سعد الأريل - فِي انْتٍظَار لَيْلَة القَدْر.. قصة قصيرة

كان فيما يتناقل من حديث حول مدينة ( بنغازي ) في شهر رمضان أن هناك ليلة قدسية تدعى ( ليلة القدر ) هذه الليلة ليلة وعد لمن يعد العدة لاستقبالها في هزيع الليل لتهبط عليه الملائكة و تهب له العطايا المرجوة من كل منتظر.. و ليس أمام الطالب إلا سرد الأذكار المتعلقة بالدعاء حتى يستجيب القدر له بمنحه ما يطلب فليس أمام الطالب سوى الجلوس القرفصاء طوال تلك الليلة فى أنتظار الوعد المأمول .. واكب ( أحمد ) تلك الليلة المرجوة و ظل ( أحمد ) منغمسا فى انتظار ذلك الوعد طوال تلك الليلة لعل أن تهبط عليه الملائكة و تغمره بالعطايا .. وهذه الخرافة تذكرنا بالحكاية المسيحية ( بابا نويل ) الحامل للهدايا في ليلة عيد الميلاد .. لم يكن ( أحمد ) الوحيد من بين سكان المدينة الذي تتراءى له تلك الأسطورة التي تجذرت في عقول الناس منذ زمن ليس بالقريب .. فليس هناك سبيل إلا السهر طوال تلك الليلة للوصول إلى تلك الغاية سوى الجلوس القرفصاء و أنتظار الوعد المأمول .. لعل أن تتنزل الملائكة و تغمره بالعطايا و المنايا التى عجز عن تحقيقها فى حياته .. كانت المدينة تعيش فى ظلال الخرافة و الأسطورة .. فالعجز دائما يولد الخيال .. فكانت المدينة تنسج لنفسها ثوب الرجاء الذى أنقطع في عيشتها .. فكانت تفتش في بطون الزمن عن مخرج لإنقاذها من الوضعية المتأزمة من جراء الفاقة و قلة السعي في الرزق التي تقبعها فيها .. فهي تتطلع فيما وراء الوجود على أحد ينقذها و يأخذ بيدها .. و ينتشلها من الفقر و العوز اللذان أسدلا على بيوتها ظلمة حالكة دفعها إلى التفتيش عن شيء يغذي عجزها .. كان ( أحمد ) من أولئك الناس الذين يتطلعون فيما وراء وجودهم عن شيء يرضي مخيلتهم .. و من عجزهم الظاهر .. كانت الأسطورة تلون حياتنا الشخصية و كانت هي المفتاح لكل شيء يبتغيه الإنسان فهي ركيزة الحركة للإنسان البنغازى .. ومن بين الأساطير كان المال هو محور الرحى حول هذه الأساطير التي سادت زمنا في المدينة و الهابط من اللامعلوم .. ومن بين هذه الخرافات اللاجئة للحصول على الثروة هي ما يروى عن أن شيوخا من المغرب الأقصى تأتي إلى المدينة ساعية للحصول على كنز و كانت الفكرة الرائجة حول هدف هؤلاء اقتناص الأطفال الذين يحملون خواتم الكنز في أكفهم و القادر على فتح الكنوز المطمورة في باطن الأرض و كانوا يجرون الأطفال إلى موقع الكنز و يقومون بذبحهم لفتح باب الكنز مع ذكر بعض التماتم القادرين على حملها .. كانت أمهاتنا تحذرنا منهم كثيرا من هؤلاء القادمين فلربما يقومون بخطفنا .. هذه الخرافة اصطحبت أولئك المغاربة القادمين إلى المدينة .. كان فى ذيك الوقت الحدود مفتوحة أمام سكان المغرب العربي و لهم حرية الانتقال و التنقل داخل هذه البلدان لا وجود للبوابة تفصل دول المغرب العربي بعضها عن بعض .. كانت الأشباح و العفاريت تسكن شوارع المدينة و التي تسوح ليلا بين الأرجاء.. كان الليل للأشباح و النهار للإنسان .. كان ( أحمد ) من بين الناس التي ترسخت في أذهانهم فكرة فيما وراء الطبيعة .. و أعد العدة لذلك اللقاء المرتقب مع الملائكة الهابطة من السماء الوافية بالوعود .. ظل ( احمد ) طوال الليل لا تغفى له عين عن مراقبة الوعد الهابط من السماء .. و كان في كل لحظة يصارع النوم طوال الليل و يلتفت يمنة و يسارا.. وظل على تلك الحال حتى انفلق الليل عن الصباح دون شيء يذكر .. فلم تهبط الملائكة محملة بالهدايا المطلوبة حتى انفلق الليل عن الأصباح.. ساد ( احمد ) شعور باليأس و قد أثقل الليل جسده من كثرة السهاد .. و غمر ضوء الشمس النهار .. شعر أنه لا يرى فيما وراء الشمس .. و قد كشفت الشمس عن حقيقة الوجود : لا شىء فيما وراء الإنسان إلا نفسه .. و قد نهض ( احمد ) راجعا و لم يعد يكرر التجربة ثانية ..




أعلى