. د. عادل الأسطة - الزعامة الفلسطينية في النص الأدبي ما بين إبراهيم طوقان وغسان كنفاني والمتوكل طه

يحاول الدارس، في هذه المقاربة، أن يبرز صورة الزعامة الفلسطينية في نصوص شاعرين وروائي، ينتمون إلى فترات زمنية مختلفة، فطوقان عاش ما بين 1905 و 1941، وكنفاني عاش ما بين 1936و 1972، وأما المتوكل طه فقد ولد في العام 1958 وما زال على قيد الحياة. وكتب الأول الشعر والثاني القصة والرواية والمسرحية والثالث الشعر. انتمى الأول إلى بلاده كلها، كما قال في شعره:
إن قلبي لبلادي لا لحزب أو زعيم (1)
وانتمى الثاني إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان ناطقا باسمها، ومديراً لتحرير مجلتها "الهدف"، واغتالته المخابرات الإسرائيلية باعتباره رمزا بارزا مميزا من رموزها، وأما الثالث فقد انتمى إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وكان مقربا من الرئيس ياسر عرفات لدرجة أنه اعتبره أبا له، وغالبا ما كان يخاطبه بـ يا أبي أو بـ يا والدي.

إشارات:
تبدو مقاربة موضوع كهذا أمراً شائكا، ولا أعتقد أن قراءة النص وحده يمكن أن تؤدي إلى نتائج يطمئن المرء إليها، ذلك أن النص وحده يمكن أن يكون حمّال أوجه وقابلا لتأويلات عديدة. وتبدو مقاربته-أي الموضوع- اعتماداً على نصوص أدباء بعينهم أيضا، أمرا أكثر صعوبة وخطورة، ذلك أن المرء هنا يمكن أن يُقصي نصوصاً، وأن يستحضر أخرى، وهكذا يمكن أن يبرز للزعيم/ الزعامة الصورة التي يريد هو، لا الصورة المتعددة المتنوعة التي قد تبرز، لو درس الدارس النصوص كلها. فما لاشك فيه أن أي زعيم من الزعماء له مادحوه وله أيضا قادحوه، له محبوه وله كارهوه، له المقربون منه الذين يستفيدون منه، وله أعداؤه السياسيون الذين تكون مصالحهم مع زعيم آخر. وربما يستحضر المرء هنا مقولة ماركسية مهمة في أثناء دراسة الأدب، وبخاصة في أثناء دراسة موضوع كهذا، وهي مقولة الموقع والموقف، تردفُها مقولة أخرى مهمة أتى عليها دارسو الأدب الذين يدرسون صلته بالمجتمع، وهي أن الأدباء- وقد ينتمي قسم منهم إلى فئات فقيرة-غالبا ما يضعون أقلامهم تحت تصرف الفئات التي تملك المال والقرار السياسي (2)، وبالتالي فإن ما يقولونه شعراً وما يكتبونه نثراً، أدبيا أو سياسيا، يكون محكوما بصلتهم بمن يدفع لهم. ولا يعني هذا أن الكتاب كلهم متساوون، فثمة من يرفض أن يوظف قلمه إلا لخدمة آرائه ومواقفه التي يقتنع بها ويؤمن بها إيمانا لا يزعزعه المال أو المنصب أو الخوف.

واستحضاراً لمقولات فلاسفة ولموضوعي المديح والهجاء في الشعر العربي منذ الجاهلية حتى الجواهري، وربما حتى اللحظة، يمكن القول أن أكثر الشعراء كانوا يمالئون وينافقون، وأقلهم من مدح أو هجا؛ مديحا صادقاً، وهجاءً نابعا من قناعاته، لا يحركه العطاء أو المنع. هكذا وضع (أفلاطون) في كتابه "الجمهورية" الشعراء في مرتبة متأخرة، لدرجة أنه كاد يطردهم من الجمهورية الفاضلة. وهكذا بدت قصيدة المديح في الشعر العربي، منذ النابغة الذبياني وحتى الجواهري، قصيدة واحدة يقول فيها الشاعر ما يطرب الممدوح لسماعه، حتى لو لم يكن فيه، وهكذا أيضا بدت قصيدة الهجاء. كان الشاعر، غالبا، ما يضفي على الممدوح الصفات التي ينبغي أن تكون فيه، لا التي فيه. وكان يهجو من يريد هجاءه بما ينفر الآخرين منه، حتى لو لم تكن هذه الصفات فيه. ويمكن اعتبار المتنبي نموذجا جيداً لهؤلاء الشعراء، وإن كان ثمة اختلاف ما بين مديحه لأمير ولآخر، لقناعته بواحد وعدم قناعته بالثاني. مدح المتنبي سيف الدولة، وحين اختلف معه عاتبه ولم يهجُه. ومدح كافور الأخشيدي، وظل يتحين الفرص حتى يتركه ليهجوه بصفات تقول لنا كتب التاريخ إنها لم تكن موجودة فيه. فصورة كافور في شعر المتنبي سلبية وكريهة ومنفرة ومضحكة، وهي ليست كذلك في كتب التاريخ (3). حقا إنه لم يكن فارساً شجاعاً حارب أعداء المسلمين كما حارب سيف الدولة أعداءه الروم، إلا أنه لم يكن، كما تقول كتب التاريخ، كما بدا عليه في أشعار المتنبي. وهكذا يمكن القول إن الصورة التي تبرزها النصوص الأدبية ليست صورة ملزمة، لأنها تتأثر بالعواطف والمشاعر والمواقف التي يكون عليها الكاتب/ الشاعر، وهي عواطف ومشاعر ومواقف قد تكون إيجابية أزاء الشخص المكتوب عنه، وقد تكون سلبية. ويبدو التأكد من صدق الصورة وعدمها، إذا أمكن ذلك، أمرا صعبا، ولا بد والحالة هذه من التوقف أمام صورة الزعيم مثلا، في الكتابات السياسية التي قد تتعدد وتختلف، وتحديد موقف منها ابتداءً، لتحديد موقف من الصورة التي يبرزها الأديب له. وهنا أيضا لابدّ من أن نحدد، دارسين، موقفا من الزعيم وآخر من الشاعر/ الكاتب، وتكون الصورة التي نبرزها نحن، هنا، محكومة برؤانا، وهي صورة قد يبرز دارس آخر، يختلف في رؤيته معنا، صورة مغايرة لها.

اعتماداً على هذا كله لن تكون الصورة التي نبرزها لهذا الزعيم أو ذاك صحيحة بالضرورة، لأنها محكومة بمواقف صاحبها، وقد تتفق مواقفنا معه وقد تختلف، وقد يتفق تقييمنا لدور صاحبها مع مبرز الصورة وقد يختلف. ونظرا لذلك فسوف أبرز الصورة التي برزت في نصوص هؤلاء الأدباء الثلاثة، مع إشارات أحيانا إلى نصوص أدباء آخرين، محاولا ما أمكن إلقاء الضوء على سبب بروز هذه الصورة، موضحا إن كانت صحيحة، أو إن كانت العواطف والمواقع سبب حضورها.

صورة الزعامة في ثورة 1936 وما بعدها:
انتهى الحكم التركي لبلاد الشام مع نهاية الحرب العالمية الأولى وحلّ محله الانتدابان البريطاني والفرنسي. وكان الانتداب البريطاني من نصيب فلسطين والأردن، هذا الانتداب الذي آلت نهايته إلى نكبة العام 1948، بعد أن أصدر وعد بلفور في العام 1917، مانحا بموجبه فلسطين لليهود.
وقد ثار الفلسطينيون ضد الانتداب والهجرات اليهودية مراراً، وإذا كان الثوار الفلسطينيون قاوموا، فإن الزعامة الفلسطينية كانت تلجأ إلى مفاوضة الانتداب آملة أن تجد من خلال المفاوضات حلاً للهجرات اليهودية وللحيلولة دون تشريد سكان فلسطين. وهذا ما لم يرق لأبرز شعراء تلك المرحلة: إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، بل ولبعض الأدباء الشعبيين ممن كتبوا قصائد ذائعة في رثاء بعض الأبطال الشعبيين.
في عام 1936 نشر أبو سلمى قصيدته "لهب القصيد" التي مطلعها:

انشر على لهب القصيد شكوى العبيد إلى العبيد (4)​
وفيها يصبّ جام غضبه على الزعامة العربية التي لم تكن لتفعل ما يتمنى هو أن تفعله. وقد أتى أبو سلمى في قصيدته على الزعماء العرب، في حينه، واحداً واحداً، وسخر منهم سخرية مرة، تماما كما هجا الإنجليز كافراً بهم:
لن تطهر الدنيا وفيها الإنجليز على صعيد
لو كان ربي إنجليزيا دعوت إلى الجحود​
ولا يظهر في نصه أي تصور إيجابي للزعامة العربية، ولكن الصورة الإيجابية تظهر لقادة الثورة في حينه، وقد ذكرهم بالاسم:
أيه ملوكَ العرب لا كنتم ملوكاً في الوجود
...............
قوموا انظروا القسّام" يشرق نوره فوق الصرود
يوحي إلى الدنيا ومَنْ فيها بأسرار الخلود​
قوموا انظروا فرحان فوق جبينه أثر السجود
يمشي إلى جبل الشهادة صائما مشي الأسود
سبعون عاماًُ في سبيل الله والحق التليد

إن القسّام والسعدي هنا لا يمثلان القيادة التقليدية، وإنما هما ثائران لا يبحثان عن منصب. إن مكانهما هو الجبال والأحراش لا المكاتب. وفعلهما هو مقاومة الانتداب والاستيطان، لا مفاوضة الإنجليز وحضور الاحتفالات.

وإذا كان أبو سلمى أبرز صورة سلبية للزعامة العربية، فإن إبراهيم طوقان يبرز الصورة إياها للزعامة الفلسطينية. وطوقان هو ابن أسرة برجوازية فلسطينية، لكنه نال حظا من التعليم، حيث درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولم يكن ليوالي حزبا معينا. كان ولاؤه لبلاده فلسطين، وهو ما عبّر عنه بوضوح:
إنّ قلبي لبلادي لا لحزب أو زعيم
لم أبعه لشقيق أو صديق لي حميم
....
غايتي خدمة قومي بشقائي أو نعيمي (5)​

ولمّا كان ينظر في سلوك زعماء بلاده، فإنه أتى على هذا في نصوصه، ولقد هجاهم طوقان وسخر منهم، لأن ولاءهم ليس لبلادهم، قدر ما هو لمصالحهم الشخصية، ولأن وعيهم السياسي وعيٌ بائس فقير، فجّل الانتصارات لديهم هي التي يحققونها حين يظفرون بهذا المجلس البلدي أو ذاك، في حين كان الوطن يطير من بين أيدي أهله. كتب طوقان في الزعامة قائلا:
انتم (المخلصون) للوطنية أنتم الحاملون عبء القضية!!
أنتم العاملون من غير قولٍ بارك الله في الزنود القويّة!!​
و (بيان) منكم يعادلُ جيشا بمعدّات زحفه الحربية
و (اجتماع) منكم يردّ علينا غابَر المجد من فتوح أميّة
وخلاص البلاد صار على الباب وجاءت أعياده الوردية
ما جحدنا (أفضالكم)، غير أنّا لم تزل في نفوسنا أمنيّة:
في يدينا بقية من بلاد... فاستريحوا كيلا تطير البقية (6).​

وإذا كانت السخرية هي أن تقول شيئاً وتقصد عكسه، فإنّ طوقان هنا يسخر من هؤلاء، ولا يترك لنا مجالاً للشك في أنه يسخر. إنه يفصح عن قصده في البيت الأخير، حين يطلب من الزعماء أن يستريحوا لعل ما تبقى من وطن، ضاع أكثره في عهدهم، يتبقى لأهله.
ويركز طوقان على الصورة السلبية للزعامة الفلسطينية في زمنه، حين يقارن بينهم وبين زعماء عالميين كانت صورتهم لديه إيجابية إن زعماء بلاده عصبة دلالين لا يتقون فيه الله، وهم لا يعرفون سوى القول حيث يؤخذ به ابن البلاد:
فإلى متى يا ابن البلاد وأنت تؤخذ بالحماسة​
وإلى متى (زعماء) قومك يخلبونك بالكياسة
ولكم أحطنا خائنا منهم بهالات القداسة
ولكم أضاع حقوقنا الرّجل الموّكل بالحراسة (7)​
أين هؤلاء الزعماء من (غاندي) الزعيم الهندي، أو من جماعة (السّار) الألمانية الذين يتفانون في الإخلاص للبلاد. يذكر طوقان (غاندي) فيقول:
حبّذا لو يصوم منّا زعيم مثل (غندي) عسى يفيد صيامُه
لا يصم عن طعامه... في فلسطين يموت الزعيم لولا طعامُه (8)​
إنّ الزعامة هي التي أضاعت القضية. هكذا يقول طوقان في قصيدة "القدس" التي يقول فيها أيضا أنّ الناشئة جاءت تدافع عن القضية وتحييها بأرواحها، آملةً أن تجد ذا ثقة، ولكنها ما وجدت سوى زعامات تضرم الأحقاد، فوق البلاد، وتذكيها، غير مبالية بإلقاء كرام الناس حطباً لها.
دار الزعامة والأحزاب كان لنا قضيّةٌ فيك، ضيّعنا أمانيها
..................
ولا أفادت سوى الأحقادِ تُضرمُها فوق البلاد (زعاماتٌ) وتذكيها (9)​
صورة الزعامة في أشعار طوقان صورة سلبية كما نرى، ويحمل طوقان هؤلاء الزعماء المسؤولية عن ضياع الوطن واختصاره إلى بلدية يتقاتلون من أجل الظفر بمنصب رئيسها:
هزلت قضيتكم فلا لحمٌ هناك ولا دمُ
...........
ضمرت إلى بلدية فيها العدا تتحكمُ (10)​
ربما يجدر هنا التوقف قليلا أمام صورة الزعيم في رواية اسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" (1943)، على الرغم من أنها لم تنجز أبان ثورة 1936-1939، فتاريخ صدورها يزيد أربع سنوات على تاريخ انتهاء ثورة 1936.
واسحق موسى الحسيني هو ابن الطبقة البرجوازية الفلسطينية التي قاد أفرادها النضال الفلسطيني، وعلى رأس هؤلاء الحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني. إنه مثل إبراهيم طوقان ينتمي إلى طبقة كان لها دورها في قيادة الشعب، ولكنه يختلف عنه في أنه لم يبرز للزعيم تلك الصورة السلبية التي أبرزها طوقان الذي رحل قبل عامين من تاريخ صدور رواية الحسيني.
ما يجدر ذكره، ابتداءً، أن رواية الحسيني رواية تجري على لسان الحيوان. وهي في أسلوبها لا تبتعد كثيراً عن كتاب عبد الله بن المقفع "كليلة ودمنة". وقد أثارت الرواية جدلاً كبيراً بين الدارسين حول بعدها الرمزي، ما جعل اسحق موسى الحسيني، حين قرأ بعض التأويلات التي لم ترق له، ينفي أن تكون رواية ذات أبعاد رمزية، وكان أشار في التصدير الذي برز في طبعتها الأولى إلى أن عنصر الخيال فيها ضئيل "وهو لا يعدو أن يكون تعليقا على هامش الحياة أو تحليقا في عالم المثل العليا".
الدجاجة التي تقص، ويقف وراءها الحسيني، تبدو في نظر طه حسين، دجاجة حكيمة ترفض العنف وتلجأ إلى الإصلاح، حتى لو أدى ذلك إلى التنازل عن المكان لصالح من لا يملكه ممن جاؤوا من عالم آخر، عالم غريب، وإن اختلف نقاد كثر حول سلوكها، ورأوا فيها دجاجة خانعة تخون القضية الفلسطينية، حين تتطلب من الزعيم وأتباعه نبذ العنف وترك المكان وإصلاح العالم أولا، لتحل من ثمّ قضيتها. ترسم الدجاجة للزعيم الصورة التالية:
" فإن حبّي للزعيم من نوع آخر...... أهو إعجاب بعقله الراجح وشجاعته النادرة؟ أهو تقدير لما يتحلى به من جمال الصورة، وبهاء الطلعة، ورشاقة الحركة؟ أهو تأثر بفعل ما في عينيه من بريق نافذ ونظرات ساحرات؟ الحق لا أدري". (11)

وتتابع وصفه:
"لقد عرفته في أول الأمر جملة، فرأيته واحداً من أولئك الأعزاء الذين احتضنتهم وأوقفت عليهم جميع أفكاري وآمالي. ثم حينما أجبته صرت أعرفه جزءاً جزءاً، أنظر إلى عينيه فأراهما كوكبين ساطعين ذَوَي إشعاع يملأ الدنيا نوراً وسناءً. وانظر إلى فمه فأرى خلاصة العاج قد استدق وملس وسوِّي في أجمل صورة. وأنظر إلى عنقه فأرى غصنا رطيبا كساه ورقُ المنثور، وعطّره أريج الياسمين. وانظر إلى قدميه فأرى حَبْك الجواشن ركبت غصني ورد أرجواني اللون. وأستمع إلى صوته فأسمع أعذب الألحان تنبعث من قيثارة داود. كل شيء فيه وكل شيء منه يوحي إليّ بأجمل ما وقعت عليه عيني وسمعت به أذني. وما أشك في أنه يحترمني ويجلّني من أعماق قلبه..(12).
ومن الواضح أن هناك ثمة فارقاً كبيراً بين صورة الزعيم هنا وصورته في أشعار طوقان. إنّ صورة الزعيم هنا تشبه صورته في قصيدة أبي سلمى، وتحديدا حين ذكر القسّام وفرحان السعدي، وإذا كان القسّام قاتل واستشهد، ومثله فرحان، فإن الزعيم في مذكرات دجاجة يود أن يسير على نهجهما، إنه يريد مقارعة الغرباء الذين يريدون احتلال المكان، ولا يحول دون ذلك سوى نصيحة الدجاجة له بأن يحيد عن هذا الطريق ويسلك طريقا آخر هو الإصلاح، حتى لو أدى ذلك إلى تخليه عن مكانه لغيره، وهذا ما يتحقق في نهاية رواية الحسيني، حيث لا يواصل القتال. ولا أدري ماذا كان أبو سلمى سيكتب في القسّام والسعدي لو أنهما نهجا نهج زعيم مذكرات دجاجة. عدا هذا فإن عبد القادر الحسيني، وهو من عائلة اسحق موسى الحسيني، لم يسلك السلوك الذي اقترحته الدجاجة، بل لجأ إلى المقاومة، واستشهد في العام 1948، في معركة القسطل.

ما بين 1948 و 1968: غسان كنفاني نموذجا:
ضاعت فلسطين في العام 1948، وغدت زعاماتها زعامات بلا وطن، أو زعامات في بلاد حملت جنسيتها. ولم يعد، في العلن، ثمة زعامة فلسطينية إلا مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وبرزت، في السّر، زعامة جديدة قادت الثورة التي انطلقت في العام 1965 وقويت واشتدت بعد هزيمة حزيران العام 1967. وكانت هذه الزعامة، الأخيرة، في ريعان شبابها حين حدثت النكبة وضاع الوطن.
في هذه الأثناء كتب غسان كنفاني، الذي ولد في عكا في العام 1936 وغادرها في العام 1948 لاجئا، كتب روايته "رجال في الشمس" (1963) وأتى فيها على مصير الفلسطينيين في المنفى، وأفصح عن قسوة حياتهم بعد فقدانهم أرضهم وتحولهم إلى لاجئين يبحثون عن حلول فردية لمشاكلهم الجديدة، هؤلاء الذين اتجهوا إلى بلدان أخرى هي بلدان النفط، بدلاً من أن يحملوا السلاح ويعودوا إلى بلدهم محررين أرضهم. وتساعدهم القيادة القديمة في سلوكهم هذا، ممثلة في شخصية أبي الخيزران المحارب القديم الذي فقد رجولته في معارك العام 1948، ليتحول بعدها إلى رجل لا همّ له إلا جمع المال.
لقد توقف دارسون كثر أمام هذه الشخصية وأمام الدلالات الرمزية في الرواية، وكان كنفاني نفسه أشار إلى الأبعاد الرمزية في الرواية. فهو الذي أهدى د. إحسان عباس نسخة منها ليقرأها. وقد سأله، فيما بعد، إن لاحظ الدلالات الرمزية فيها، ولمّا نفى عباس ذلك خاب ظن كنفاني لأنه لم يستطع أن يوصل ما يريد إلى القارئ الذي لم ينجح في القراءة الأولى في اكتشاف الأبعاد الرمزية التي توقف أمامها فيما بعد كثيرون ومنهم د. عباس نفسه (13)، وكانت شخصية أبي الخيزران واحدة منها، إذ رأى الدارسون أنه يرمز للقيادات العربية أو القيادات الفلسطينية التي خاضت النضال في حرب العام 1948، ولم تجن سوى الهزيمة، ثم عادت بعد العام نفسه، لتقود الفلسطينيين ممثلين في شخصيات الرواية، من جديد، وكان مآلهم الموت.
الزعامة الفلسطينية، أو العربية، في النص أخفقت دائما، ولا همّ لها إلا مصالحها الخاصة. وهذه الزعامة، كما يبدو في رواية "أم سعد" (1968) لا تخفق وحسب، بل يمكن أن تخون. في الفصل الذي عنوانه "الرسالة التي وصلت بعد 32 سنة" (14) نقرأ عن عبد المولى الذي كان متزعماً لقبيلته في ثورة 1936، ولم يكن يفعل شيئا إلا الكلام. كان الفقراء يقاتلون في الجبال، وكان هو، وزعماء العرب، يفاوضون ويطالبون بوقف الثورة، ما أدى إلى النكبة.
كان فضل الفلاح الفلسطيني يقاتل في الجبال والدماء تنز من قدميه العاريتين، وكان عبد المولى يخطب في الناس الذين كانوا يصفقون له، دون أن يعرفوا انه كان يقتل الثورة ممثلة في فضل الذي لم يلتفت إليه أحد، بخاصة حين جاءت الأوامر من الزعماء العرب بإيقاف الثورة. ويغدو عبد المولى هذا، بعد قيام دولة إسرائيل، نائبا في البرلمان الإسرائيلي.
وكان كنفاني حين كتب روايته هذه ينطلق من منطلق ماركسي، وكان يحلل ثورة 1936، من المنطلق ذاته، وهذا ما بدا واضحا في الرواية وفي كتاب (ثورة 1936) له. الفلاحون ثاروا ودفعوا الثمن، الإقطاعيون كانوا يثرثرون ويقودون الثورة عبر الخطابات، ثم تحول بعض هؤلاء إلى نواب في البرلمان الإسرائيلي. والصورة التي يسترجعها كنفاني للزعامة في ثورة العام 1936 لا تختلف كثيراً عن تلك الصورة التي بدت لهم في قصيدة عبد الكريم الكرمي، المشار إليها آنفا. فالذين عاشوا في الأحراش وفي الجبال غير الذين ظلوا قابعين في قصورهم وفي مكاتبهم. كأنما كنفاني هنا يعيد ما بدا في نص أبي سلمى، وإذا ما قرأنا قصصاً أخرى لكنفاني، وبحثنا فيها عن صورة الزعامة العربية، فإننا نجده يكتب ما كتبه أبو سلمى، وإن بأسلوب مختلف.
وإذا كان كنفاني يقيم في المنفى، وينطلق في كتابته من منطلق قومي- ماركسي/ ماوي، وانحاز بذلك إلى الفقراء، والفلاحين وثمّن نضالهم، وأبرز صورة سلبية للزعامات التقليدية، فماذا يكتب كاتب فلسطيني آخر يقيم في فلسطين تحت الحكم الإسرائيلي، وظل قريبا من الأحزاب الصهيونية الحاكمة، لأنه يعمل في مؤسساتها؛ هنا يمكن أن أشير إشارة عابرة إلى رواية "حب بلا غد" (1962) للكاتب محمود عباسي.(15) ينقد أحد شخوص الرواية، وهو سلامة المشلاوي، القادة الفلسطينيين قبل العام 1948، ويعتبر أحدهم وهو الحاج أمين الحسيني، جاسوساً إنجليزياً، قصد الإنجليز من خلاله تنفيذ سياستهم القائمة على إيقاع الفتنة بين العرب واليهود.
وهذه الصورة للحاج أمين الحسيني تغاير صورة الزعيم في رواية اسحق موسى الحسيني، الزعيم الذي هو، في أغلب الظن، الحاج أمين الحسيني. وصورة الحاج في روايات أخرى أنجزت في انتفاضة العام 1987، مثل رواية أحمد حرب"الجانب الآخر لأرض الميعاد" (1990) تبدو مختلفة عنها في رواية محمود عباسي، ولا يبدو فيها الحاج أمين الذي زار (برلين) أبّان الحكم النازي، لا يبدو فيها جاسوساً إنجليزيا.
وما من شك في أنّ اختلاف صورة الزعيم/ الزعامة، ما بين نص وآخر، يعود إلى عوامل عديدة، كما ذكرت ابتداء. وعلى المرء، وهو يقرأ الأعمال الأدبية، أن يقر بهذا وألا يغفله.

انتفاضة العام 1987 والعام 2000:
المتوكل طه نموذجا:

قبل الخوض في صورة الزعيم في شعر المتوكل طه المنجز في انتفاضتي 1987 و 2000، يجدر الإشارة إلى أنه ليس الكاتب الوحيد الذي أبرز صورة للزعامة الفلسطينية والعربية في نصوصه، فهناك أدباء آخرون كتبوا عن هذا الزعيم أو ذاك، محدد الملامح تارة ومجرداً منها طوراً. والزعيم في نصوص كثيرين قد تختلط بمفردة القائد، على ما بين المفردتين من خلاف، إذ اكتسبت كل واحدة منهما معنى ما، وأغلب الظن أن مفردة زعيم غدت ذات حمولة سلبية، خلافا للكلمة الثانية التي غدت ذات مدلول إيجابي. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن كلمة زعيم استخدمت في الشعر الفلسطيني، منذ زمن طوقان، لتبرز لصاحبها صورة سلبية، بل أنها استخدمت أيضا، في فترات زمنية لاحقة، لتبرز لصاحبها تارة صورة إيجابية، وطوراً صورة سلبية. وكان أن اقترن هذا اللفظ "زعيم" بجمال عبد الناصر، وكان المدلول إيجابيا، كما اقترن بحكام عرب آخرين وكان مدلوله سلبيا، وغالباً ما استخدمت هذه المفردة بصيغة الجمع، وبخاصة بعد هزيمة العام 1967، لتعبر عن شتيمة ناطقها في الغالب للحكام العرب، ولم يختلف نعتهم في بعض الأشعار العربية المعاصرة، كما هو الحال في أشعار مظفر النواب مثلا، عن نعت عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) لهم في القصيدة المذكورة في بداية هذه المقاربة. طبعا علينا ألا نغض الطرف عن شعراء المديح، ومنهم مثلا الجواهري، وما قالوه في الزعماء العرب حيث أبرزوا لهم صورة إيجابية، وهنا مثلا نذكر قصيدتي هذا في الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والملك الأردني الراحل الملك حسين. (16).
وسأقتصر في الكتابة عن الزعامة في نصوص الانتفاضتين الأولى والثانية على زعيم واحد في أشعار شاعر واحد، والزعيم هو الرئيس الراحل ياسر عرفات والشاعر هو المتوكل طه، ولكن قبل تبيان صورة عرفات في أشعار المتوكل أود ان ألفت النظر أيضا إلى أن عرفات كان موضوع قصائد عديدة، قبل الانتفاضة الأولى وفي أثنائها وبعدها، لشعراء معجبين به وآخرين غير معجبين، وبالتالي فإن صورته في النص الأدبي، العربي والفلسطيني، لا تبدو واحدة، ولا تبدو أيضا دائما إيجابية. وربما يجدر تتبع هذه الصورة لدى شعراء عديدين، في مراحل مختلفة، وفي أماكن مختلفة، بل وربما يجدر تتبعها لدى شاعر واحد في مراحل مختلفة، لنلحظ التغيرات التي ألمت بها. وما من شك في أن إنجاز هذا اعتماداً أيضا على دراسة الأوضاع السياسية التي اختلفت نهاياتها عن بداياتها، لدى الشاعر والرئيس معا، يمكن أن يعطي تصوراً أكثر إقناعاً من تبيان الصورة في شعر شاعر واحد، في فترة واحدة.

كتب في عرفات شعراء معروفون، عرب وفلسطينيون، مثل سعدي يوسف الشاعر العراقي (17)، ومحمود درويش الشاعر الفلسطيني (18)، وكتب فيه شعراء معروفون وشعراء غير معروفين، إذ ثمة قصائد مجهولة المؤلف تبرز له صورة سلبية (19)، تماما كما كتب فيه كتاب نثر مؤيدون وآخرون معارضون، بل إننا أحيانا نجد الكاتب الواحد يكتب نصه وهو بعيد عنه- أي عن عرفات- ويكتب نصّه الثاني وهو قريب منه. هنا مثلا يمكن ان أشير إلى القاص والروائي يحيى يخلف، وإلى القاص أحمد زيدان. كتب الأول "نشيد الحياة" (1985) في ذروة الانشقاق الفلسطيني، وجاءت صورة بعض الزعماء/ القادة فيها سلبية، ثم كتب نصا ثانياً، وهو قريب من الرئيس عرفات، وهو نص "تلك الليلة الطويلة" (1992 ط2) وأبرز لعرفات صورة إيجابية. ويختلف عنه أحمد زيدان في بعض قصصه "أوراق الحنظل" (1992) (20)، وبخاصة قصة "النهاية" التي فيها بعض تهكم على طريقة نطق الرئيس.

المتوكل طه والرئيس عرفات:
ولد المتوكل طه في العام 1958، في قلقيلية التي كانت تخضع، في حينه، للحكم الأردني، ونشأ وترعرع فيها، بعد الاحتلال الإسرائيلي لها في العام 1967، ودرس في جامعة بيرزيت، وشارك في أثناء ذلك في النشاط الطلابي، وكان يحسب، على ما أظن، على تنظيم، هو فتح، أسسه الرئيس ياسر عرفات الذي غدا منذ العام 1967 الرئيس الحقيقي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وظل يخوض النضال الفلسطيني حتى وفاته في 11/11/2004، بعد أن حوصر لمدة ثلاثة أعوام من الإسرائيليين. وما بين وعي المتوكل طه على الحياة، ويوم وفاة الرئيس الفلسطيني، ظل الأخير يعيش الحصار، في رام الله. وتوفي دون أن يتنازل للإسرائيليين عما يريدون، وإن كان وقع معهم اتفاقيات سلام جعلت منه، في نظر الفصائل الفلسطينية المختلفة، شخصية إشكالية لها محبوها ولها من يختلفون معها، شخصية أراد الإسرائيليون والأمريكان التخلص منها باعتبارها عقبة في تحقيق ما يتطلعون إليه. يتطابق الموقف السياسي للمتوكل طه إذن مع الموقف السياسي لمؤسس حركة فتح وقائد م.ت.ف. ليس غريبا، إذن، وانطلاقا من المقولة التالية حول النقد الماركسي: " وقد كان النقد الماركسي مع وجه الجملة أقل حساسية من هذا، فقد قنع أن يفسر الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية، أو أن يعلل نزعة الأديب بالنظر إلى موقعه في طبقة ما، او أن يحكم على أثر أدبي أو على أديب حسب الميل الذي يظهره مؤيدا القضية السياسية أو الاقتصادية التي يؤثرها الناقد" (21) ليس غريبا أن يؤيد المتوكل ياسر عرفات ويبرز له صورة إيجابية، ما دام يسير وفق خطه السياسي وينتمي إلى منظمته، فما الصورة التي برزت لعرفات في أشعار المتوكل؟

ويمكن التوقف هنا أمام نصين للشاعر، كتب أولهما في أثناء الانتفاضة الأولى وهو "فضاء الأغنيات" (1989) حين كان يقبع في سجن أنصار، حيث اعتقل إداريا ما بين شباط وآب من العام 1989، وكتب ثانيهما في انتفاضة الأقصى، وهو جزء من ديوان عنوانه "الخروج إلى الحمراء: عن أبي عبد الله الصغير وتسليم غرناطة" (2002) وفي هذا قصيدة عنوانها "منزلة الياسمين" إلى المحاصر"، والمحاصر هو ياسر عرفات، والقصيدة مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الثالث والسبعون.
يرسل أنا المتكلم، وهو الشاعر، في فضاء الأغنيات" (22) خطابه إلى غير جهة، إلى الربان، وإلى زوجته، وإلى المحتل. ومن خلال مخاطبته يرسم صورة للحكام العرب لا تختلف كثيراً عن تلك الصورة التي رسمها لهم أبو سلمى في العام 1936. إنهم مملوك أجير وأباطرة وملوك ممكيجون لا يمكن أن يصدقهم أنا الشاعر، تماما كما أنه لا يصدق عباءات الخليج، فكلهم كلب..." وعفواً قد قسوت على الكلاب" (23)، ومقابل هؤلاء تبدو صورة الربان مشابهة لصورة القسّام والسعدي في قصيدة أبي سلمى المذكورة. الربان هو الرمز وهو نبي العصر، وربما يغني المقطع التالي على طوله عن الشرح:
" يا أيها الربّان إنك في ضلوع صغارنا
الدفق الذي يعطي الطفولة نضجها
أنت الذي يعطي الحجارة
في أكف صغارنا الوهجَ المهاب
وصغارنا وكبارُنا والأمّهات
بزفة الشهداء في برق الصدام
وفي النقاشّات السريعة.
يهتفون لوجهك القدسي
أنت الرمز
أنت نبينا العصري
فاحكم بيننا بالعدل
أنت محاصر بالنار والأسوار
حولك، إخوة أعداء
أمزجة وتجار
وألسنة ينضنض سمّها حولك
فلا تامن لهم... تهلك" (24)

ومنذ هذه القصيدة سيبدأ المتوكل طه يخاطب أبا عمار بلفظ يا أبانا، وفيما بعد، حين يصدر كتابه "عباءة الورد" (2001) وهو نصوص نثرية، يصدره بالإهداء التالي: "إلى الوالد الصديق ياسر عرفات: عاهل العاصفة الذي جمع في عباءة البرق شعب الجبارين"، بل ومنذ هذه القصيدة سيظل الشاعر يحذر أبا عمار من المحيطين به، بأسلوب مباشر أو بأسلوب غير مباشر، ففي ديوانه "حليب أسود" (1996) يستحضر التاريخ ليكتب عن هارون الرشيد الخليفة العباسي ووزرائه البرامكة، وسيرى المتوكل في حاشية أبي عمار برامكة العصر، وفي أبي عمار هارون الرشيد في عصرنا، وسيحذر هارون الرشيد من البرامكة.
وسيكرر هذه الفكرة في قصيدة "منزلة الياسمين: إلى المحاصر"، وسيرى في أبي عمار إنسانا بدأ حياته حراً وانتهى أيضا حراً. لنقرأ هذا المقطع على طوله أيضا:
"له منبر الخلفاء البكاء
ومنزلة الياسمين
ووجه الشهيد
ودمعة مئذنة فقدت ابنها
أو فضاء السجين
له قصبات الأمير الأخير
وقصر الحياة
وسيف من العقل
والشعراء إذا أنشدوا صامتين" (25)
و:
يريدون صلحا؟ أين هو الصلح؟
أرادوك عبدا
يصافح طائرة الطوطم المستبد
ويغسل بالذل مدفع مَن قطعوا...
في البلاد الوتين
لكن لاءك كانت حصارك
حراً بدأت وحرا ختمت..
شهيداً... شهيدا... شهيدا إلى القدس،
أو طلعة في الجبين" (26)

والمتوكل طه الذي يسبغ هذه الصفات على ياسر عرفات، ويقول فيه قصائد تشبه القصائد التي قالها المتنبي في سيف الدولة أو في كافور الإخشيدي، يدرك أنه لا يقول رياء أو مجاملة، ويدافع عن نفسه أزاء الاتهام الذي وجه إليه حين كتب، ذات نهار، بعد (أوسلو) و (مدريد) تحديدا، قصائد بدا له فيها لسانان. يقول المتوكل في ديوانه "ريح.. النار المقبلة" (1995) المقطع التالي:
"نبسط الشعر على ثلج الحكايا
ونقل في سرنا ما لم نقل في مشهد الريح
وأضواء المرايا..
ولهذا، فلنا في فمنا حرف،
وحرف... للسرايا" (27)

لقد كان مع ياسر عرفات وضده، معه ثائرا وضد موقفه لاتفاقات (اوسلو) التي طالما حذره منها، ولكنه لا يستطيع أن يكون ضده كليا، فلا بد من عطايا السرايا، ولا بدّ إذن، من حرف للسرايا. إنه هو القائل:
" وما كنت يوما أنا المتنبي،
لأطلب مملكة بالمديح"
و
"ولم أمدح العبد خوفا وقربا،
ولم ألبس الحرف للحرف" (28)

وبغض النظر عن دفاعه عن ذاته، تبقى الصورة التي يرسمها لياسر عرفات تشبه الصورة التي أسبغها المتنبي على ممدوحيه. وإذا كان الأخير يخاطب سيف الدولة قائلا: وسوى الروم خلف ظهرك روم"، فإن صورة الآخرين في أشعار المتوكل، عربا ويهوداً، تبدو متقاربة. عرفات هو الربان وهو الحر، والعرب عربان واليهود قتلة، والخلاصة أن صورة الفلسطيني المقاتل تبدو في نظر الشعراء إيجابية، خلافا لصورة الزعامة التقليدية التي تبدو غالباً سلبية.



الهوامش:
1- إبراهيم طوقان، ديوان إبراهيم طوقان، منشورات الأسوار، عكا، (د.ت)، ص78.
2- أنظر: رينيه ويليك وأوستين وارين، نظرية الأدب (ترجمة محيي الدين صبحي) بيروت، 1987. ص97 وما بعدها.
3- يمكن أن ينظر في كتاب عبد الوهاب عزام: ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام، دار المعارف، مصر، 1968، ص103 وما بعدها.
4- أنظر نص القصيدة في كتاب فخري صالح: أبو سلمى التجربة الشعرية، بيروت، 1982. ص83 وما بعدها.
5- إبراهيم طوقان، ديوان، ص78.
6- السابق، ص86.
7- السابق، ص63.
8- السابق، ص56.
9- السابق، ص83.
10- السابق، ص88.
11- اسحق موسى الحسيني، مذكرات دجاجة، دار المعارف، مصر، (د.ت ط2) ص131.
12- السابق، ص132.
13- غسان كنفاني، الروايات، مقدمة د. إحسان عباس./ بيروت، 1986 ط3.
14- السابق، ص303.
15- حول الرواية ومعالجتها انظر عادل الأسطة، اليهود في الأدب الفلسطيني ما بين 13 و 1987، القدس، 1992، ص70.
16- لا ضرورة لتوثيق قصيدة الجواهري المغناة "أسعف فمي" وذلك لشيوعها.
17- نشر سعدي يوسف القصيدة في مجلة الكرمل التي يصدرها محمود درويش تحت عنوان "إلى ياسر عرفات" ثم غير العنوان واستبدله بآخر، حول ذلك كله أنظر عادل الأسطة، مجلة رؤية (غزة)، ع6، شباط 2001، ص213 وما بعدها.
18- يمكن هنا الإشارة إلى كتابه "ذاكرة للنسيان" (1986).
19- وزعت قصائد على شكل منشور يهاجم أصحابها فيها عرفات هجوماً مراً، ومطلعها:
يا من رفعت الإصبعين نسيت لم تطل الأظافر
هلا رفعت سواهما ما دام عهرك صار سافر
وهناك قصيدة نسبت إلى محمود درويش، وهي ليست له، يهاجم كاتبها فيها السلطة الوطنية كلها، وعنوان القصيدة "سلطة الذات" ومطلعها:
ألا لهفي على القدس الشريف يلوغ بها الجبالي والطريفي
يضاجعها الذئاب وهم سكارى شهود نكاحها (شعث) و(ليفي).
20- ينظر مثلا قصة "النهاية" من المجموعة، وتحديد نهاية القصة، ص46، وصدرت المجموعة عن دار الشعراوية/ مطبعة الشعراوية، طولكرم.
21- انظر ديفيد ديتش، مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق (ترجمة محمد يوسف نجم) بيروت، دار صادر، ص548.
22- اعتمد على طبعة كتاب مجلة عبير، القدس، 1990.
23- السابق، (المتوكل طه، فضاء الأغنيات)، ص44.
24- السابق، ص56 و 57.
25- المتوكل طه، الخروج إلى الحمراء، رام الله، 2002، ص72.
26- السابق، ص80 وما بعدها.
27- المتوكل طه، ريح النار المقبلة، القدس، 1995، ص48.
28- المتوكل طه، الخروج إلى الحمراء، ص78.


--------------------------------------
أنجزت خصيصا لمؤتمر الجامعة الأمريكية/ جنين 12/12/2004
أنجزت بتاريخ 16-11-2004 – 19-11-2004
[HEADING=2]طباعة مكتبة شروق/ نابلس[/HEADING]
22/23/24/11/2004

أ. د. عادل الأسطة​
[HEADING=2]رئيس قسم اللغة العربية / جامعة النجاح الوطنية[/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى