أمل الكردفاني - هل من المفترض أن ينشغل بك أحد؟

إن الإنسان يعمل من أجل الآخر، حتى حينما يعمل من أجل نفسه، إذ أن الآخر هو مرآة الذات. فلو استطاع الإنسان أن لا يهتم بالآخرين، لعاش أكثر سعادة، منعزلاً مع نفسه في أي كهف، يرعى أغنامه، ويزرع ما يقيم أوده. ولكن الإنسان يسعى لشراء سيارات فارهة وسكن القصور الشاهقة من اجل أن يعلن تفوقه على الآخرين. فالآخر دائما حاضرٌ في عقل الفرد، ولو أضحى الآخر غير موجود لأصبح الإنسان بلا احتياج للرفاهية ولا للعمل الشاق لتحقيق طموحاته الشخصية التي تتلخص في تتويجه فوق البشر حتى لو كانوا أهل قريته الفقيرة من الأميين البسطاء. ففكرة التفوق مرتبطة بالآخر، فالآخر ليس فقط ذلك القريب منك جداً كالأب والأم والزوجة والأولاد، بل الآخر في كل مكان، وحب التملك الذي يُنتِج الحروب والصراع حول الموارد، سببه وجود الآخر، ليس لأن الآخر ينازعه ملكية الثروات فقط، بل لأن التفوق في ذاته لا يحدث بلا آخر. والحرب لا تنهض بلا آخر فلا هزيمة ولا نصر إلا بوجود آخر، بل السلام -كهدنة مستقطعة ومؤقتة من الصراع الأزلي- كلمة ستفقد معناها بلا آخر. إن هويتنا نفسه مرتبطة بالآخر، فالأبيض لن يكون أبيضا بدون وجود الأسود، والعربي لن يكون عربياً لو كان البشر كلهم عرباً..والأوروبي ما كان ليكون أوروبيا لو لم تكن هناك قارات أخرى سوى أوروبا. وحين لا يجد الإنسان اختلافا فيما سبق فإنه يبحث عن اختلافات أخرى ليخلق لنفسه هوية متميزة عن غيره. فالإيرلنديون الشماليون، يقاتلون الإنجليز، والباسكيون يقاتلون الإسبان. ولو كنتَ اجنبياً عنهم فلن تعرف الفرق من مجرد سحناتهم، وهكذا يختلق الإنسان الهوية عن طريق وجود الآخر ليتميز عن الآخر.
ويبدو الآخر لصيقاً بك دائماً مهما حاولت الفرار منه. فهل بعد كل هذا يجب أن يهتم بك ذلك الآخر؟.
إن التجاهل والإهمال يقلق البشر، وهم يبحثون عن الإهتمام، ويبحثون عن ذلك داخل مسارات، كالحب والزواج والإنجاب، أو الفن والإبداع لجذب اهتمام الآخر..أو الجريمة، أو الكره والعنصرية،..الخ. إن الآخر حاضر دائماً، ومطلوب منه دوماً أن يكون مهتماً.
من هنا انطلقت أهم قواعد الرأسمالية، وهي قاعدة (جذب الإنتباه) أي انتباه الآخر، فليس الطلب فقط هو الذي يخلق العرض، بل العرض هو الذي يخلق الطلب عبر الدعاية والإعلان، يتم مطالبتك دوما بالإهتمام، ولكي يتم الحصول على ذلك الإهتمام من الآخر؛ أي الإهتمام بكتاب جديد أو اختراع هاتف جديد، أو حتى مطعم، سيارة، لا بد من استدراجك لكي (تهتم) بعمل الآخر. وتطور هذا ليكون علماً وهو علم التسويق، والذي يمارس الآن على نطاق واسع بحيث يمكننا أن نسمي عصرنا هذا ليس عصر الأمركة والإستهلاك وما بعد الحداثة، بل عصر التسويق. ففيسبوك وتويتر وعلي بابا وأمازون..الخ هي في الحقيقة أجسام تسويقية ضخمة، وخلال سنوات سيتحول علم التسويق إلى علم مهم في كل كبيرة وصغيرة...لكن هل الآخر فقط هناك..في عالم البزنس؟ أبداً فالصراعات نفسها مهتمة بالآخر، مهتمة بجذب انتباهه، ولذلك أضحى هناك ما يسمى بالتسويق السياسي، والثقافي. وفي المقابل، فإن أي منتج يمكن أن يتعرض للتجاهل إن كان ضد سياسات الدول المسيطرة على عالم التسويق الإلكتروني. ففي الحرب الدائرة الآن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يمارس فيسبوك قمعاً لكل من ينطق بكلمة ضد إسرائيل، يلغي حسابات، ويوقع عقوبات بالحظر المؤقت..الخ. إنه يمنع الآخر من الإنتباه لقضية ما. وهكذا فعلوا مع ترامب. لم يعد القمع اليوم مرتبط ارتباطاً مباشراً بالحكومات، بل بالمؤسسات التي صنعتها أجهزة المخابرات، لتعزلك عن العالم، أو تجعل من مجرد شخابيطك التي لا معنى لها لوحة تباع في مزاد علني بملايين الدولارات. وتجعل من القاتل ضحية ومن المقتول جانٍ.
الآخر في كل مكان، وقد قال سارتر بأن الآخرين هم الجحيم. لكن يا سيد سارتر..لمن تقول هذا الكلام؟ أليس للآخرين؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى