محمود الورداني - زمن القليوبي ( 24 ) بيوت عبده جبير

( 24 )
بيوت عبده جبير


البيوت التي سكنها صديقي عبده جبير تحملت الكثير من ضجيجنا ورذالاتنا ، شأنها شأن بيت الرفيقة نعمات في العمرانية ثم الهرم، وبيت محمد سيف في حارة درب البوارين، وسطح عمارة شارع احمد عرابي، وبيت الفيل في حارة الزير المعلّق.
عبده من أوائل من تعرّفت عليهم على قهوة إيزافيتش، وقاده تعليمه الأزهري للالتحاق بكلية اللغات والترجمة التابعة لجامعة الأزهر ، وأيامها كان يسكن في حجرة في شقة أم محمد بجوار حديقة المريلاند بمصر الجديدة، ولم يكن ضروريا، كما أتذكر، أن تدخل الحجرة عبر الشقة، فهناك شرفة صغيرة في الدور الأول، وبقفزة واحدة تصبح داخل الحجرة . عبده كريم جدا، وكثيرا ماشهدت تلك الحجرة أعدادا تفوق طاقتها على الاحتمال وتبرم وثرثرة أم محمد التي تجلس في برج المراقبة في الصالة طوال الوقت.
أتذكر أنني أمضيت عنده ليال عديدة بصحبة يحي الطاهر عبد الله وخليل فاضل وعلي كلفت، وفي الصباح كان عبده هو أول من يستيقظ ليعد لك الحلبة باللبن والفايش الذي لايمكن للواحد أن ينسى إلى أي حد كان شهيا.
ظلت بيوت عبده مفتوحة لأصدقائه على مدى عدة عقود، وهو واحد من أمهر الطباخين وأكثرهم قدرة على إعداد الولائم بمفرده. وعلى قهوة إيزافيتش قرأت قصصه الأولى الفاتنة مثل ضؤ مصباح الغاز ودحرجة الأحجار في الحديقة والأمواج، وقصة أخرى نسيت عنوانها عن زوجين عائدين بعد أن دفنا ابنهما.. وغيرها وغيرها فهو قصاص مهم ومؤثر وساحر. كنا ننشر معا في المساء سواء عند عبد الفتاح الجمل، أو عند فاروق منيب خلال الشهور القليلة التي أمضاها الجمل في الأخبار قبل أن يفرّ عائدا إلى المساء.ثم توثقت علاقتنا أكثر عندما سكنا معا متجاورين تقريبا في الهرم، وكان بيت عبده ملاذا للعشرات بلا أي مبالغة، سواء إقامة دائمة أو مؤقتة، والحقيقة أن تلك كانت ملامح أساسية للمرحلة، فلا شئ يخص أحدا بالحدة التي يمكن تصورها، ونحن لانتبادل الكتب وحدها، بل نتبادل القروش والزاد والنميمة ومن الطبيعي أن تنفق مامعك ولاحساب بين الناس.
بالمناسبة عبده صعيدي من إسنا وهو إبن أحد مشايخ الأزهر الكبار، لكن الكتابة اختطفته مبكرا، وسرعان مابدأ يتكاسل عن التردد على المعهد الذي يدرس فيه، ثم استهوته الصحافة، وفجأة قرر في أوائل السبعينات السفر إلى بيروت ليتعلم على يد الأسطوات الكبار. بالمناسبة أيضا ولمن لايعرف عبده أحد أسطوات الصحافة .. جورنالجي شاطر وديسكمان لايشق له غبار ، وعمل فترات متقطعة في المصور والهلال وكل الناس وكان العمود الأساسي لمجلة القاهرة عندما تولاها غالي شكري وأصدرت أعدادا أسطورية.
عبده صديقي طبعا، لكنني لاأمتدحه هنا ، بل أتحدث عن حقائق موجودة ماتزال ،فقد أمضى، على سبيل المثال نحو عشر سنوات متواصلة كأحد مديري تحرير جريدة القبس، وكان يحرر وحده- أكرر وحده - ملحقا يوميا من اثنتي عشرة صفحة.
وفي الوقت نفسه أصدر عددا من الروايات المهمة بدءا من فارس على حصان من الخشب ثم تحريك القلب وسبيل الشخص ومواعيد الذهاب إلى أخر الليل وغيرها من المجموعات القصصية.
أما بيروت فقد أمضى بها وقتا لابأس به وتعلّم على يد أسطواتها ، ثم عاد بصحبة زوجته الأولى الإيرلندية السيدة جين، التي شقت لنفسها طريقا من المودة والمحبة في كل بيوت أصدقاء عبده التي دخلتها، كما فتحت بيتها أيضا لأصدقاء عبده لسنوات وسنوات في الدور الأخير في بناية عتيقة في السيدة زينب .. وتلك قصة أخرى سأستكملها في العدد القادم إذا امتد الأجل..



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى