هلا الشروف - عن العودة إلى البيت..

إلى روح "مهند يونس"


صباح رام الله البهيّ ومساؤها هذا يجعلان مهمتي صعبة. فكيف تكون الحياة سائلة ومفرحة إلى هذا الحد وأستطيع الحديث عن الموت؟ كيف يمكن لضآلتي أن تمسك شعاعاً هارباً وتشرحه؟ وكيف يمكن لمن لم تَرَ أن تدَّعي المعرفة، وأن تستجوب الذاهب الذي رأى، وتحمله إلى نزول الدرجات القديمة بعد أن صار لا نهائياً ومن لا شيء؟ وكيف يمكن أن أصير أنا لا شيء آخر حتى لا أخطئ اليوم أمامكم باسمه؟ وكيف أقول ما أريد أن أقول دون أن أسجد للسماء مرات في السر ومرة في العلن، وأنا أشير إليها وأنادي: "يا إلهي الرحيم، الأمان الأمان".

واحترتُ كثيراً: هل أنت مخاطبٌ فأراك وأسميك؟ أم غائبٌ فأنساك وأقصيك؟ وطالما أنني الواقفة هنا، سأختار لك شيئاً ثالثاً: أن أكونكَ، وأن أترك لك يدي ولساني وقامتي ومساحتي الداخلية، وأن تهبط فيَّ كما تهبط السكينة في المتأملين المتصلين المتخففين، وأن تأخذني مني وتسحبني إليك، فتصير الأنا الوحيدة الحاضرة اليوم هي أناك، ولك الآن المسرح والحاضرون والدقائق القادمة.

- لكنني غادرتُ كي لا أقول شيئاً. ليس لدي حكمةٌ لأمنحها، ولا درجٌ لأصعده، ولا هاجسٌ لأخبره، ولا قلقٌ لأتركه معلقاً على الحائط، ولا حائطَ حولي. أنا الفتى الذي اختار أن يتوقف عن الاختيار، ليس فيَّ توقٌ إلى أي شيء، فأنا الآن في البيت.

- ولكنه يومك الآن، ونحن سنتبعُ سهمكَ إلى حيث يشيرُ، سنتبعُ صوتكَ في الغيم، ونريد أن نفهم، وأن نمسكَ الحقيقة.

- لستُ قائلاً، ولستُ فاعلاً بعد اليوم، أنا غبطةٌ خالصة، وشكل الذي لا يدرك إلا بالفناء.
- ولكنكَ قلتَ الكثير في الأسى والحزن، وتركتَ لنا الباب مفتوحاً على الحيرة، وكنتَ قد أجّلتَ أمنياتكَ كلها، وكنتَ واقفاً مثل عمود إنارةٍ معطّل في شارع بنهاية ميتة، وكنتَ تصرخُ كثيراً بلا طائلٍ، وكنتَ تبحث.

- أنتِ لم تفهمي شيئاً! تنمو الروح بسرعة الضوء وتفيض كل يوم كالبحيرة حيث يصب النهر، أما اللغة فإنها بنت الحياة، وتحتاج إلى الوقت كي تدرك الضوء الذي لا يُدرَك، روحي كانت أسرع من لغتي، لغتي كانت أبطأ من روحي، ولم أستطع الإمساك بالمعنى لأنه زئبقي ويعاود التشكل، ولم تكن فتوّتي لتسعفني في اقتناص الكلام الأصح، فتركت إشارات هنا وهناك.

- لقد تخلَّيتَ عن الكثير، أو هكذا كنتُ أظن. أما وأنني قد قرأتكَ جيداً، وأمسكتُ عنك المعنى الذي توارى وراء الكلام، فإنني أفهمكَ الآن، وأعرف أنك بدأتَ مهمتك كما يجب، بلا أي معركة، ولا أي صوتٍ يدل عليك، وتركتَ لنا حقَّ تأويلك.

كان لا بد أن تغادر، معركتك هي ألا تقاتل شيئاً ولا أحداً، وأن تتخلى عن المُدرَك في سبيل ما لا يُدرَك، وأن تمر على الأرض مروراً خفيفاً، وتترك موتك صاعقة لمن ينتبه.

أعرف الآن جيداً أنك أثرٌ بلا أثر، وأنك تركت لنا، نحن هنا، أن نسمّيك ونفصّلك ونقيسكَ كما نشاء.

على أحدنا أن يحمل أعباء هذه الحياة، والأكثر هشاشة هم الذين يرزحون تحت عبء أثقل من عبء الظاهر المرئي، عبء الحمولة التي يمكن أن تُتركَ في الطريق، أو يُتخلى عنها، أو تباع مقابل شيء أقل ثقلاً.

الأكثر هشاشة هم الذين يدركون الأشياء بما وراءها، ويحدث لهم أن يكشفوا ما لا يُحتمل، وأن يبحثوا عما لا يُعثر عليه هنا في الأرض، وأن يقطعوا مسافات هائلة بلا طرق، وأن يكونوا أكثر بؤساً من غيرهم، ليس لأنهم ساعون وراء الأسى، وإنما لأن في المعرفة مشقة تجعل المتلقي راغباً في الخلاص الحر والطيران إلى ما هو أسمى، وما لا يُسمَّى.

وإذا كان لا بد من قولة هنا، فهي أنك منهم، من أولئك الذين اختارتهم السماء ليحملوا عبء الأرواح القديمة، ولتقطع المسافة نحو المعرفة بسرعة ضوئية لم يحتملها بدنك الفتي، وأدركتَ أن هذا الجسد الثوب ضعيف أمام الضوء الهائل الذي ناداك مراراً، وأن الحياة ما هي إلا مشاهد متكررة لفيلم يعرض منذ الأزل، وأن الجواب ليس هنا، إنما في العبور إلى ضفة أخرى لا تحمل إليها سوى أصلك القديم وصفاتك التي مُنحتها منذ الروح الأولى واسمك الأول.

من مكاني الضيق على هذه الأرض، رأيتكَ في مكانك الضيق على هذه الأرض. كنتَ منسياً تماماً، ومتروكاً على الشاطئ مثل حيتانك التي اختارت الانتحار.

إنما كنتَ تواقاً إلى ما لستَ تدري، وكنتَ تحاول الفرار الذي التصق فيك كرغبة أصيلة، واتساعكَ لم يكن ليقارن باتساع البحر أمامك، ولم يكن بزرقته، كان أقرب للبياض، بعيداً عن الأرضي وغارقاً في السماوي الذي لا يُشرح.

ومن هناك، من على الشاطئ، قلت كلاماً كثيراً عن الصدأ الذي يأكل الحياة، وعن حق الكائنات في اختيار موتها، وعن الرغبة في الخروج من البلد إلى زمان آخر ومكان آخر، في لحظة كنت تعالج فيها شؤون الروح، وعن الثلاثيني الذي لم تتصور أن تصيره، وعن المصير المجهول، والهوس بالذهاب إلى غير رجعة، والذكريات التي تخرج من قبوها، وعن الخسائر والتمزق، والتخلي والعجز، ولكنني لم أرَ كل هذا، إنما رأيتُ نقائض الكلمات في بحثك المضي عن المعنى، المعنى الذي يعرّف نفسه بالضد، لأنه عصيٌّ على الإمساك به.

ومن مكاني الضيق على هذه الأرض، أراك الآن في مكانك الواسع البهيج. لقد تركت لنا أن نتحدث عنك، عن مزاياك وخفتك وترفعك حتى عن أن تعرف بنفسك وتقول: مرحباً، أنا الكاتب مهند يونس، أنا القاص الشاب مهند يونس، أنا الفتى من غزة المتعبة، في إشارة إلى الشقاء الأزلي الذي يدفع الآخرين إلى مواجهة تخاذلهم.

تركتَ كل المفردات التي تصف الأنا، وتنازلت عن الذات لأجل التماهي مع الأعلى، اخترت الفناء في حفنة ضوء مقابل كل ما سنمنحك إياه من وهم العظمة، ووهم الظهور، ووهم التحقق، واخترت أن تكون الكتابة ردة فعل مسبق على الفعل، وألا تكون بذاتها فعلاً سامياً لأنها ليست كذلك، أنت الآن المجرّب، والفاعل، وصاحب الفعل، أنت الآن تفعل ما قلتَ إنك ستفعله عندما قلتَ: عليك فقط أن تدع نفسك تفلت منك، اتركها تنساب تخلَّ عن جثتك، وحلّق.
الذين يموتون يُنسَون في أغلب الأحيان.

أقول لك هذا في حفل إطلاق كتابك الثاني وأنا أصرُّ على ذلك: الذين يموتون يُنسون في أغلب الأحيان. وأنا لم أعرفكَ قبل اليوم حتى أنادي عليك غداً في منامي، ولم أذهب إلى غزة لأحسَّ ما أحسست به من الاختناق، ولم تربِّني الوحدة كما ربَّتكَ كي أفهم إلحاحك في الانفصال عن الحياة، ولم أُجبَل من الحزن مثلك كي أكتبَ عنه مثلما فعلتَ، ولم يتخلَّ عني أحد كي يصير للتخلّي طعم الحقيقة الوحيد، ولم أركَ في السينما، مثلاً، أو في حفل موسيقي، أو تتمشى في شارع تحت سماء تشرين في خريف ما، أو هائماً أو نائماً، ولم أسمع صوتكَ مرة واحدة كي أستعيده أو أنساه، كأنك لم تكن موجوداً أبداً، وكأنك لم تولد ولم تُسمَّ ولم تختر ذهاباً زاهداً مثل هذا، كأنك الفراغ الذي خلَّفه غيابك منذ الأزل، وكأنني لستُ هنا الآن، ومع هذا طُعِنتُ بك.

من منا لم تلوّثه الحياة؟ لا أحد. لكننا نكذب كثيراً في ادّعاء أننا لسنا كذلك، ونكذب أكثر في ادّعاء أننا نفني أنفسنا من أجل خير البشرية، وأننا نكتب من أجل خير البشرية، وأننا نمنح خُلاصات تجاربنا من أجل خير البشرية، دون أن ننتبه إلى كم تأخذنا الحياة بعيداً عن جوهرها باتجاه كبريائنا الفردي، فنعرّف أنفسنا بما نقول، وليس ما نفعل، ونمنُّ على الآخرين بأن ما نقوله يكفي لإنقاذهم ومساعدتهم في تصنيع حياة خالية من البؤس والأسى والزيف، وكيف أننا نقدّم إجابات شافية تكفي ليغلقوا باب الكآبة والضياع والعدم، ويستعيدوا إيمانهم بأنفسهم ككائنات خلاقة ومساهمة في تكوين المعنى، وننسى أننا في فهمنا لذواتنا نصبح مُقدِّسين لها وعابدين لما نظنُّ أنه أثرها، تاركين الفعل الحقيقي خلف ادعاء واهم بأننا نخبويون ومُختارون.

وأنا هنا لا أقلل، إطلاقاً، من شأن الكتابة وفعلها، وإنما أقلل من اختزال الفعل فيها، ولا أقول إن الفعل الثقافي عاجزٌ عن إحداث فرق في الحياة، وإنما أقول إنه لا يكفي كي يصنع الحياة، وأعرف جيداً أن هناك الكثيرين ممن يحتاجون إلى ما هو أكثر من القول، هناك من يحملهم نقص الحب إلى فعل الموت، حتى لا تعود الكتابة كلها مجدية، ولو كانت كذلك لكنتَ أنت الآن بيننا تحدثنا عن جدواها وعن إنقاذها لك، وأعرف أن هناك الكثير مما يمكن فعله على هامش الكتابة العريض، لا أعرف وصفه ولا كنهه، ولكنني أومن أنه كفيلٌ بأن يقلب مفهومنا عن الدخول في الذات للبقاء فيها، وكفيلٌ بأن يجعلنا نكفُّ عن الانشغال بأنفسنا قليلاً لصالح الفعل الجمعي لا الفردي، والتخطيط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أما وأنت متخفف من الأسئلة والإجابات والاحتمالات والشكوى، سأنساك الآن وأنا أعرف أنك غارق في الخير حيث أنت. سلام عليك.

-----
* ألقيت هذه الكلمة خلال حفل إطلاق المجموعة القصصية "الآثار ترسم خلفها أقداماً" للكاتب الراحل مهند يونس، الذي نظمه برنامج الثقافة والفنون في مؤسسة عبد المحسن القطان ومتحف محمود درويش في مقر الأخير مساء الاثنين 8/10/2018.

**شاعرة من فلسطين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى