حوار مع الناقد وعالم النفس الدكتور خالد عبد الغني.. حاوره من القاهرة : علي لفتة سعيد

الجزء الأول من الحوار حول "نشأتي بالقرية وكيف تكونت بالصورة التي ترونها الآن"


* انتمائي الأول هو لعلم النفس وما أقدمه هي بحوث لنصوص أدبية
*هناك عيب في العقل والنفس العربية ولا أمل في علاجهما

لا يريد أن يطرح نفسه ناقدا ويصرح دوما انه مهتم بعلم لنفس وان اقترب من النقد وتفاصيله.. وقد أعلن ذلك في واحدة من الندوات التي أقيمت لي في القاهرة، لكن الحقيقة إنه واحد من النقاد الذين مازجوا بين علم النفس والنقد الأدبي و أصدر لذلك العديد من الكتب النقدية سواء المتعلقة بالأدب أو علم النفس في مختلف المجالات العلمية وكذلك التربوية وفي غضون سنوات قليلة أصبح واحدا من النقاد الذين لا يقام مهرجان أو مؤتمر أدبي دون أن يكون له حضور فاعل فيها وقد أصبح اسمه عربيا.. نشر أكثر من 35 كتابا مختلفا في هذا المجال منها (التحليل النفسي والأدب..احتياجات وضغوط أسر المعاقين ..الذكاء والشخصية..الدلالات النفسية لتطور رسوم الأطفال..نجيب محفوظ وسردياته العجائبية وكذلك نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل (بالاشتراك مع آخرين) وأيضا نجيب محفوظ بين الأسطورة والتحليل النفسي..اضطراب الشخصية "دراسات في الرواية العربية"..اضطراب الهوية الجنسية..علم النفس ومشكلاتنا النفسية فضلا عن كتب التحليل النفسي وقضايا العصر.. الشخصية المحورية في الرواية.. عبدالستار إبراهيم "الخطاب والايدولوجيا".. سيكولوجية رسوم الأطفال العاديين والفئات الخاصة إضافة إلى سيكولوجية العنف والإرهاب في عالمنا المعاصر..الذات والموضوع في الثقافة العربية المعاصرة وغيرها من الكتب العلمية والأدبية.

* من هو خالد عبد الغني قبل أن يكون دكتورا؟
قد لا تعلم أني مثلك في مصر فأنا من مواليد الهامش المصري البعيد عن مركزية العاصمة .. ربما هي الطفولة كنت معينا لهذا التوجه العلمي والادبي معا .. فقدولدت في قرية بلقس تابعة لمركز قليوب بمحافظة القليوبية حيث الشتاء القارص.. وكان الخوف علي شديد من أمي حتى قالت لها القابلة – الداية - " لا تبكي فلن يكون لإبنك هذا مثيل في القرية كلها" والحياة في القرية كانت مزيجا من التعليم حيث المدارس والتلقي الديني حيث وجود ثلاثة مساجد كبرى نسبيا وكنت أسكن بالحي القديم بالقرب من المسجد الأكبر والأقدم بالقرية وفيه عرفت الصلاة وقراءة القرآن ودروس العلم الديني في جوانبه المختلفة وهذه النشأة لابد أنها تركت في أعماقي عقيدة راسخة وقيم أخلاقية وتنوع معرفي ثقافي زاد مع الأيام بعد أن عمل أبي في أحد المصانع التي كانت تقوم بإعادة تدوير أوراق الكتب والمجلات والجرائد إلى أوراق سميكة – كرتون- وكان أبي يجلب يوميا كتابا أو مجلة أو جريدة وظل على هذا النحو لمدة ثلاثين عاما وهذا العمل كون لدي مكتبة ضخمة في سن مبكرة جدا وكنت أهدي منها كتبا للأساتذة طوال مراحل عمري المختلفة في الابتدائية أهديت معلما كتاب الأربعين النووية وهو يضمالأحاديث النبوية وكتاب شرح شعلة على الشاطبية وهو من كتب القراءات القرءانية، وفي الإعدادية والثانوية وحتى في الجامعة أهديت أساتذة كتبا لمصطفى محمود وعبدالرحمن الشرقاوي ولفرويد نفسه وباللغة الانجليزية، وبقية علماء علم النفس. وكان أبي هو معلمي الأول الذي علمني مبادئ القراءة والكتابة والرسم وشجعني لأن أكون مثل الشيخ الشعرواي أو الدكتور مصطفى محمود أو غيرهم من نجوم ذلك الزمان، ولربما كان اختياري لموضوع الدكتوراه عن رسوم الأطفال والمراهقين استجابة لاشعورية لوفاء تجاه الأب وما تركه من تعاليم في حياتي أو كرغبة دفينة لاستمرار وجوده في حياتي.. كنت في الغالب طفلا ذكيا ولماحا ومتفوقا ومؤدبا للغاية لا أعرف الألفاظ النابية ولا أشترك في أنشطة عدوانية مع الطلاب.. ثم عملت بالصحافة فور التخرج من الجامعة بجريدة "النور" الإسلامية التابعة لحزب الأحرار وفي تلك الفترة رأيت الصحفي العملاق مصطفى أمين وعادل حسين ومحمد عبدالله السمان ومحمد الغزالي وغيرهم الكثير والكثير ، وعملت في الوسط الثقافي بعد ذلك وبدأت النشر العلمي بالصحف الخليجية أثناء عملي خارج مصر ثم بعد عودتي نشرت سبعة وثلاثين كتابا، وعملت مدير تحرير مجلة الرواية ونائب رئيس تحرير مجلة التحليل النفسي ومؤسس ورئيس تحرير مجلة النداء وصاحب جائزة خالد عبدالغني التفوق العلمي منذ عام 2010 .

* هذه طفولة مفعمة بالصدفة مثلما هي مفعمة بالتحدي..ماذا أنجز لك هذا التحدي؟
- حياتي كلها تشكلت بناء على النشأة الأولى وأولها كان الفقر المالي الذي حولني لباحث في علم النفس تمكن من أدوات البحث والتأمل، وقارئ نهم في الأدب والفن والدين، ورسام حصلت على جوائز في الرسم طوال حياتي التعليمية، وشاعر وناقد أدبي أصدرت ديوانين فقط وإن كانت بالمكتبة الكثير من المخطوطات الشعرية والأدبية، ومتدين أقرب للتصوف خاصة بعد تلك التجربة التي عشتها في مراهقتي حيث جاء للعمل بالقرية مصور فوتوغرافي سكن بجوار بيتنا وكان متصوفا جمع بيننا حب الفن والرسم في البداية وكان تصوفه على نحو ما أراه الآن مخالفا لحقيقة التصوف ولكن التجربة لم تخلو من تأثير للزهد طبعني في شبابي ورجولتي المتقدمة في العمر الآن، وجعلتني تلك النشأة ميالا للعزلة الايجابية من أجل إبداع عمل نقدي أو بحث علمي أو كتاب فكري أو تأمل ذاتي، وفي قسم علم النفس كنت طالبا يهتم بالقراءة الخارجية والإبداع الأدبي والفني وحولت الدراسة إلى جامعة عين شمس، وهي الجامعة الأم مصريا وعربيا في علم النفس ودرست تمهيدي الماجستير بقسم علم النفس كلية الآداب جامعة عين شمس وقد تميزت في تفسير الأدب والتحليل النفسي الإكلينيكي وأصبح لي مدرستي في تخصصنا الدقيق مثلما درست الخط العربي وعملت أخصائي نفسي بقسم النفسية والعصبية بمستشفى الساحل التعليمي، ثم أخصائي نفسي بإدارة قليوب، وموجه تربية نفسية ومدرب في علاج صعوبات التعلم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم بمعهد الدراسات العليا للطفولة واستشاري القياس والإرشاد النفسي بالعاصمة القطرية الدوحة .

* للنقد مسميات كثيرة.. فهناك ناقد أكاديمي وهناك ناقد أدبي مثلما هناك ناقد فكري.. إلى من ينتمي الدكتور خالد؟
- القاسم المشترك في هذه التعددية هو العمل الأدبي فمهما اختلفت دوافع النقاد فالأدب هو الجامع لهم، ويشير النقد النفسي للأدب إلى ذلك المنهج الذي يخضع النص الأدبي لنتائج البحوث النفسية، ويحاول الإفادة من النظريات النفسية في تفسير الظواهر الأدبية، والكشف عن عللها ومنابعها الخفية العميقة أو السطحية المعاصرة، وللمنهج النفسي في النقد الأدبي إرهاصات بعيدة، تمثلت في تلك الملاحظات التي ترد في بعض ظواهر الإبداع، فيمكننا أن نجدها في نظريات أفلاطون عن أثر الشعر على العواطف الإنسانية،.فكان ابن قتيبة من أوائل من تلمس البواعث النفسية في الشعر بين النقاد، ولقد بدأ النقد النفسي بشكل علمي منظم مع بداية علم النفس ذاته منذ مائة عام على وجه التحديد في نهاية القرن التاسع عشر بصدور مؤلفات سيجموند فرويد في التحليل النفسي واستعان في هذا التأسيس بدراسة ظواهر الإبداع في الأدب والفن كتجليات للظواهر النفسية، وانتمائي الأول هو لعلم النفس وما أقدمه هي بحوث في علم النفس لنصوص أدبية باعتبارها وثيقة نفسية تصدر عن المؤلف مثلها مثل استجابات المرضى لاختبار "التات" أو اختبار رسم المنزل والشخص الذين استعنت بهما كثيرا جدا في أعمالي التحليلية الإكلينيكية ، ولست أدعي أني ناقد أدبي مهما حاول المجتمع وصفي بهذه الصفة.

* أنت تخصصت في النقد الإكلينيكي.. هل يمكن أن تفسر هذا النقد من ناحية المصطلح؟
- يوجد من الوجهة النفسية في دراسة الأدب والفن بعامة ثلاثة تيارات هي:الأول ويسمى الدراسة الموضوعية للأدب الذي يحاول تكميم الظاهرة الإبداعية مستعينا في ذلك بمنهج العلوم الطبيعية والإحصاء. والثاني ويدعى التيار التحليلي النفسي الذي يهتم بنظرية التحليل النفسي والاستفادة منها في فهم الأعمال الأدبية بهدف الكشف عن البناء النفسي للمؤلف وعلاقته بالعمل الإبداعي. أما التيار الثالث الذي كان لي حظ تأسيسه والعمل عليه على مدار 30 عاما حيث كانت بوادره مع دراستي المبكرة عن إحدى شخصيات كتاب البخلاء للجاحظ عام 1992.. فهو التيار الذي يسعى للاستفادة من التراث النفسي وعلم النفس المرضي والإكلينيكي والتحليلي بنظرته للشخصية داخل العمل الأدبي من حيث قربها أو بعدها من الحالة المرضية، وصلتها بالمؤلف وقد اعتبرت أبطال العمل الأدبي وأحيانا المؤلف ذاته حالات إكلينيكية درستها باستخدام تحليل المضمون، وهو هنا كل ما تذكره الشخصية، أو يذكره المؤلف أو السارد داخل العمل الروائي أو القصصي أو الشعري مستعينا في ذلك بمنهج دراسة الحالة الإكلينيكية ومستفيدا من ممارستي للعلاج النفسي التحليلي خلال السنوات الماضية. ولقد ثبت هذا التيار قواعده من خلال ما قمت به من دراسات كثيرة بلغت 80 دراسة تناولت المبدعين منذ طه حسين حتى الأدباء الشبان المعاصرين نشرت جميعها بالدوريات والمجلات والصحف المصرية والعربية وجمعتها في سلسلة التيار التحليلي النفسي الإكلينيكي للأدب وهي "التحليل النفسي والأدب الملحمة والرواية والشعر، "نجيب محفوظ وسردياته العجائبية، الشخصية المحورية في الرواية العربية. والذات والموضوع في الثقافة والأدب العربي المعاصر. وفضاءات النص الأدبي دراسات في الرواية و القصة والنوفيلا والشعر. وهي دراسات صحيح أنها قامت على نصوص أدبية ولكنها موجهة في الأساس الأول لدارسي علم النفس ثم دارسي الأدب ولكنها وجدت كل الترحاب من الأدباء والنقاد والصحفيين والإعلاميين المصريين والعرب حتى المقيمين في أوربا وأمريكا وكندا حيث أقاموا حولها نقاشات وعروض وحوارات صحفية في ظل تجاهل الأكاديميين في علم النفس لها حتى أنه عندما أقيمت ندوة بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة لمناقشتها كانت الجهة المنظمة لجنة أدبية وليست لجنة علم النفس.

* لماذا نجد دائما الأديب العربي يعاني من الإهمال والتشويش وحتى التسقيط في بلده؟ كيف يمكن النظر لهذا الأمر من منظور نفسي؟
- لا يمكن فهم هذا الموقف دون الحديث عن نظريتي الأحدث وهي ما أسميتها "النظرية العلية في فهم جفوة المجتمع لأبنائه النابهين" وأوحى لي بها نقاشاتنا السابقة وما وقر في نفسي من سيرة وحياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وَتُأَسَّس هذه النظرية على ما كان من جفوة قريش تجاه النبي الأعظم محمد (ص) ولهذا يمكن أن نفهم أن البيئة العربية قاسية على أبنائها ولا تحتفي بهم إلا حين يبزغ نجمهم خارجها مثلما حدث مع أديب نوبل نجيب محفوظ وعالمها أحمد زويل ومجدي يعقوب وغيرهم الكثير إن العيب إذن في العقل والنفس العربية ولا أمل في علاجهما من هذا الداء الذي يعد واحدا من مساوئ الشخصية التي تنظر بريبة لأي نجاح.



1612216949376.png





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى