعلى