الرجل ذو الحبّة الحمراء.. قصة قصيرة ـ

هَممتُ أن آخذ حَبلاً وأعلِّقه في شجرة وأخنق به نفسي؛ بسبب ما يقوله الناس عني!
ضيَّعَني حاكم المدينة بظنونِه وشكوكه، ضيَّعَني ومضى غيرَ آسفٍ عليَّ، وترَكَني لأصحابه وأهلِ المدينة ينظرون إليَّ بريبةٍ وتوجس، ويخافون مني.. رغم أنني لم أفعل شيئًا، ولم آتِ منكرًا، دعا للسلام والمَحبة فترةَ إقامتِه معنا، فاتبعتُ دعوتَه، وعِشت بين الناس سهلا طائعًا ليِّنًا، أشاركهم أفراحَهم وأتراحهم، وأخرج معهم عندما يَخرجون لأمر، وأدخل معهم فيما يدخلون فيه.. لكنهم رغم ذلك ما يزالون مترددين في قبولي بينهم.
أنا صافٍ تمامًا، أعيش على أطراف المدينة في بيت من الطوب اللبِن، بَنَاه أبي الطيبُ الفقير مِن كدِّه وعرقِه وخروجِه للبحر كل صباح، ليصطاد السمك ويبيعه بجنيهات قليلة تكفينا بالكاد أنا وهو وأمِّي. منذ رفضَ أبي خروجي معه للصيد وأنا لا عمل لي، أصحو من نومي فأستلقي أمام البيت، حولي بضع نخلاتٍ وشجرتان، أترنَّم بأغنية أو أحدِّث نفسي.. أذكر تلك الواقعةَ جيدًا، تلك التي كانت السببَ في محنتي التي أعيشها، كنتُ مستلقيًا في أحد تلك الصباحات أمام بيتنا، خرجتْ أمِّي فجأة من البيت وهي تنادي أن ألتفِت ورائي، التفتُّ فإذا حاكم المدينة وصاحبٌ له مختبئانِ وراء شجرةٍ ينظران إليَّ بغضب.. نهضتُ احترامًا لهما، وسألتهما عن خبرهما، فبادَرني الحاكم:
- هل تشهد أني حاكم هذه المدينة؟
فنظرتُ إليه مندهشًا من سؤاله، وأجبته أني أقِر وأشهَد، ما في ذلك ريبٌ ولا شَك، ثم تقدّم نحوي خطواتٍ وقال وهو يخفي شيئًا وراء ظهره:
- حَسنًا، لقد خبَّأتُ لك شيئًا وراء ظهري، فهل لك أن تعرفه؟
لم أفهم قصدَه مِن سؤاله، وما كان لي أن أعرف الذي يخبّئه، لولا أن يدَه اهتزت فظهر طرف عصا صغيرة... فلم أكد أنطق إنها عــ .. حتى نهَرني قائلا:
- اصمت، لا تفتح فمك، فلن تتجاوز قدْرك!
ورأيتُ صاحبه يحدِّثه ويشير ناحيتي إشاراتِ وعيدٍ وتهديد، ولم يلبثا أن مضيا إلى حال سبيلهما بينما أنا في حيرتي وذهولي!
ورغم رحيل حاكم المدينة بعد ذلك بسنوات، ورغم استقرار الحال وانشغالي بعملي الذي بدأته بعد وفاة أبي، باستثمار قطعة أرض أمام بيتي وزراعتِها، إلا أنني فوجئتُ بعد سنوات أن أصحاب حاكم المدينة وبعض أهلِه عادوا مرة أخرى يسيرون سيرتَه في تعاملِهم معي، وكان أن صحوت يومًا من نومي فإذا حَبَّةٌ حمراءُ في جبيني، اشتدت حتى تورمتْ، وخرجتُ بعد أيام فإذا صاحِب حاكمِ المدينة– هذا الذي كان معه مختبئًا وراء الشجرة منذ سنوات– قد لقِيَني في شارع من شوارع المدينة، فاستوقَفني وسألني وهو يتفرَّسني عن تلك الحَبة في جبيني، فأجبته أنني لا أعرف، صحوت فوجدتها كذلك، فسخِر مني وقال:
- جبينك الذي في رأسك، ولا تعرف ماذا أصابه؟!
قلتُ له وأنا أبتسِم:
- إرادة الله يأتيها مَن يشاء، ولو شاء لكانت الحَبّة في جبينك أنت
فنهرَني ودفعني بيده دفعةً قوية، غضبتُ لكنني كتمتُ غضبي ومضيت إلى حالي، لكن سؤاله عن الحَبة شغلني، ما له هو ومصابي؟ ولماذا يهتم بي، وأنا مِن آحاد الناس؟!
قررتُ أن أسأل وأستفسِر، وأن أسترق السمْع لِما يقول الناس؛ عسى أن أكتشِف السر وراء هذا الموقف الغريب مني.. ولم تكد تمر أيام حتى علِمتُ بما أرَّقَني وأقضّ مضجعي، فَعلَها حاكم المدينة قبل أن يمضي، فَعلَها دون سببٍ واضح أو مبررٍ معقول، علِمتُ أنه كان يَلقَى أصحابَه في جلساته معهم، وكان يعقِد اجتماعاتٍ مع كثيرين من أهل المدينة؛ لا لشيء إلا ليحذّرهم مِني... نعم مِني أنا! كان يقول إنه يراني فتنةً ستأخذ الناسَ جميعًا، وإنه مِن كثرة تفرُّسِه فيَّ، رأى أنني يومًا ما سآتي على الأخضر واليابس، ليس في مدينتنا فقط، ولكن في المدن القريبة والبعيدة أيضًا! وأنه وَصفَهم لي وصفًا دقيقًا لم يَثبت منه في أذهانهم إلا أنني ذو حبّةٍ حمراءَ في جبيني! وأنني سأظل بلا عمل، ولن أتزوج ولن أعقِّب... صدَّقوه ولم يقِفوا أمام أنني أعمل، وأنني متزوج، وأنني ذو ولَد! صدَّقوه وهو يزعم لهم أنني أحِب الخداعَ والتمويه، فهل خدعتُ أحدًا منهم مِن قبل؟!
سمعتُ عشراتِ القصص والأساطير عن قوتي وجبروتي، يومَ أن أَخرج على الناس بجيوشٍ وأساطيل، وأنني سأستمِر أربعين سنةً أو أربعين يومًا– لا أدري- أسفك الدماءَ وأَخرِج الناسَ عن ملَّتِهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، ولن يَغلِبني في ذلك كله إلا رَجلٌ يهبط من السماء يقتلني ليُنهي بذلك أسطورتي!
لكنّ أعجبَ ما أخبرَهم به، وسَمِعتهم يتحدثون به عني، أنني محبوس ومعتقَل في مكان ناءٍ وبعيد! كيف أكون كذلك وأنا بينهم أمشي في الأسواق وأتحدث إليهم؟! كيف لم يلتفِتوا إلى تناقضات حاكم المدينة وهو يذيعها في أحاديثه تلك التي نَسبوها إليه؟ ولماذا تركني يومَ اختَبَأ وصاحِبُه خلف الشجرة، إذا كان قد عرَفني ووصَفني لهم؟ ولماذا تركوني هُم بعدَه؟!
أنا ابن الصياد الفقير، لم يجد حاكم المدينة غيري يخوِّف به أصحابَه وأتباعه، نعَتَني بكل سوء، وعيّرني بقِصَري وملامح وجهي ولوني، وكأن المرء يختار طولَه أو لونَه أو ملامحه! صيَّرني أسطورة.. وأنا لا حولَ لي ولا قوة... لكنه في النهاية حاكمٌ يقول ما يشاء متى يشاء، أي سحرٍ امتلَكَه ليسيطر عليهم؟ وأي قوةٍ تلك التي جعلتهم يصدّقونه؟ لا ألومُه بقدر ما ألومُهم هُم، أين عقولهم؟ كيف لا يقارنون بين حديثه هنا وحديثه هناك؟ كيف لا يبصِرون حجم التناقضات ومستوياتها في كلامه؟ قال لهم إن ظهوري علامةٌ من العلامات الكبرى لقيام الثورة واشتعال الاضطرابات... ها قد ظهرتُ مذ رآني وصاحبُه، أين هي الثورة؟ وأين تلك الاضطرابات؟ هل كنتُ أخافه فلم أعلِن عن نفسي؟ ها قد مضى بعيدًا بعيدًا فما الذي يمنعني الآن؟!
وفجأة تذكرتُ أن الناس المجانين ربما كانوا يتوقعون حدوثَ ما أخبرَهم به الحاكم مستقبَلا، وهو ما قد يفسر عدم قتلِهم لي حتى الآن... نَعَم لا تفسير لِمَا يحدث إلا هذا، تركوني لأنني مناط صدقِه عندهم...
حَسنًا ما أسهلَ أن أثبِت لهم كذبَ ما يعتقِدون، أنا الآن أمام بيتي، وهذا هو الحبل، وهذه هي الشجرة... صعدت الشجرةَ بهدوء، علقتُ الحبلَ وربطته جيدًا، وصنعتُ من طرفِه دائرة وأحكمتُ عقدتَها تمامًا، ووضعتها حول عنقي.. وقبْل أن ألقي بنفسي من الشجرة متأرجحًا في الهواء وضعتُ يدي على جبيني أتحسّس الحبةَ الحمراء!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى