أ. د. عادل الأسطة - ربيع فلسطيني دافعه الأسعار

انسحب الإسرائيليون من المدن، فلم يعد أبناؤها ينتفضون على الاحتلال. هل احتججنا، ذات نهار، على الاحتلال لسبب اقتصادي؟ في بداية الاحتلال كثر الرزق، فسبّحنا بحمد الاحتلال، وأكلنا الدجاج ولبسنا الملابس الأنيقة، وغدت أوضاع الفقراء، لسنوات، عال العال. هل كانت فدوى طوقان وعبد اللطيف عقل الوحيدين المستاءين من أيام السبت، حيث العمال يتسوقون، وينفقون من كسبهم الوفير؟ وهل كان فوزي البكري هو الشاعر الوحيد الذي رد على فدوى طوقان، يدافع عن العمال، لأن الشاعرة المنحدرة من أصول برجوازية استاءت مما آلت إليه الأمور؟ ربما يجب إعادة قراءة رواية "الصبار" لسحر خليفة، فهي خير شاهد على تلك المرحلة، كما أن قصائد الشعراء الثلاثة المذكورة أسماؤهم تعد شاهداً على تعدد وجهات النظر بشأن ما كان سائداً في 70 ق 20.
إن لم تخني الذاكرة فقد أضرب التجار، ضد الاحتلال، حين فرض هذا ضريبة القيمة الإضافية. امتنع التجار عن دفعها، ثم سرعان ما بدؤوا يضعفون فدفعوا ما عليهم من مبالغ. ولخليل السواحري القاص المقدسي مجموعة قصصية عنوانها "مقهى الباشورة" (1969). يأتي فيها على حياة الناس في القدس بعد العام 1967. المعلم أبو بلطة تحسنت أحواله فسبّح بحمد الاحتلال ولم يستمع، في البداية، إلى رأي الأستاذ الذي قال له: إن الاحتلال، مثل الفجل، أوله منافع وآخره مدافع. هل كان اتفاق (أوسلو)، أيضاً، مثل الفجل؟ الآن نصغي إلى الحديث عن اتفاقية (باريس) كما لم نكن نصغي من قبل، ويبدو أن زمن المدافع بدأ، فقد ولّى زمن المنافع، وها هي الأسعار تشتعل، وها هم المواطنون يتظاهرون ضد السلطة، ممثلة برئيس وزرائها د. سلام فياض، وقلة قليلة هي التي تتظاهر ضد الاحتلال، أيام الجمع في بؤر محددة.
أنا، والحمد لله، دخلي مرتفع، وأنا وحيد، وكما يقول المثل: يدي في الماء، لا في النار، وهكذا أنفق عن سعة، علماً أنني أعيش عيشة زهاد، لا رغبة في أن أكون صوفياً: يلبس الخشن ويأكل الرز، وإنما لأن مرض السكر يتطلب الحمية. الخميس، مثلاً، أخذت أكتب على صفحة الـ (فيس بوك) الخاصة بي كتابة ساخرة، أقترح من خلالها طرقاً لمكافحة غلاء الأسعار. اقترحت أن نصاب كلنا بالسكري، فنمارس الحمية، وتصغر معدنا، فلا نستهلك الخبز والسكر والحلوى والفاكهة واللحم الضأن إلاّ بمقدار. السكري الذي يحتاج إلى علاج ودواء، يصبح علاجاً ودواء لأزمة ارتفاع الأسعار، فلا نحتج ونتظاهر ضد السيد رئيس الوزراء.
اقترحت مثلاً، أن تشكل كل مدينة فصائل عديدة بعدد الدول العربية، حتى تقبض منها، فتؤيدها وتؤيد سياساتها. والشيء ذاته تفعله مدينة أخرى، ولكن لا تتبع الدول العربية، وإنما تتجه مباشرة إلى أميركا أو أوروبا.
في أثناء الإصغاء إلى المذياع، قبل أيام، تحدث أحد الأشخاص عن عدد الوزراء في الدولتين العتيدتين: رام الله وغزة. هل قال إن عددهم يبلغ 300 وزير؟ أكثر هؤلاء الوزراء كان وزيراً لمدة شهر أو شهرين أو نصف سنة، وعاد إلى عمله في هذه الجامعة أو تلك، في هذه المؤسسة أو تلك، وهو الآن يتقاضى راتب وزير متقاعد، وراتباً من الجامعة أو المؤسسة التي يعمل فيها. كم من موظف في السلطة يعمل في وظيفتين، وهناك أربعون في المائة من أبناء شعبنا بلا وظائف أو عمل؟
أطرف ما سمعته هو أن أحد المواطنين يشكو، فلديه خمسة عشر ولداً وبنتاً. كم يبلغ متوسط أفراد العائلة لدينا؟ لي قريب يعمل سائقاً ولديه ثلاث بنات والرابع على الطريق، ويتقاضى خمسين شيكلاً في اليوم، وحين أقول له: كفى أو نظّم النسل يقول لي: الرزق على الله.
هل د. سلام فياض هو الوحيد المسؤول عن أوضاعنا الاقتصادية؟ لو نظر كل واحد فينا في من حوله، ولاحظ تصرفاتنا في الإنفاق، فهل سيظل مصرّاً على أن رئيس الوزراء هو المسؤول الوحيد؟
لو كنت محل د. سلام فياض لطلبت من أبناء شعبي الترشيد في الإنفاق، ولطلبت من الوزراء المتقاعدين، ممن عادوا إلى وظائفهم أن يقبلوا، برضى، التنازل عن راتب وزير متقاعد، ولطلبت من وكلاء الوزارات الذين ينحدر أكثرهم من فصائل كانت تقاوم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه: مناضلين بسطاء يرضون بسيارات عادية، لا سيارات فارهة حديثة موديل العام الحالي، ولطلبت، أيضاً، منهم أن يتنازلوا عما يسمى (نثريات) في أثناء حِلِّهم وترحالهم، فلا يبيتون في فنادق خمسة نجوم ـ أكثرهم يبيت عند أقاربه في عمان ويقول إنه نزل في فندق يليق بمقامه، والله أعلم.
أنا مواطن عادي لم تتغير أحوالي ولم تتبدل كثيراً، ما زلت أركب الحافلات العمومية وأقطن في شقة متواضعة، وحين أزور عمان أنزل في فندق (الميرلاند) باثنين وعشرين ديناراً لليلة الواحدة. لم أسجن فآخذ راتب سجين، ولم أَغْدُ وكيل وزارة أو وزيراً، فآخذ راتب وزير، وراتبي يمكنني من اقتناء سيارة وتوظيف سائق، ولكنني أُفضّل حياة متواضعة، وأحياناً كثيرة أبدو موضع تعجب، فلا يروق تصرفي لكثيرين من معارفي وأقاربي الذين يحصلون على راتب لا يزيد على ثلث راتبي، ومع ذلك فإنهم يتصرفون تصرفات ابن الطبقة البرجوازية.
هل د. سلام فياض هو الوحيد المسؤول عن الأزمة الاقتصادية؟ لا أدافع عن الرجل، فلم ألتق به، ولست من أنصاره، ولكني أرى أن الثوريين القدامى، أيضاً، مسؤولون عما يعاني منه شعبنا، وأن أكثر أبناء شعبنا، أيضاً، مسؤولون. وأعتذر فلعلّني المسؤول الوحيد. أحياناً كثيرة أكون على خطأ.

أ. د. عادل الأسطة
2012-09-09


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى