أ. د. عادل الأسطة - حزيران.. واتساع رقعة المنفى محمود درويش في نزل على بحر عادل الأسطة

بدأ الفلسطينيون يكتبون عن المنفى قبل أن يتشكل، وربما كانت أشعار إبراهيم طوقان تنذر به، منذ قوله: أجلاء عن البلاد تريدون/ فنجلو أم محونا والإزالة، وربما رأى أن مستقبل الفلسطينيين يتعدّى طردهم من بلادهم، ليصل حد المحو والإزالة.
كأنه كان يتنبأ بهولوكوست فلسطيني تجسد جزئياً في صبرا وشاتيلا، ومن قبل في دير ياسين وكفر قاسم.
وكان طوقان يرى بلاده في طريقها إلى الضياع، هو الذي توفي في 1941، ولم يشهد النكبة وما نجم عنها.
صديقه عبد الكريم الكرمي عاش النكبة وكان أحد أفرادها، فقد هاجر من حيفا، حيث ما زال بيته ومكتبه، وأقام في دمشق التي درس فيها شاباً، وأمعن النظر في حياته طالباً/ شاباً وفي حياته رجلاً مكتمل الرجولة لاجئاً، وشعر بأن دمشق التي رحبت به طالباً، أنكرته لاجئاً، وعهده بها ألا تنكره. لقد قارن بين حياة الفلسطيني زائراً لبلاد، وبين حياته لاجئاً فيها، وهو ما بدا في قصيدته "سنعود".
خلع شبابه على ملاعب دمشق، وكان دائماً فرحاً مرحاً لا تتسع المدينة لنشوته وشبوبيته، فقد ذرعها وذرع أيضاً غوطتيها، وأحب فيها وانتشى، ثم وجد نفسه عام النكبة، يطوّف على طلول دمشق وفي شعابها ـ طرقها الجبلية.
ومع ذلك فلم ييأس وظل يحلم بالعودة التي سأله عنها الرفاق، فأجابهم: أجل سنعود، وافتخر بأمته العربية وبما فيها، واستمد منها بريق أمل للمستقبل. ولكنه عاش في المنفى حتى توفي العام 1980 تقريباً.
كانت سميرة عزام في قصصها أول من صوّر، بالتفصيل، حياة الفلسطيني في المنفى.
ثمة قصتان لها لا ينساهما قارئ قصصها هما "لأنه يحبهم" و"فلسطيني" من مجموعتها "الساعة والإنسان".
في الأولى يتحول اللاجئون في المنفى إلى لصوص ومخبرين وبعضهن تحول إلى بغايا، تبيع جسدها، بعد أن فقدت المعيل واستشهد زوجها، وفي الثانية يغدو الفلسطيني مجرد رقم. إنه فلسطيني لا ملامح فردية له، كأنه جزء من قطيع، وحتى حين يتجنس ويحصل على هوية مزورة، يظل ينادى بيا فلسطيني، أو قل للفلسطيني.
إنه مثل الأرمن الذين أقاموا في بيروت عقوداً، وظل أهل الحي ينظرون إليهم على أنهم أغراب، ما أثر على لغتهم/ لغة الأرمن، فظل ثمة عجمة في لسانهم، وظلوا أيضاً بلا ملامح فردية.
واصل غسان كنفاني تصوير حياة الفلسطيني في المنفى، فكتب روايته "رجال في الشمس"، وقتل أبطالها الذين غادروا إلى الكويت بحثاً عن عمل، وألقى سائق الحافلة الفلسطيني أبو الخيزران بجثثهم في المزبلة، كأن نهاية المنفى هي هذه النهاية.
بعد حزيران الأول، حزيران 1967، كتب درويش قصيدة أهداها إلى فدوى طوقان التي عبرت عن اغترابها في وطنها حين زارت حيفا ويافا ووقفت على أطلال الأخيرة، فالدار تبكي من بناها وتنعاه، والدار غدت خراباً.
ولم يكن الشاعر الذي عاد إلى وطنه، بعد أن رفض أهله المنفى مبكراً وعادوا إلى قريتهم: البروة، لم يكن عاش حتى 1970 تجربة المنفى.
حقاً إنه كان يشعر بالغربة في وطنه، لكنه لم يكن غريباً عنه، فكتب: نحن في حل من التذكار فالكرمل فينا، وعلى أهدابنا عشب الجليل، لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها، لا تقولي: نحن في لحم بلادي، هي فينا.
ولم يبق الشاعر في وطنه فقد غادره وعاش، بعد العام 1970، تجربة المنفى: من موسكو إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى بيروت، ومن بيروت إلى تونس أو باريس، وهكذا اتسعت رقعة المنفى أكثر وأكثر، وفي حزيران الثاني تحديداً.
في حزيران 1982 قامت إسرائيل بحربها ضد الفلسطينيين والقوى الوطنية اللبنانية، وأسفرت تلك الحرب، على الرغم من المقاومة البطولية للمقاومة الفلسطينية واللبنانية الوطنية، أسفرت عن ترحيل الفلسطينيين المقاومين عن بيروت، ومن لم يرحل وبقي في صبرا وشاتيلا ارتكبت بحقه مجزرة، كأنما تحققت نبوءة إبراهيم طوقان: أجلاء عن البلاد تريدون/ أم محونا والإزالة.
لقد أزيل جزء من المخيمين، كما أزيل من قبل، في بيروت، مخيمات أخرى، منها تل الزعتر، ومحا الكتائبيون والإسرائيليون حيوات فلسطينيين كثر، فقتلوهم.
في آب العام 1982 سيغادر المقاومون إلى منافٍ جديدة : السودان وليبيا واليمن وتونس والجزائر و.. و.. وسيختار محمود درويش باريس ليقيم فيها، وهناك وفي تونس كتب قصيدته "نزل على بحر" التي ظهرت في مجموعته "هي أغنية.. هي أغنية" (1985).
في القصيدة يأتي الشاعر على مكان إقامة الفدائيين الذين أبعدوا عن بيروت: نزل على بحر، وعمّ سيتحدثون؟ عن الماضي المهشم قبل ساعة. أي عن معارك بيروت في حزيران وتموز وآب 1982، وسيبدؤون تكويناً جديداً، بعد أن أنشؤوا في بيروت جزيرة (جمهورية الفاكهاني) لجنوب صرختهم: فلسطين. سيكتب الشاعر مودعاً بيروت، جزيرته الصغيرة، بيروت التي قصدها الفلسطينيون في 1948، قادمين من الريف: الرمان والسرّيس، وحين قصدوها مجبرين جاؤوا إلى عالم عربي هش، عالم فقاقيع. إنه الزبد. وسيوجه الشاعر طلبه من الذين استقبلوا الفلسطينيين في بلدانهم، بعد الخروج من بيروت، ألا يسألوا الفدائيين عن المدة التي سيقيمون فيها في البلاد/ المنافي الجديدة، ألا يسألوهم عن زيارتهم، فلقد كانوا مرهقين.
أقام الفدائيون في الفنادق على أمل أن تكون إقامتهم زيارة قصيرة، وكانوا مرهقين، ورأوا الأرض، على اتساعها، أصغر من زيارتهم، ولكنهم لم يشعروا باليأس "سنرسل للحياة تفاحة أخرى"، وسيحاولون ولكنهم يتساءلون: أين نذهب حين نذهب؟ وأين نرجع حين نرجع؟ لقد اتسعت رقعة المنفى وضاقت الأرض على سكانها الفلسطينيين المطاردين الذين لم يتبق لهم جهة أو صخرة ليقدموا للإله قربان رحمته الجديد.
كأنما هم فراعنة مصر يقدمون، كل عام، للنيل عروساً حتى ترضى عنهم آلهتهم.
رحل الفلسطينيون عن ديارهم في 1948 و1967 و1970 وفي 1976 عن مخيم تل الزعتر والشياح، وها هم يرحلون عن بيروت في 1982 فـ "ماذا تبقى من بقايانا لنرحل من جديد؟".
اللازمة التي كررها محمود درويش في قصيدته الحلزونية والدائرية الشكل تقريباً هي "لا تعطنا يا بحر ما لا نستحق من النشيد"، وبحر درويش في القصيدة دال مدلولاته مختلفة: بحر الشعر، والثورة، والاندفاع، والبحر العادي في مده وجزره.
يا بحر الشعر لا تعطي الفدائيين أكثر مما يستحقون، وقد قاتلوا أبطالاً. وستتكرر اللازمة خمس مرات، وستنتهي القصيدة بها. النساء يغرين، والشعراء يتساقطون غماً، والشهداء يتفجرون حلماً، وأبو عمار والحكيم وغيرهما يستدرجون شعباً إلى الوهم السعيد: العودة.
بأسلوب غير مباشر يكتب درويش عن تطاول فترة الإقامة في المنفى وطولها.
زرع الفلسطينيون الأشجار هناك وطال ظلها، وطول الأشجار دليل على طول فترة الإقامة في المنفى، وطالت الزيارة القصيرة حتى تزوج الفلسطينيون من أبناء وبنات الشعوب التي أقاموا بينها، بل وتوالدوا، وظلوا ينتظرون ويأملون، وظلوا يحلمون بالعودة والخروج من المنفى، ولكنهم ماتوا في النوم وانكسروا في المنفى، والمخيمات والفنادق التي كانت مكان إقامتهم، وكانوا يعتقدون أنها مؤقتة غدت غير ذلك، غدت أماكن إقامة دائمة: "أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟".
ما الذي يريده الفلسطينيون؟ يريدون أن يحيوا ليرحلوا من جديد، ويريدون بلاد قهوتهم الصباحية ورائحة النباتات البدائية ومدرسة خصوصية تدرس المنهاج الفلسطيني والتاريخ الفلسطيني والنشيد الفلسطيني، ويريدون مقبرة خصوصية ويريدون حرية.
دفن ناجي العلي في لندن، واحتار الفلسطينيون أين يدفنون معين بسيسو، ودفن عشرات الآلاف منهم في مقابر لا تخصهم.
اتسعت رقعة المنفى، ورمي الفلسطينيون في هذه البلاد أو تلك، ولا يريدون سوى أن يحيوا ليعودوا لأي شيء من أرضهم، ولو بغزة أو أريحا: لبداية، لجزيرة، لسفينة، لنهاية/ لأذان أرملة، لأقبية، لخيمة. فقد طالت زيارتهم القصيرة، ومات البحر فيهم.
نحن الآن على أبواب الذكرى، على أبواب الذكرى 47 لحزيران 1967، والذكرى 32 لحزيران 1982، وما زالت رقعة المنفى تتسع: والهجرة الآن إلى الدول الاسكندنافية و.. و.. و.. .


د. عادل الأسطة
2014-06-01


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى