مقتطف حسن إمامي - أم الغيث.. ( جزء من رواية جديدة)

" قد تسكن أرواح الشخصيات كل كاتبٍ أو متلقٍّ، لكنها جميعها تشكّل هذا الإنسان !
(حسن إمامي)


فتحت عينيها مع همس صوت آت من بعيد. في حنين أمومة نادت عليها داخل حلْمٍ اشتاقت لأنسه لها في وحدتها الجديدة. افتقدت ذلك الحضن وتلك الرائحة. كلما تباعد الزمن الفاصل بين ذلك العناق المشيمي وهذه اللحظة الجارحة، امتدت آلام سحيقة ترمي بها إلى قاع بئر شكلته لها صور أفلام الرعب بأفاعيه وهياكله العظمية وظلمته الحالكة.

لكن هذا الصوت الجديد لحْظيا، لم يكن مبحوحا ولا مجروحا ولا مليئا بشظايا الحرمان من اشتياق. كان صوتا مطمئنا بلحظة سعادة وأشعة شمس دافئة وهدايا صباح تفتح عُلبَها كلما فكّرت وتمنّت الحصول عليها قبل إسدال رموش عينيها ليلا.

غيتة. يناديها زوجها المولع بالاسم: أم الغيث. اسم فرح وأمل وإنقاذ. اسم رحمة نازلة من السماء. هي المطر الغزير الذي يجلب الخير. هي النصر والإعانة. هو فرحها كذلك باسمها الشخصي. كلّما ضاقت بها أحوال الدنيا والنفس، نادت في دواخلها باسمها حيث لا تسمعها سوى خلاياها وشجرة أنفاسها. حيث كون الذهن يردد معها متراقصا هذه الحروف في نطقها الصحيح: غيث وليس غيتة.

لا يهمها ما سجله دفتر الحالة المدنية. المهم هو هذا الافتخار وهذه النشوة وهذا التسّلح بأجمل أسماء العالم: غيث، Guita ، Rita، وأشكال النداء تردد عبر تضاريس جغرافيا العالم في الوهاد والسفوح والوديان كما في القمم والرياح العابرة بالسحاب. يكفي أن الناس تدعو في بلدها بالغيث فتقول: أغثنا، أغثنا يا لطيف… يكفيها فخرا أن اللغة اللاتينية تجعله طهارة في المعنى، وأن الشعب الفرنسي يحتفل بهذا الاسم يوم 22 ماي، أنه ـ وهذا هو الأجمل ـ في العشق البوذي: هو الطاقة التي تحافظ على توازن النظام في الكون. ويكفيها احتفالا في رقصة البحر الأبيض المتوسط انتشار اسمها عبر ربوع بلدانه أو جلها.

تتسلل من سريرها تاركة أثر غيثها عطرا ساحرا يذهب بضحيته في غيبوبة مرجوة للثمالة والعشق والوله. انتهت معركة الأمس. كانت صاخبة بمقدماتها وطقوسها المعتادة. ختمت مشاهدها بقبلة السحابة النازلة من السماء بعد عاصفة متعة فوق عنق زوجها معلنة بذلك الانتصار المتبادل وذروة الفرح المنهك للأنفاس في لهث.

لم تكن لتُقَصّر في حبه ومبادلته المشاعر الفياضة والدالة على طهارة فرحها بحضوره ومعاشرته… هي الآتية من جبال الأطلس المتوسط، أرض فواكه الجنة وحورياتها. أرض الطهارة والسعادة والسلام. هكذا غنى أجدادها وآباؤها، أمهاتها وجداتها. هكذا راقصت الصغير والكبير، والذكر والأنثى، في” أحيدوس”•، وفي تعلمها الأول والمستمر الذي لا ينتهي مع رقصة الفرح والتحليق.

غيتة. أستاذة مادة الاجتماعيات الآن. تدرس التاريخ والجغرافيا، ومن خلالهما ترسم خارطة الحياة المنسية والمقصية لثقافتها وأمتها. تعشق مادة تدريسها لدرجة جنونية. تجد فيها تعويضا عن عبث السياسة وممارساتها. تحاول تنزيل الحقائق بدون زيادة ولا نقصان. تجعل من أقواس الاستفهام دعوة لرحلة وسفر جميلين، بصفاء نية طفلة صغيرة، تعلم أن العلم سينتصر لقلبها العاشق للبراءة والعدالة والكرامة.

هذه الكلمة الأخيرة لم تفقد فيها أملاً، كما لم تنوِ في معالجتها إقصاء. أنا أمازيغية، أطلسية، شلحة. هكذا تجعل صوتها مبحوحا ومتغنجا في نطقها. ويبدو أن عالم صوتها يختزن أسرار شعورها وحقيقة عواطفها. من يستطيع ملامسة وتره والعزف على إنشاده، يستطيع أن يؤدي أغنية الحياة بوقع نبضات قلبها ومحرك أنفاسها وصدرها.

غيتة، الطبيعة المشتعلة بهاء بخضرتها وعيون مائها الجارية، وأمطارها وزخاتها اليومية التي تجدد سقاية الجداول وملء الفرشات وغسل أوراق الشجر من بلوط وأرز وصنوبر… غيتة التي يصبح بغيثها الكون ثريا للاحتفال بعد جولة مناخية ماطرة.

هكذا تشكّل وعيها ومزج بين الثقافة والطبيعة والتعلم. أرادت أن تكون سفيرة لهذه المكونات الثلاثة في رحلة زواجها بعبدالسلام، أستاذ مادة الطبيعيات بالسلك الأول إعدادي.

حسن إمامي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى