أ. د. حامد طاهر - نوادر جحا.. ( تراث شعبى ونقد اجتماعى)

تندرج (نوادر جحا) فى إطار ما يسمى بـ (التراث الشعبى) الذى يقف إلى جانب (التراث الرسمى) والفارق بينهما من وجوه :

الأول : أن التراث الرسمى هو تراث مدون ، أى مكتوب فى شكل مؤلفات ورسائل ، كانت فى بدايتها مخطوطة باليد ، ثم تحولت مع ظهور المطبعة إلى كتب مطبوعة ، بينما بدأ التراث الشعبى واستمر وما زال معظمه شفهيا ، تتناقله الأفراد والجماعات عن طريق الإخبار والتلقين.

والوجه الثانى : أن التراث الرسمى هو تراث موثق ، بمعنى أن كل عمل فيه منسوب إلى مؤلف معين ، فى حين أن التراث الشعبى لا يحظى بهذا التوثيق ولا التعيين ، نظرًا لأن التركيز ينصب فيه على محتواه وشكله دون التوقف على مَنْ أنتجه أو أبدعه . والوجه الثالث : أن التراث الرسمى تقل فيه جرعة النقد والهجاء ، بينما تزيد هذه الجرعة كثيرًا فى التراث الشعبى . والسبب هنا يرجع إلى أن التراث الرسمى المدوّن إنما يتم فى أغلب الأحيان إنتاجه وتشجيعه واستمراره بموافقة أو بمباركة السلطات القائمة ، بينما لا يحظى التراث الشعبى بمثل هذه المباركة ، لذلك فإنه ينطلق حرًا بدون عوائق ، منتقدًا ما يراه موضعًا للنقد ، وساخرًا مما يجده محل سخرية . ولعل هذا يوضح لنا السر فى حجب أسماء الذين أنتجوه أو ابدعوه ، حتى لا يتعرضوا هم ، ومن بعدهم أبناؤهم ، إلى التذكيل ، أو تضييق الخناق عليهم.

ومن أهم مشكلات التراث الشعبى أن الباحثين فى العصور القديمة لم يعطوه نفس الأهمية التى أعطوها للتراث الرسمى ، ولذلك ضاع أكثره ، ولم يتبق منه إلا القليل ، حتى استطاع علماء الاجتماع ، ومن بعدهم علماء الانثروبولوجيا فى العصر الحديث الكشف عن عناصر هذا التراث والعناية بها، ثم استخراج الكثير من المعلومات الهامة التى تلقى مزيدًا من الضوء على المجتمعات التى ظهرت فيها ، وأخيرًا بدأت عمليات التسجيل الكتابى والصوتى والبصرى لما تبقى من هذا التراث لدى القبائل البعيدة عن المدنية ، وكذلك داخل المجتمعات المعاصرة التى تكمن فيها رواسب هذا التراث .

إن التراث الشعبى يمثل – فى رأيى – الوجه الآخر الذى يكتمل به التراث الرسمى. وبهما معا ، وليس بواحد منهما فقط ، يمكننا استخلاص الصورة الأقرب إلى الحقيقة عن واقع المجتمعات السابقة علينا ، وكذلك الموجودة بيننا فى الوقت الراهن. وكما يحتوى التراث الرسمى على عناصر ومعلومات غاية فى الأهمية فإن التراث الشعبى لا يقل عنه فيما يحتوى عليه هو الآخر من عناصر ومعلومات . وإذا كان التراث الرسمى هو السجل الموثق لحياة الطبقات العليا من المجتمع ، وما كان يدور فيها من تحالفات ومؤامرات وسعى محموم لامتلاك الثروة ، والاستيلاء على مقاليد السلطة ، وما يتبع ذلك من تحركات الجيوش وانتصاراتها المبهرة ، وكذلك هزائمها المخزية ، فإن التراث الشعبى هو السجل الكبير الذى يصور حياة الطبقات الدنيا فى المجتمع، والتى كانت تكافح يومًا بيوم للحصول على لقمة العيش الذى يسد رمقها ، وعلى الثوب الذى يستر أجسادها ، وعلى البيت الذى يأوى أبناءها . لذلك عندما نصف عهد حاكم ما بالازدهار ، فعلينا أن نراجع التراث الشعبى الذى يصور هذا العهد لكى يكون حكمنا عليه شاملاً وموضوعيا .

وأكاد أذهب إلى أنه كلما اتسعت الهوة بين التراث الرسمى والتراث الشعبى من حيث الأحوال والأحكام ، والتصورات والرؤى ، انفتح أمامنا باب الشك فيما يضفيه التراث الرسمى على رموزه من صفات التمجيد والتفخيم ، وما يخلعه عليهم من مفاخر المدح والتكريم . لكفنا لا تذهب إلى ما ذهب إليه بعض الدارسين للتراث الشعبى ، والمتعصبين له إلى حد القول بضرورة إخضاع التراث الرسمى لمعطيات التراث الشعبى ، باعتبار أنها المعبر الحقيقى عن المجتمع ، بل على العكس تماما ، نحن نذهب إلى أن الإثنين يعتبران وجهيْن لعملة واحدة ، وأن كلا منهما يكمل فجوات الجانب الآخر ، وبهما معا تكتمل دائرة ، ظلت لفترات طويلة غير متصلة الطرفين .

ويخطئ مَنْ يظن أن التراث الشعبى – باعتباره سجل الطبقات الفقيرة والمطحونة والمهمشة – خال من النقد والسخرية وإثارة الضحك ، لأنه فى الواقع يحتوى على الكثير منها ، بل إنها تتميز فيه بمقدار أكبر من الحرية ، لكنها الحرية التى تخلو من ذكر أسماء أصحابها . وهذا أمر طبيعى . فالذين كانوا يوجهون النقد أو يستخدمون السخرية لم يكن من السهل عليهم أن يعلنوا عن أنفسهم خوفًا من التنكيل والتضييق ، ولذلك كانوا ــــــــــ كما يفعل منتجو النكتة فى عصرنا الحاضر – يطلقونها ثم يختفون . ومن المؤكد أن أصدقاءهم وجيرانهم كانوا يعرفونهم جيدا ، لكنهم كانوا أيضا يحافظون على أرواحهم .. التى لم يكونوا يملكون سواها !

وهذا ما ينطبق ببساطة على نوادر جحا ، وعلى شخصيته العجيبة ، التى وجدت فى التراث الشعبى لدى كل من : العرب ، والأتراك ، والإيرانيين، والاكراد ، والبلغار ، والأرمن ، واليوغسلاف ، والمالطيين ، والإيطاليين .. كما أنها عبرت مختلف العصور ، حتى نسبها بعض المؤرخين العرب إلى أحد التابعين ، أى فى القرن الهجرى الأول ، واستمرت فى النزول خلال عهد الأمويين ، ثم العباسيين ، ثم العثمانيين ، والمغول ، والمصريين .

وعلى الرغم من محاولات بعض الباحثين المحدثين تحديد شخصية جحا، فإن المرحوم عباس العقاد يقول فى كتابه (جحا الضاحك المضحك) : "شىء واحد ثابت كل الثبوت فى أمر جحا. ذلك الشىء الثابت – قطعا – أنه لم يكن جحا واحدا ، ولا يمكن أن يكونه لأن النوادر التى تنسب إلى جحا لا تصدر من شخص واحد".

والواقع أننى أميل إلى هذا الرأى القاطع الذى ذهب إليه العقاد . وأدلتى على ذلك هى ما يلى : أولاً : أن النوادر المنسوبة إلى جحا تتنوع وتتلون وتتفاوت حسب البلاد التى ينتسب إليها ، والعصور المختلفة التى يعيش فيها . ثانيا : أن نوادر جحا تجعله أحيانا بالغ الغفلة والحمق ، وفى أحيان أخرى بالغ الذكاء والمكر. ثالثا : أن بعض نوادره تسخر من حكام وأمراء كانوا مشهورين بالاستبداد والقسوة ، مثل أبى مسلم الخراسانى ، وتيمورلنك ، ولا يمكن تصور أن يسمح أمثال هؤلاء لواحد مثل جحا أن يتهكم عليهم أو يتلاعب بهم. لذلك فإننى أذهب إلى أن الوجدان الشعبى هو الذى كان يبتدع هذه النادر ، ثم يلصقها بشخص جحا ، الذى لم يكن هو الآخر سوى اختراع نابع من قلب هذا الوجدان.

هذا وأن تحليلا موضوعيًا ومتأنيا لنوادر جحا يكشف عما يحتوى عليه من اتجاهات جادة فى مجالات النقد السياسى والاجتماعى والثقافى ، كما تعبر عن رفض شعبى عميق لكثير من السلوكيات والممارسات الخاطئة التى كان يقع فيها رموز الدولة والمجتمع ، بل إن رجال الدين أنفسهم لم يسلموا من هذا النقد .

وبالنسبة إلى تصنيف نوادر جحا ، فسوف أكتفى هنا بالإشارة إلى محاولة الأستاذ العقاد ، الذى جمع (ستين نادرة) صنفها فى ثلاث قوائم على النحو التالى:

- نوادر الذكاء والحكمة .

- نوادر الحماقة والبلاهة .

- نوادر التحامق والتباله .

لكن هذا التصنيف – كما هو واضح – يتعلق بمستوى ذكاء أو حمق النوادر. أما التصنيف الذى افضله فهو التصنيف الموضوعى ، الذى يتعلق بمجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية . وهى المجالات التى كان نقاد التراث الشعبى يصولون فيها ويجولون ، دون أن يتقيدوا بفرمانات السلطة الصارمة ، ولا بأعراف المجتمع القائمة ، وكانوا ينتجون ويبثون أفكارهم فى أشكال متنوعة ومتعددة ، بعضها يتركز فى (الأمثال الشعبية) وبعضها يسرى فى ثنايا قصص وروايات تتخللها أغان ومواويل ، كملاحم أبى زيد الهلالى ، وسيف بن ذى يزيد ، وبعضها الثالث ينطلق فى نوادر مضحكة تهدهد معاناة الشعب الكادح وان كانت لاذعة لمن تتناولهم بالنقد والتجريح كما هو الحال فى (نوادر جحا) .

أما مسألة تدوين (نوادر جحا) فإنها لم تحدث إلا بعد ظهور المطبعة فى العصر الحديث. ومن الواضح أنها لم تمر بمرحلة المخطوطات اليدوية ، وإنما انتقلت مباشرة من الشفهية إلى المطبعة ، ولذلك تفاوتت أعدادها ، واختلفت صياغتها ، وراح أصحاب المطابع ينشرون منها ما يرونه مستجيبا لذوق القراء. وأذكر وأنا صغير أننى كنت أراها مطروحة بجوار مسجدىْ الحسين والسيدة زينب بالقاهرة بجوار المسابح ، والبخور ، وزجاجات العطر الشعبية . وبالطبع لم يقم أحد من الباحثين حتى الأن بعمل (تحقيق علمى) لجمع وتوثيق تلك النوادر ، وإن جرت دراستها أحيانا على أساس النسخ المطبوعة غير المحققة!

وعندما اتجهت لدراسة أحد جوانب نوادر جحا ، قمت بجمع أكبر عدد من تلك المجاميع ، التى نشر بعضها فى القاهرة ، وبعضها فى بيروت ، وبعض الناشرين يطلق عليها : (نوادر جحا) والبعض الآخر : (نوادر جحا الكبرى) والمجاميع التى اعتمدت عليها فى هذه الدراسة هى :

- نوادر جحا – اعداد خليل تادرس (160 نادرة) .

- نوادر جحا – اعداد أحمد رمضان (147 نادرة) .

- نوادر جحا الكبرى – دار الكتب العلمية ، بيروت (260نادرة) .

- نوادر جحا الكبرى – جمع حكمت الطرابلسى (420 نادرة) .

- الضاحك المضحك للعقاد (60 نادره) .

وهذا بالطبع بالإضافة إلى ما عثرت عليه متناثرا فى كتب التراث العربى ولا يوجد فى أحد تلك المجاميع .

إن نوادر جحا تدخل تحت ما يسمى فى الأدب العالمى ال ـIronie أى السخرية الهادفة ، أو الإيجابية ، فكل منها يدور حول سلبية تكشف عن عيب أخلاقى فى تصرفات الناس ، أو عقدة نفسية يحاول البعض إخفاءها عمن حوله، لكنها ما لبث أن تظهر فى حركة لاإرادية ، أو كلمة تجرى على لسانه دون قصد كما أنها قد تتبدى فى موقف درامى متكامل الأركان .

وكما تكون السخرية الأدبية Ironie موجهة نحو الأشياء والحيوانات ، والبشر ، فإنها قد يتم توجيهها نحو صاحبها نفسه . وهذا ما نجده بكثرة فى نوادر جحا ، الذى قد يبدو أمامنا : غافلا أو غبيا أو متكاسلاً أو أنانيا أو بخيلا على أقرب الناس إليه . ومن الواضح أن المواقف التى يظهر فيها جحا على هذا النحو تدفعنا إلى الضحك أو الابتسام ، لكننا عندما نرجع لأنفسنا – وحتى دون أن ننظر فى المرآة – نشعر شعورًا خفيًا وقويا فى نفس الوقت بأننا نشبه جحا فى عيوبه ، ونتشارك معه فى تلك التصرفات ، بل إننا ندرك أن جحا أكثر جرأة منا نحن لأنه لا يخدع المجتمع ــــــــ مثلنا ـــــــــ بوضع أقنعه تخفى حقيقته ، وإنما يكشف شخصيته الطبيعية كما هى بكل صراحة أمام الجميع .


الجانب النقدى فى نوادر جحا

لو أن مصلحا اجتماعيا – مهما كانت قدراته – ظل طوال حياته ينتقد سلوك الناس وتصرفاتهم لأصابهم الملل ، ولما أطاقوا الإصغاء إليه ، لكن جحا – النابع من قلب التراث الشعبى – قد أدرك هذه الحقيقة المرة ، ولذلك راح ينتقد تصرفاته هو كما ينتقد تصرفات غيره ، ويتحول من بطل رئيسى للحكاية إلى مجرد ممثل مساعد لأحد أبطالها الرئيسيين . وقد استخدم السخرية (Ironie) التى لا تستهزئ بأحد لمجرد الاستهزاء ، وإنما لإبراز الجوانب السيئة فى سلوكه وتصرفاته ، حتى لا يكون نموذجا يقتدى به غيره . وهذه هى السخرية الإيجابية التى استخدمها كبار الأدباء فى العالم .

وتتميز (نوادر جحا) بالبساطة الشديدة التى يمكن أن تصل إلى عقول الناس وقلوبهم دون أن يبذلوا جهدا مرهقا فى استيعابها ، ولذلك فإن مجرد إلقائها عليهم يدفعهم إلى الضحك أو الابتسام ، وتلك هى المرحلة الأولى أو الغلاف الخارجى ، أما المرحلة الثانية فهى التى تترسب فى نفوسهم من واقع الموقف الذى يدين المخطئ المصرّ على سلوكه ، ويتسامح مع الساذج والبرىء.

ومما يميز (النوادر) فى نقدها أنها لا تتجه بالخطاب الوعظى المباشر إلى الناس ، بل انها متضمنه فى مواقف عمليه وحوارية ، بحيث ىظهر جحا نفسه أحيانا : غبيا أو متغابيا أو جاهلا أو متعثرا أو سىء الحظ ، وفى المقابل من ذلك يظهر فى أحيان أخرى : ذكيا ، ماكرا ، منتصرًا على خصمه .

كذلك فإن حجم النوادر ، تتراوح بين الاختصار الشديد الذى يشبه الطلقة التى تنطلق بسرعة خاطفة ، وفى كلمات قليلة وبين الإطناب الذى قد يمتد لأكثر من صفحة وهذه الخاصية المزدوجة ترضى كافة الأذواق : هؤلاء الذين يميلون إلى القول الموجز ، وأولئك الذين يفضلون الإطالة .

وكثيرا ما يظهر جحا فى نوادره مصاحبا لحماره . وهنا تفصيل : فأحيانا يبدو الحمار أذكى من جحا ، وأحيانا أخرى أغبى منه ، وفى أحيان ثالثة، كانا يتعادلان . ثم إن الحمار كان يمثل الثروة الوحيدة لدى جحا ، وعندما كان اللصوص يسرقونه ، إما فى غفلة منه ، أو تلاعبًا به ، يقف حائرًا لا يدرى ماذا يفعل ، وقد أصبح معدما ، وضائعا ، بدون الصاحب الوحيد الذى يملأ عليه حياته .

والحمار – كما هو معروف – هو الحيوان الأقرب للفقير ، والملتصق بحياة الفلاحين والعاملين البسطاء ، وهو الحيوان الذى تجتمع فيه عدة صفات ، بعضها متناقض مثل (القوة والخنوع ، والتحمل والصبر ، وعدم الشكوى والتماوت أحيانا ..) والواضح أن جحا بصحبته الحميمة للحوار قد أعاد الاعتبار لهذا الحيوان المسكين الذى كان وما يزال منظورًا إليه بصورة دونية ، على الرغم من الخدمة الشاقة والجليلة التى يقدمها للفلاح بخاصة ، وللفقراء عموما .

لكن النقد السياسى والاجتماعى يظل ساريا بعمق فى (نوادر جحا) ، وبالتالى فإنها تعتبر مادة غنية جدا لمن أراد أن يستخرج منها العديد من العناصر النقدية ، التى تفيدنا حاليا فى فهم سلوك الناس فى المجتمعات السابقة ، والتى ما زال بعضها مستمرًا فى المجتمعات الراهنة حتى اليوم. وأكاد أقول باطمئنان – بعد قيامى بتحليل مضمون للنوادر – إنها فى مجموعها لا يكاد يوجد لها مثيل فى مؤلفات التراث الرسمى ، اللهم إلا فى بعض الأعمال القليلة جدًا ، مثل (البخلاء) للجاحظ ، و(تلبيس إبليس) لابن الجوزى ، و(معيد النعم) للسبكى . والملاحظ أن هذه الأعمال الرائعة ، والمنتمية أساسًا إلى التراث الرسمى ، لم يتوافر لها نفس الشهرة والانتشار الشعبى الذى حظيت به (نوادر جحا) .

ونظرًا لأننى أخصص هذا البحث لمغزى (نوادر جحا) فى مجال النقد الاجتماعى ، وبصفة خاصة فى نقد بعض الممارسات الدينية الخاطئة ، فسوف يكون من المناسب أن أقدم بين يديها بنبذة مختصرة للتعريف بأهم المناصب والوظائف الدينية التى نشأت وتطورت واستمرت فى المجتمعات الإسلامية ، منذ أواخر الدولة الأموية ، وطوال عهد العباسيين ، وما تلاه من عهود المماليك والعثمانيين. ومن هذه المناصب والوظائف :

قاضى القضاه ، وكان يعين من قبل الخليفة شخصيا ، ويصبح مسئولاً عن تعيين سائر القضاة فى مختلف أقاليم الخلافة أو الدولة .

القاضى ويكون عادة من الفقهاء ويتقاضى راتبه من الدولة ، ويختص ببلد معين ، ويفصل فى القضايا التى تنشأ بين الناس ، ويرد الحقوق لأصحابها، كما يوثق عقود الزواج والطلاق ، ويوزع الميراث بين المستحقين .

إمام المسجد وهو الذى يؤم المصلين ، ويكون متواجد دائمًا فى المسجد، ويتقاضى راتبه من الدوله ، كما يرجع إليه المسلمون فى المسائل الدينية الخاصة بشروط العبادات ، وقواعد المعاملات .

المؤذن وهو شخص معين أيضًا ، ويشترط أن يكون ذا صوت جهورى، ويستحسن أن يكون نديّا ، يرفع الأذان خمس مرات فى اليوم والليلة ، ويبدو أنه كان يشرف على شئون المسجد ، وإقامة الصلاة فى حال غياب إمام المسجد .

الواعظ وهو شخص يتصدى من تلقاء نفسه لوعظ الناس فى المسجد ، وتكون لديه مقدرة على البيان ، وأسلوب متميز فى الإقناع واستمالة المستمعين بشتى الوسائل ، ومنها ايراد الحكايات المشوقة ، وأحيانا الأحاديث النبوية دون التثبت تمامًا من صحتها .

القاصّ وهو شخص محترف فى فن القص ، وايراد الحكايات التى قد تمتد لعدة حلقات ، وهو يستخدم الأساطير ، ويداعب خيال المستمعين . وتكون مكافأته منهم على قدر إجادته لشد انتباههم بكل ما هو رائع وغريب .

علماء الكلام وهؤلاء كانوا من المتخصصين فى علم العقيدة وأصول الدين ، وكانت مهمتهم فى البداية : الدفاع عن الإسلام ضد خصومه من أهل الديانات الأخرى ، ثم أصبح بأسهم فيما بينهم ، وتحولوا إلى فرق متصارعة ، جذبت كل منها عددًا من المسلمين المتعصبين لآرائهم .

الصوفية وهؤلاء بدأوا بالدعوة إلى الزهد فى الدنيا ، والعزلة ، وطرح الخلاف ، ثم ظهر من بينهم شيوخ مؤثرون ، اجتذب كل واحد منهم العديد من الاتباع ، وأصبحت له (طريقة) عرفت باسمه ، ولها اجتماعات خاصة وسنوية، وأسلوب خاص فى الفكر والأوراد .

تلك هى أبرز المناصب والوظائف والجماعات التى كانت تمثل الجانب الدينى فى حياة المجتمعات الإسلامية . وترجع أهميتها إلى أنها كانت ذات تأثير واضح فى حياة الناس اليومية ، كما كان رموزها قريبين جدًا من العامة ، الذين استطاعوا بذكائهم الفطرى أن يميزوا فيهم بين الجيد والردىء ، بين الصادق والمنافق ، بين الحريص على الصالح العام والساعى إلى تحقيق مآريه الشخصية.

لذلك كان من الطبيعى أن نتوطد العلاقة بين عامة الشعب وممثلى الجانب الدينى ، وأن تخرج من قلب هذه العلاقة بعض الملاحظات التى لم تكن تجرؤ أن تعبر عن نفسها إلا فى شكل نوادر مضحكة ، وأن تنسب إلى شخصية شعبية لا يمكن الإمساك بها ، أو محاكاتها مثل شخصية جحا ، التى كانت تطير فى الجو مثل شخصية أصحاب النكته الحاليين فى مصر ، وسائر البلاد الأخرى .

لقد وردت (نوادر جحا) مشتملة على قيام جحا بتقمص وظيفة أو منصب أحد الرموز الدينية ، وأحيانا بإجراء محاورة مع واحد منهم ، وذلك بهدف إبراز سلبية معينة فى سلوكه وتصرفاته التى تتنافى مع سماحة الدين الإسلامى ، أو تتناقض مع انضباط قواعده . كذلك فإن النوادر تشتمل أيضا على مدى الجهل بأبسط شروط العبادات ، وخاصة لدى العامة ، وهو الأمر الذى يشير إلى أن الكثير من هؤلاء لم يكونوا يستوعبون جيدا ما يلقيه عليهم علماء الدين من معارف ومعلومات .

وهكذا كتب على جحا – كما كُتب على سيزيف فى الأسطورة الاغريقية – أن يتحمل وحده عبء تلك المسئولية الاجتماعية والسياسية الخطيرة ، وكان من عجائب القدر أن أولئك الذين انتقدهم جحا فى نوادره اللاذعة لم ينجحوا أبدًا فى محوها من تاريخهم ، لأنها كانت قد استقرت فى أعماق التراث الشعبى ، الذى سارع باحتضانها وتداولها خفية وعند الضرورة فقط، ولو أنها كانت قد دونت فى أوراق التراث الرسمى لسهل على المتنفّذين محوها ، وإحراق الأوراق التى كتبت فيها ، كما حدث لبعض المفكرين المعارضين والفلاسفة .

يحكى أن تيمورلنك – وكان حاكما جبارا – قال ذات يوم لجحا : إن الخلفاء العباسيين قد اتخذوا لأنفسهم ألقابًا مثل : (الواثق بالله) و(المستنصر بالله). فماذا تقترح أن يكون لقبى يا جحا ؟ فاجاب : (أعوذ بالله) !

وحين ورد أبو مسلم الخراسانى – وهو أحد قساة الولاة – إلى الكوفة ، طلب من خادمه يقطين أن يحضر له جحا ليراه ، فلما دخل عليهما ، قال :

ــــــــ يا يقطين ، أيكما أبو مسلم ؟!

وهذان النموذجان من نوادر جحا (السياسية) يثبتان ما ن

ذهب إليه ، وهو أن كلا منهما لم يحدث ، ولا يمكن أن يحدث ، وخاصة مع هذين الشخصين اللذين عُرف عنهما إصدار الأحكام بالقتل لأدنى ملابسة ، وبالتالى فإنهما من (وضع) الوجدان الشعبى الذى كان يبغض كلا منهما نتيجة عسفه وجبروته ، ولذلك جاءت النادرتان لتسخر منهما تلك السخرية اللاذعة التى تظل مرتبطة بشخصهما إلى الأبد !

وهناك مسألة هامة تتصل بالسير فى استمرار حيوية وطزاجة (نوادر جحا) حتى يومنا هذا ، وعلى الرغم من مرور العديد من السنوات على نشأتها، وكذلك العديد من البلاد التى وجدت فيها ؟

وفى تصورى أن ذلك يرجع إلى عدة عوامل ، أولها : عبقرية مؤلفها أو بالأحرى مبدعها الذى استطاع أن يلتقط ما يطلق عليه فى النقد الأدبى : فتات الحياة ، أى الأمور الصغيرة والأصغر التى توجد دائمًا فى شخصية كل انسان منا ، وغالبًا ما يهملها أو يتجاهلها لكنه ما يلبث أن يفاجأ بها منسوبه إلى شخص آخر ، وحينئذ يتنبّه لنفسه ، ولا يجد مفرًا من الاعتراف بها ، ومحاولة التخلص منها إذا استطاع . وهذا ما يفعله الأدب العالمى فى كل الناس. ثانيًا : أن مبدع النوادر قد استطاع أن يستخلص من حياة المجتمع المحلى الذى يعيش فيه ظواهر ذات طابع إنسانى عام. وهذا ما جعل النوادر تنتقل بسهولة وبكل بساطة من بلد إلى آخر ، وتكتسى فى كل ثقافة بثوبها الذى لا يجعلها غريبة عنها. وبالتالى فقد قبلتها الثقافات المختلفة ، ولم تجد أى حرج على الإطلاق فى احتضانها ، بل وجعلها جزءًا لا يتجزأ من بنيتها . وأخيرًا فإن اختراع شخصية جحا فى حد ذاتها بعد عملاً عبقريًا فهو لا يقل أبدًا عن الشخصيات النموذجية لأبطال الروايات العالمية التى صاغها كبار أدباء العالم . فهو الإنسان البسيط غاية البساطة الساذج جدا ، المقبل على الحياة ، والراغب فى التمتع بخيراتها ومع ذلك فهو الإنسان الحريص على تحقيق مصلحته ، واشباع حاجاته الضرورية غير مدّع اصلاح المجتمع كله ، لذلك فإنه إذا قدم النصيحة جعل من نفسه أولاً نموذجًا على تطبيقها ، حتى ولو جعله ذلك موضع سخرية ، قد تكون فى البداية مؤلمة ، ولكن الناس يتعلمون منها بعد ذلك .

وفى المجالس الخاصة أصبح التفوه باسم جحا إيذانًا بأن المتكلم سوف يتحف المستمعين ببعض نوادره ، التى تبعث فيهم الضحك أو الابتسام ، وتخفف هموم الحياة من فوق صدورهم . يقول مثل فارسى قديم :

إن اكثر الأيام ضياعًا فى حياتنا ..

هى التى لم نضحك فيها .

وقديما جعل أرسطو الضحك من خصائص الإنسان التى يتميز بها عن سائر الحيوانات . فجاء فى منطقة إن "الإنسان حيوان ضاحك".



القسم الثانى : نماذج من النوادر ومغزاها الاجتماعى

فى هذا القسم سوف أقوم باختيار عدد محدود من النوادر ، ذات الطابع الاجتماعى ، والتى تنتقد سلوكيات أشخاص ذوى وظائف دينية ، كما تنتقد مستوى الجهل لدى عامة الشعب بتعاليم الشريعة الإسلامية ، مع محاولة إبراز المغزى الحقيقى لهذه النوادر ، وهو الأمر الذى يجعل التراث الشعبى يتوازى ويتكامل مع التراث الرسمى ، وبهذا التكامل يمكننا الاقتراب كثيرًا من فهم واضح للمجتمعات السابقة ، ومزيد من فهم المجتمعات الحالية .


جحا واعظا :

· قام فى أحد الأيام واعظا ، فقال : أيها المسلمون ، احمدو الله الذى لم يخلق للجمال أجنحة ، لأنها لو استطاعت الطيران لهبطت على أسطح بيوتكم فخربتها على رؤوسكم !

والمغزى هنا يتعلق مباشرة بمضمون الخطاب الدينى ، المقتصر فقط على الترهيب دون الترغيب ، والذى ينتهجه بعض الدعاة لاستثارة خوف المسلمين بدلأ من طمأنتهم ، وبث السكينة فى نفوسهم . والعجيب هنا أن جحا لا يستعين ببعض العناصر الدينية التى تثير الخوف مثل التذكير بأهوال يوم القيامة ، وعذاب القبر ، بل إنه يلجأ إلى الاستعانة بخياله الخاص الذى يفترض أن الله تعالى قد يخلق للجمال الكبيرة الحجم أجنحة تستطيع الطيران بها ، لكنها عندما تفعل ذلك سوف تسقط بالضرورة على بيوت المسلمين فتهدمها فوق رؤوسهم! وهكذا بدلاً من أن ينبه الدعاة سائر المسلمين إلى السنن الإلهية التى وضعها الله فى الكون ، وسخره لهم بها، فيحمدوه عليها ويشكروا له – فإنهم يقومون بتخويفهم من عذاب الله وانتقامه منهم !

· جلس جحا يومًا على منصة الوعظ فى أحد الجوامع ، وقال :

- أيها المؤمنون ، هل تعلمون ما سأقوله لكم ؟

- كلا ، لا نعلم .

- لو كنتم لا تعلمون ، فما الفائدة من الكلام ؟!

ثم نزل ، وعاد فى يوم آخر ، وألقى عليهم نفس السؤال ، فقالوا :

- أجل ، نحن نعلم .

- ما دمتم تعلمون ما سأقوله ، فا الفائدة من الكلام ؟!

فتحير الحاضرون ، ثم اتفقوا فيما بينهم أن ينقسموا إلى فريقين :

أحدهما يقول : نعلم ، والآخر يقول : لا نعلم .

فلما جاء فى المرة الثالثة طرح عليهم سؤاله الأول ، وهنا انقسمت الأصوات ، فقال :

ـــــــ حسن جدًا ، من يَعلم يُعلم من لا يَعلم !

والمغزى هنا ينصب على العلاقة الجدلية التى يتبغى أن تكون قائمة بين الواعظ والجمهور ، وهى التى تبدأ بضرورة معرفة الواعظ الدقيقة بحاجة الجمهور إلى نوع المعرفة وطبيعة المعلومات التى يقدمها له . فما الفائدة فى أن يعرض على الجمهور معلومات سبق له معرفتها ؟ ألن يكون هذا نوعًا من التكرار الذى يؤدى إلى الملل ، وبالتالى الانصراف واللامبالاة ؟ إن الداعية إذا لم يأت فى كل مرة بجديد يُدهش المستمعين فإنه لن يصل أبدًا إلى جذب انتباههم، وبالتالى إلى التأثير المطلوب فيهم . كذلك فإن مراعاة أحوال المستمعين – التى أفاض فيها علماء البلاغة العربية – تغيب عادة عن الدعاة الذين قد يحثون الفقير على الصدقة ، بينما يدعون الغنى إلى الصبر على شظف العيش !


جحا مؤذنا :

· كان يؤذن ، ثم يجرى مسرعا ، فسألوه عن السبب ، فقال :

- أريد أن أعرف إلى أين يصل صوتى !

والمغزى هنا أن بعض المؤذنين يتم تعيينهم فى هذه المهمة الدينية على أساس ارتفاع أصواتهم فقط ، دون أن تكون لهم حصيلة دينية كافية ، وخاصة فى باب العبادات من علم الفقه ، حيث يتطلب وجوده الدائم فى المسجد تلقى أسئلة المسلمين المتعلقة بشروط الوضوء والصلاة والإجابة الصحيحة عليها . لكن جحا هنا يزيد الأمر سوءا فيصور المؤذن بأنه شخص ضعيف العقل ، فمن من العقلاء يجرى بعد رفع صوته لكى يعلم المدى الذى وصل إليه؟!

· وفى صباه ، سافر جحا من قريته إلى المدينة ، فسمع المؤذن يؤذن من فوق مناره عالية ، فظنه يستغيث ، فناداه من الأسفل :

- ماذا أصنع يا عمى ، فقد صعدت شجرة عالية لا غصن لها ، وكيف أصعد إليك وأنقذك؟

والمغزى هنا أن بعض بناة المساجد يبالغون أحيانًا فى تشييدها ويعملون على ارتفاع مناراتها إلى الحد الذى قد لا يتبين الناس صوت المؤذن من أعلاها، وهذا ما جعل جحا – وهو صبى صغير – يظن أن المؤذن يستغيث ، بدلاً من أن يدعو للصلاة ؟!


مع إمام مسجد :

· ذهب جحا مع بعض أصحابة يتنزهون فى البرية ، وبعد تناول الطعام ، قام كل منهم إلى حوض كبير فغسل يديه ، وحدث أن إمام مسجد الحىّ زلفت رجله فى قاع الحوض . وكلما حاول الحاضرون أن ينقذوه قائلين له (هات يدك) لم يعطها لهم ، وأخيرًا تقدم جحا وقال لهم : دعونى أنقذه ، فهو لن يسمع كلامكم لأن صنف الأئمة لم يعتادوا على كلمة (هات) بل كلمة (خذْ) .. ثم مد يده إلى الإمام وقال له (خذ يدى) ففى الحال قال الإمام : (الله يرضى عليك يا أخى) وأمسك بعضده فخرج سالما !

والمغزى هنا اجتماعى ودينى فى أن واحد . وهو مصرح به "فصنف الأئمة – على حد قول جحا – لم يتعودوا أن يقال لهم : هاتوا ، وإنما يقال لهم: خذوا" وقد جاء هذا التصريح فى إطار موقف درامى ، بدلاً من الحديث عنه بأسلوب خبرى ، الأمر الذى يجعل فكرته تستقر فى الأذهان ، ويسهل استدعاؤها لمن يريد أن يستدل على بخل بعض الفقهاء ، وعدم المساهمة بأموالهم فى خدمة المحتاجين ، مع دعوتهم المسلمين إلى أهمية الصدفة والتبرعات!

إن ظاهرة بخل الفقهاء تستحق بالفعل الاستقراء ، لمعرفة مدى اتساعها، تمهيدًا بعد ذلك للوقوف على أسبابها ودوافعها . وفى رأيى أن بعضها يرجع إلى نشأة الكثير منهم فى الفقر المدقع ثم تحولهم بفضل العلم والوظيفة التى يحصلونها به إلى حال مناقضة تماما من بحبوحة العيش ، وإقبال من الحكام والعامة على السواء ، ولذلك يكون حرصهم على الثروة أشد ، بل إنه يزداد إلى حد البخل بها على المساكين والمحتاجين ، الذى يكتفون بدعوة سائر المسلمين إلى الرفق بهم ، والإحسان إليهم !


جحا قاضيا :

عندما كان قاضيا جاءه رجل وقال :

- إن ثوركم الأحمر نطح بقرتنا فى بطنها فقتلها .

- وما دخل صاحب الثور ؟ هذه دعوى دم ، لا يطالب بها حيوان .

- عفوًا أيها القاضى .. لقد أخطأت فى عرض القضية .

فالحقيقة أن بقرتنا هى التى نطحت بطن ثوركم فمات ؟

عندئذ اعتدل القاضى جحا ، وقال :

- اذن لقد أشكلت المسألة . فهات هذا الكتاب ذا الجلد الأسود من على الرف ، لأنظر فيه حول تحديد الضرر ، وتقييم الغرامة ، وعقوبة عدم دفعها ؟

والمغزى هنا يتصل مباشرة بازدواج المعايير ، وتفاوت الأحكام فى القضية الواحدة . فعندما علم القاضى أن ثوره هو الذى قتل بقرة الرجل لم تظهر منه أى بادرة للحل ، بل إنه قرر على الفور انها "دعوى دم لا يطالب بها حيوان! لكن حين عاد الرجل فعرض القضية من جديد ، وخلاصتها أن ثوره هو الذى قتل بقرة القاضى ، اعتدل القاضى فى جلسته ، وطالب بالاطلاع على المراجع (القانونية) الموجودة على رف المكتبة ، بغرض النظر فى تحديد الأضرار ، وتقييم الخسائر ، وتغريم صاحب البقرة التى قتلت الثور ! وهكذا اختلف الحكم تماما ، وانقلب من النقيض إلى النقيض .


جحا مساعدًا لقاض :

· تبرز كلب فى وسط الطريق بين جاريْن ، فتنازعا حول مَنْ منهما يزيل براز الكلب. وذهبا إلى القاضى لعرض القضية عليه ، وكان جحا حاضرا ، فقال له القاضى :

- احكم أنت بينهما يا جحا – قاصدًا بذلك إحراجه .

فسأل المتنازعين عن الموضع الذى تبرز فيه الكلب ، فأجابا بأنه فى منتصف الطريق بينهما تماما .

فقال لهما :

- انصرفا ، فليس عليكما شئ ، وإنما المسئولية على القاضى لأن الحادثة وقعت فى الطريق العام !

والمغزى هنا واضح تماما . فإن بعض المنازعات التى تحدث بين الأفراد يمكن أن تكون من مسئولية الحكومة ، وهى هنا خاصة بالطريق العام ، الذى لا يمتلكه الأفراد ، ولهذا حسم جحا الحكم فى القضية ، ولا شك أنه تحرى العدل فى ذلك ، ولعله لو ترك ذلك القاضى يحكم فيها لأوقع الغرامة على أحد الخصمين أو عليهما معا .

لكننا لابد أن تستثنى نموذج هذا القاضى والذى قبله من مجموع قضاة المسلمين الذين كانوا يحكمون بالعدل ، ويتحرون الدقة قبل إصدار الأحكام ، كما كانوا يفحصون جيدا حال الشهود ، ويستبعدون شهود الزور بل ويعاقبونهم .


جحا متصوفًا :

فى إحدى القرى ، ادعى جحا الولاية الصوفية ، وعندما سألوه :

- ما هى كرامتك ؟

- أن أدعو هذه الشجرة فتأتى إلىّ .

- اذن افعل ذلك لنشاهد ..

ويعد أن همهم ببعض الكلمات لم تتحرك الشجرة ، فنذهب إليها وقال لهم : - إذا لم نحضر الشجرة للولى ، يذهب هو إليها !

والمغزى هنا أن بعض الصوفية الحقيقيين لهم فعلاً كرامات ، والأصل ألا يروجوها عن أنفسهم أو يفتخرون بها ، بل ان الصادقين منهم يعملون على إخفائها باعتبارها علامات رضا من الله تعالى عليهم ، وعناية منه بهم ، لكن بعض المتصوفة ، أى المتشبهين بالصوفية ، حاولوا خداع الناس عن طريق إيهامهم بأن بعض الكرامات تحدث لهم ، وهى فى الحقيقة مجرد ألاعيب وتمويهات وخفة يد ، لكى يحصوا منهم على الهبات والنذور ، مما يتنافى تمامًا مع أصل التصوف وحقيقته .


جحا وبعض قضايا علم الكلام :

من أشهر المسائل التى كثر جدال علماء الكلام حولها مسألة مرتكب الكبيرة ، ومسألة الجبر والاختيار ، ومسألة الصفات الإلهية بالإضافة إلى بعض مسائل السمعيات مثل الفضاء والقدر ، وعذاب القبر. ونحن نعلم أن هذا الجدال بين المتكلمين قد كون فرقا متنازعة ، كما أحدث بلبلة فى الرأى العام نتيجة مناقشة أمور كانت محسومة فى الدين نفسه .

· سألوا جحا : متى تقوم القيامة ؟ قال : وأى قيامة تعنون ؟

فأجابوه : وهل القيامة متعددة ؟ قال : نعم . إذا ماتت زوجتى فتلك القيامة الصغرى ، وإذا مت أنا فتلك القيامة الكبرى !

· أوصى جحا أهله أن يدفنوه إذا مات فى قبر قديم . فقالوا : ولماذا ؟

قال : إذا جاءنى مَلَكا الموت ليسألانى أجيبهما بأنى قديم العهد فى هذا القبر ، وأنى قد سُئلت من قبل – ومتى نظرا إلى قبرى رأيا فيه مصداقا لقولى، فيتركانى وشأنى !

· سألوا جحا يوما : ماذا نقول فى القدرة الإلهية ؟ قال : مذْ عرفت نفسى علمت أن ما قضاه الله واقع ، ولولا نفوذ القدرة الإلهية لكان لى ما أتمناه.

والمغزى هنا أن قطاعًا لا بأس به من المسلمين لم يستجب كليا ، أو تماما ، لتلك القضايا والمسائل الخلافية التى ثارت بين علماء الكلام ، وكان لها تأثيرها السىّء على المجتمعات الإسلامية ، ولا سيما عندما اشترك بعض الحكام فى إشعالها واستمرارها من أجل الاستفادة بنتائجها.

ومن الواضح أن عامة المسلمين ظل إيمانهم العميق قائمًا على البساطة، ومبتعدًا عن تعقيدات الجدل والمهاترات اللفظية التى بثها فيهم المتكلمون ، وهى التى جعلت واحدًا من أكبر علماء المسلمين كالإمام الغزالى (ت 505هـ) ، بعد أن غاص عميقًا فى هذا الجدل يلجأ إلى الله تعالى قائلا : "اللهم هبنى إيمانا كإيمان العوام" !

فعندما يطرح على جحا سؤال موعد القيامة ، يجيب بأن القيامة الكبرى هى يوم موته هو ، فى حين يعتبر موت زوجته هى القيامة الصغرى . وبالطبع هذه إجابة مضحكة ، لكنها تستبعد جانبا تلك الخلافات التى كانت تدور بشراسة حول أشراط الساعة الصغرى والكبرى ، والكثير منها – كما هو معلوم – يعتمد على أحاديث منسوبة إلى الرسول r ، دون أن تكون كاملة التوثيق والصحة .

وحين يوصى جحا أهله أن يدفنوه فى قبر قديم ، ليوهم ملكىْ الموت بأنه قد جرى حسابه من قبل ، فإنه هنا يستظرف ، لأن هذين الملكيْن لا يمكن أبدًا أن يخطئا ، أو يمكر بهما إنسان !

أما إجابة جحا المختصرة عن سؤال القدرة الإلهية ، فهى تختصر الكثير مما بسطه علماء الكلام ، وهو يلخصها فى عبارة رائعة ، وهى أن (ما قضاه الله واقع) ، فلا معنى إذن للتهرب منه أو التحايل من أجل دفعه أو مقاومته ، لكن جحا يضيف إلى ذلك أن أحد الأدلة البسيطة جدا على نفوذ القدرة الإلهية يتمثل فى (عدم تحقيق كل ما يتمناه) ، ولو فكر قليلا أنه قد تمنى أمورًا تفوق قدرته ، لأن الإنسان العاقل لا ينبغى أن يفعل ذلك ، وإنما عليه أن يتعرف جيدا على قدراته وإمكانياته حتى يتحقق له – بفضل الله – ما يريد .


الجهل بأبسط أحكام الشريعة :

· ذهب جحا يومًا إلى إحدى القرى ، فمرض مرضا شديدا ، فاجتمع القريون وقالوا له :

- إذا مت ووقع الأمر الحق ، فهل لك فى بلدك وارث ؟

- لى والدة إلا أن أبى طلقها ، ولذلك لا وارث لى !

· قالت له زوجته

- إن ابريق الوضوء قد ثقب من أسفله ، وأصبح لا يمكث فيه الماء طويلا ، فماذا نصنع ؟

- هذا أمر لا حل له أبدا ، إلا أننا إذا كنا ننقض وضوءنا ثم نتطهر منه ، فالآن نملأه ونتطهر ، ثم ننقض وضوءنا !

· ذات يوم ، راح جحا يتوضأ ، وكان الماء قليلا فبقيت رجله اليسرى بغير غسل فلما وقف للصلاة رفعها كما يرفع إلاوز رجله ، فقالوا له : ما هذا الذى تفعله ؟ فأجاب :

- رجلى اليسرى غير متوضئة !

والمغزى من هذه الأمثلة الثلاث أن جحا يعلن بنفسه عن نفسه مدى جهله بحقائق الشريعة البسيطة ، والمعلومات الدينية التى ينبغى على أى مسلم عادى أن يُلمّ بها . فالأم فى المثال الأول لا يسقط حقها فى ميراث ابنها المتوفى بسبب طلاقها من أبيه . وفى المثال الثانى : لا يصح الوضوء قبل نقضه ، وإنما يحدث دائمًا بعده . أما المثال الثالث فهو فريد فى غرابته حيث لا تصح الصلاة بوضوء يفتقد أحد أركانه ، وهو غسل الرجليْن معا ! لكن هذه الأمثلة – وغيرها فى النوادر كثير – تشير إلى غياب المعلومة الدينية البسيطة من أذهان بعض المسلمين البسطاء . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإنها تشير أيضا إلى أن علماء الدين فى المجتمعات السابقة لم يكونوا يهتمون كثيرا – فيما يبدو– بما يحصّله الناس منهم ، وإنما كانوا يعتقدون أن عليهم فقط أن يتحدثوا، ويخطبوا ويتصدروا مجالس الوعظ دون أن يتابعوا التطبيق العملى لأقوالهم ، أو رد الفعل لدى المستمعين إليهم .

والواقع أن شيوع الجهل بالدين ينتج من أسباب كثيرة ، من أهمها غياب متابعة علماء الدين لعامة المسلمين كى يتأكدوا من أنهم فهموا ما قالوه ، واستوعبوه جيدا ، ثم طبتوه التطبيق الصحيح . أما أن تقتصر مهمة الدعاه على مجرد الحديث فى اتجاه واحد ، فإن هذا يفقدهم التأثير والفعالية ، ويجعل خطابهم الدينى – كما هو ملاحظ اليوم – يحتاج إلى الكثير من التعديل والتطوير .

جحا والتنطع فى الدين :

· كان رجل يغتسل فى بحيرة ، وعندما شاهد جحا ، سأله :

- قل لى يا شيخ .. إذا كان الإنسان يغتسل فإلى أى جهة يجب أن يوجه وجهه ؟

فاجابه جحا على الفور :

- إلى الجهة التى فيها ثيابه !

المغربى : أن هناك الكثير من الناس ليس لديهم أدى معرفة أحكام الشريعة ، وخاصة فيما يتعلق – بأداء الفرائض والواجبات اليومية ، ولو أنهم كانوا يقرأون ، أو يسألون العلماء المتخصصين لتخلصوا من جهلهم غير المبرر . وبالطبع قد يظن بعض هؤلاء أن التشدد فى الدين هو الأصل ، مع أن الدين يسر لا عسر فيه ، ولذلك راح هذا الرجل يسأل عن أى اتجاه يتخذه وهو يغتسل فى البحيرة ، وكانت إجابة جحا قاطعة ، حولته من الاهتمام بهذه الجزئية التى لا أصل لها – إلى الحفاظ على ثيابه خوفًا من أن يسرقها لص ، ويترك الرجل يعود إلى بيته عاريا بدون ثياب !


جحا والتسول بالدين :

· أحد القرويين ترك التكسب بعمل يده ، واحترف التسول ، وكان يلح فى طلباته من أصحاب البيوت ، ولا يتركهم حتى يأخذ شيئا من طعامهم أو ملابسهم .

وذات يوم ، دق باب جحا ، ففتحت له زوجته ، فسألها : أين زوجك ؟

قالت : إنه فوق السطح . فقال لها : نادى عليه لينزل . فلما فعلت ، نزل جحا متضررا وسأل الرجل : من أنت ؟ قال : أنا ضيف الله . فأمسك جحا بيده ، وسار به حتى بلغا الجامع الكبير ، وعند الباب ، التفت إليه قائلا : يا أخى لقد طرقت بابنا على سبيل الخطأ ، وهذا بيت الله يا ضيف الله !

والمغزى هنا يتمثل فى أن احتراف التسول مع القدرة على العمل يعد من الأمور المشينة التى لا يرضى بها دين ولا خلُقُ . وأسوأ أنواعه ذلك الذى يستغل الدين لاستخراج المال ممن يعملون ويكدحون . ومن المعلوم أن الإسلام يحث أتباعه على مساعدة الفقير ، وليس على معاونة مَنْ يدعى الفقر ، لأن فى ذلك تشجيعا له على ترك العمل ، وعدم السعى لطلب الرزق .

أما أسلوب جحا فى رد هذا المتسول الثقيل فهو نموذج جيد لأنجع الأساليب فى ردعه وأمثاله عما يقومون به . وبدلاً من تقديم النصح له فى كلمات أو صرْفه مع الدعاء له بالتساهيل ، أخذه جحا فى مشوار طويل حتى جامع البلدة ، الذى هو بيت الله ، ما دام قد ادعى أنه : ضيف الله !


خاتمـة :

لم تكن نوادر جحا – على عكس ما يظن الكثيرون – مجرد عناصر تسلية أو إضحاك فقط ، وإنما خرجت هذه النوادر من قلب التراث الشعبى محملة بالكثير من النقد الاجتماعى وأحيانا السياسى ، وهو النقد الذى لم تكن تتسع له مساحة كافية فى التراث الرسمى ، المكتوب والمدوّن . ومن الملاحظ أن تلك النوادر لم تخل أبدًا من الطابع الأخلاقى ، الذى يمجد الفضائل ، ويدين السلوكيات المنحرفة لدى المسئولين ، الذين كان من المفترض بهم أن يكونوا نماذج يقتدى بها عامة الناس .



وإذا كان بعض الباحثين يحاولون – جاهدين – أن يحددوا لنا شخصية جحا ، فلهم كل الحق فى ذلك ، من خلال حرية البحث العلمى ، لكننا فى هذا البحث ركزنا على نوادر جحا باعتبارها جزءًا أصيلاً من التراث الشعبى الذى لم يهتم بالتدوين ، ولا التوثيق ، ولا تحديد المؤلفين أو المبدعين ، لكنه ترك الأمر مشاعًا للجميع ، وإذا كان قد اخترع شخصية جحا ليلصق بها كل تلك النوادر ، فإن انتسابها إلى بلاد مختلفة ، وأزمنة متباعدة ، مما يؤكد هذا الاختراع العجيب.



وإذا كنا اقتصرنا فى هذا البحث على جانب واحد من الحياة الاجتماعية، وهو الجانب الدينى ، فإن (نوادر جحا) ما زالت قابلة لأبحاث أخرى فى باقى الجوانب الاجتماعية ، لذلك فإننى أعتبر هذا البحث مجرد فاتحة للباحثين الاجتماعيين ، والمتخصصين فى التراث الشعبى أن يواصوا استخراج ما تحتوى عليه هذه النوادر ، وأمثالها ، من نتائج يمكن أن تساعدنا على فهم أكثر عمقا ، وأوسع مجالاً للمجتمعات الإسلامية السابقة .







أهم المصادر والمراجع




أولاً باللغة العربية

· أحمد الحوفى (د0) الفكاهة فى الأدب : أصولها وأنواعها دار نهضة مصر – القاهرة 1966 .

· أحمد أمين ، موسوعة ضحى الإسلام ، ط ثانية . مكتبة الأسرة 2002

ـــــــ قاموس العادات التقاليد والتعابير المصرية – القاهرة 1953 .

· الإبشيهى، المستطرف فى كل فن مستظرف المكتبة التجارية – القاهرة 1379هـ .

· الجاحظ ، كتاب القول فى البغال – تحقيق شارل بيللا . مصطفى الحلبى. القاهرة 1955 .

· ابن الجوزى ، أخبار الحمقى والمغفلين . دمشق 1345هـ

- اخبار الظراف والمتماجنين – دمشق 1347هـ .

· حامد طاهر (د0)

الفلسفة المصرية من الأمثال الشعبية

دار الهانى – القاهرة 2008 .

· حسين مجيب المصرى (د0)

تاريخ الأدب التركى – مكتبة الانجلو – القاهرة 1951 .

· الحصرى ، زهر الآداب . المكتبة التجارية . القاهرة 1353هـ .

· ابن حجة الحموى ، ثمرات الأوراق فى المحاضرات

المكتبة التجارية – القاهرة 1379هـ .

· ابن حجر العسقلانى ، لسان الميزان

ط. حيدر آباد – الهند 1330هـ .

· الدميرى ، حياة الحيوان الكبرى

المطبعة الشرقية . القاهرة ( د0ت)

· عبد الستار فراج ، أخبار جحا

مكتبة مصر . القاهرة 1954

· العقاد ، جحا الضاحك المضحك

دار الهلال . القاهرة . العدد 65 – 1956 .

· منال المغربى، جحا بين الحقيقة والأسطورة

على موقع ملتقى أهل الحديث – الانترنت

· محمد رجب النجار (د0 ) ، جحا العربى

سلسلة عالم المعرفة (العدد 10) الكويت

· الميدانى ، مجمع الأمثال

دار الفكر . بيروت 1973

· ابن النديم ، الفهرست

المطبعة التجارية . القاهرة 1348هـ

· محمد فريد أبو حديد ، آلام جحا

دار المعارف . القاهرة 1963

· نبيلة إبراهيم (د0 )

أشكال التعبير فى الأدب الشعبى

نهضة مصر. القاهرة (د0ت0)

· نوادر جحا الكبرى.

راجعه درويش جويدى . بيروت (د0ت0)



ثانيًا : بالفرنسية :

Andrée Cresson, Voltaire . Paris 1948
Erasm, Eloge de la Folie tred.Par P.d. Nolhac. Paris 1964.
G. Bataille, La Littérature et le mal . Paris 1957 .
H. Négre, Dictionnaire de Histories droles.. Paris 1973.
R. Escarpit, L´Humour. Paris 1960 .
V. Jankélévitch, L´Ironie . Paris 1964 .

* * *


*) أستاذ الفلسفة الإسلامية ، ونائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق.
أعلى