أ. د. عادل الأسطة - للحقيقة وجهان والثلج أسود : (حول ترجمة مقال لي إلى العبرية)

"للحقيقة وجهان والثلج أسود" ( محمود درويش ، أحد عشر كوكبا ) . وما أكتبه غالبا ما يحتمل أكثر من قراءة ؛ فتارة أنا كاتب بسيط وطورا أنا كاتب ماكر خبيث ، وكم أرهقتني القراءات حتى إنني غالبا ما أتذكر شكوى محمود درويش في مقطوعته " إلى ناقد " ( حالة حصار / 2002 ) حيث يعبر عن قلقه وانزعاجه من تأويل الناقد لشعره :
" يحاصرني في المنام كلامي ،
كلامي الذي لم أقله ،
ويكتبني ثم يتركني باحثا
عن بقايا منامي " ( ص25 ) .
لم يهتم النقاد ولا دور النشر بنصوصي ولم يحتفلوا بها ، وربما أبالغ في الموازنة ، ولكني على يقين من أن نصوصي نصوص إشكالية مثل كاتبها ، ولا أبالغ حين أكتب أن نص " ليل الضفة الطويل " أدرج مرة على موقع روسي يهتم بالأدب العالمي وقريء آلاف القراءات وكتب عنه أنه من روائع الأدب السياسي كما كتب عن رواية " الوطن عندما يخون " في موقع آخر .
ما سبب هذا التمهيد النرجسي ؟
في الأسبوع الماضي لفت مقالي " فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 " ( الأيام الفلسطينية 21 تشرين الأول ) انتباه مؤسسة ( فان لير ) في القدس ومركز الإعلام في الناصرة ونقله إلى العبرية ( يوفال ابراهام ) ونشرته ( يديعوت احرونوت ) على موقعها الإلكتروني .
الروائي سهيل كيوان الذي ورد ، في المقال ، اسمه وروايته " بلد المنحوس " لفت انتباهي إلى الترجمة والنشر ، وأشرت إلى الأمر إشارة عابرة تارة وساخرة طورا ؛ عابرة للفت الأنظار وساخرة لأقول لمن ينتقص من شأننا ، ممن لا شأن في الثقافة له ، إن لنا إسهاماتنا التي لا تنكر .
أقر وأعترف بأنني دارس أكاديمي أسعى ، منذ أخذت أكتب الدكتوراه ، لأن أكون موضوعيا ، وفي سعيي يمكن أن أترك أثرا إيجابيا فاعلا ومؤثرا يخدم القضية الفلسطينية ، ولا أنكر فلسطينيتي إطلاقا حين أقول الحقيقة ، حتى لو بدوت محايدا وباردا في مشاعري الوطنية .
والصحيح أنني تابعت على صفحة ال ( فيس بوك ) ردود أفعال القراء إزاء الموضوع وهي تتراوح بين مبد إعجابه ومؤول تأويلا فيه قدر من المكر والخبث .
صاحب تعليق ذهب إلى أن المقالة / الدراسة إنما ترجمت لأنها تخدم الرواية الإسرائيلية .
ولمن لا يعرف الموضوع أوجز :
كنت كتبت أن دراساتنا العربية والفلسطينية للرواية الفلسطينية قبل العام 1948 تعاني من نقص ، وأن بعض الدارسين الإسرائيليين قدموا لنا تعريفا ببعض رواياتنا يسد النقص في هذا الجانب .
وكلامي موضوعي ومحايد ويقول الحقيقة ، ولكني عزوت الأمر إلى نكبة فلسطين في 1948 .
وجهة نظري واضحة وصريحة .
هجر الفلسطينيون من بلادهم وتركوا خلفهم بيوتهم ومكتباتهم ، وحين أخذ قسم منهم ، في المنفى ، يدرس أدبياتنا قبل النكبة لم يتمكن من الحصول عليها ، وحصل عليها من سلب البيوت ومكتباتها - هنا طبعا الدولة الإسرائيلية .
كيف يمكن أن يقرأ ما سبق ؟
إنما الأعمال بالنيات ، وكان الناقد اللبناني ميخائيل نعيمة في كتابه " الغربال " ، في مقالته " الغربلة " دعا إلى محاسبة الناقد على نياته ، ونيتي هي الوقوف على الظاهرة وتبيان الحقيقة وقولها .
هل خدمت كتابتي حقا الطرف الآخر الإسرائيلي ولهذا تمت ترجمة المقالة ؟
لا أعتقد أنني خدمت الرواية الإسرائيلية قدر ما أدنتها ، فالإسرائيليون مسؤولون عن شتاتنا وما نجم عنه ، وفقدان المكتبات ، وتوفرها للدارس الإسرائيلي لا للدارس الفلسطيني ، ما كان ليتم لولا قيام الدولة الإسرائيلية . ولا أدري إن كانت الكتابة التي ترد فيها الإشارة إلى تشريد شعب وسلب بيوته وكتبه ودراسة الأدباء الإسرائيليين لأدبنا تعد كتابة تخدم الرواية الإسرائيلية ؟!
منذ عام كنت اقرأ في كتابي ( هلل كوهين ) " جيش الظل " و " العرب الصالحون " ورغبت في أن أكتب عما ورد فيهما ثم ترددت . الصورة التي يبرزها الكتابان للفلسطينيين بعضهم ليست إيجابية ، ولو عرضت للكتابين لقيل : إنني اتبنى الرواية الإسرائيلية ، علما بأن ( كوهين ) شيوعي ويظهر صورة سلبية للحركة الصهيونية أيضا .
وأنا أقرأ الكتابين استحضرت الأدبيات الفلسطينية التي كتبها ابراهيم طوقان واميل حبيبي ومحمد نفاع ، بل وغسان كنفاني أحيانا .
يعد ابراهيم طوقان من أهم الأصوات الأدبية الفلسطينية التي كتبت عن الفدائي والزعيم والسمسار في الوقت نفسه ، وكتب أيضا مهاجما باعة الأراضي ، و لا أظن أنه وهو يبرز الصورة السلبية للزعيم والسمسار رمى إلى الإساءة إلى شعبه . وأنا أقرأ " جيش الظل " ل ( كوهين ) لطالما تذكرت قصائد ابراهيم .
بعد 1948 كتب اميل حبيبي في " المتشائل " عن الفلسطيني المتعاون الذي خدم الدولة الإسرائيلية . إن ما كتبه يرد شبيه له في كتاب ( هلل ) الثاني " العرب الصالحون " وفي إحدى قصص محمد نفاع " التفاحة النهرية " قصة عنوانها " المخبر . ن " ، بل ، وفي قصة مبكرة لغسان كنفاني هي قصة " درب إلى خائن " .
بم يمكن ان ننعت حين نكتب عن كتابي ( كوهين ) ؟ وبم أيضا نوصف حين نكتب عن طوقان واميل حبيبي ومحمد نفاع ، بل وغسان كنفاني ؟
وإذا عدت إلى الروايات الثلاث التي ورد ذكرها في المقال واستنطقتها ، فهل يخدم ذكرها الرواية الإسرائيلية ؟
حقا ماذا لو التفت الإسرائيليون إلى الروايات الثلاثة التي أشرت إليها وفكروا في ترجمتها ؟
أغلب الظن أنهم قد يندمون لترجمة المقال لأن الروايات تصلح لأن تدرس تحت عنوان أختاره غالبا لمقالاتي ودراساتي وهو : " الأدب الفلسطيني ودحض المزاعم الصهيونية / الرواية الصهيونية " .
يكتب علاء حليحل عن فلسطينيين قاوموا ( بونابرت ) ، ومع أن الرواية لا تخلو من حضور اليهود فيها ، إلا أن الصورة ليست مشرقة ، ويكتب إياد برغوثي عن عكا حضارية في سنوات 40 القرن 20 ، ومثله سهيل كيوان الذي يكتب عن مدينة فلسطينية مولعة بالفن والغناء والموسيقى تتعرض بسبب المشروع الصهيوني إلى مدينة بائسة وموحشة ، تماما كما تعرضت إلى مدينة مدمرة تعاني من الأمراض ابان حصار ( بونابرت ) لها .
للحقيقة وجهان والثلج أسود والموضوع يطول .
ملاحظة
( بعد كتابة هذا المقال ونشره في جريدة الأيام الفلسطينية عرفت من القاص توفيق فياض أنه كتب قصة " المخبر " ونشرها في مجلة " الجديد " باسم مستعار هو إياد أحمد ، وقد قرأتها وهي أول قصة قصيرة بعد 1967 تأتي على ظاهرة الجواسيس التي ستكثر لاحقا في الأدب الفلسطيني ، بخاصة ما كتبه السجناء ) .
التعديل تم السبت 12 كانون الثاني 2019 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى