جوزيف ناهيم - مقاربة ماركسية لعلم النفس والطب النفسى.. ترجمة: سعيد العليمى

تعتبر الماركسية علم النفس والطب النفسي علوما شابة معقدة وهى تتأثر بشدة بطبيعة المجتمع . وتسهم الماركسية فى هذين العلمين بتطبيق المادية الجدلية والمادية التاريخية على دراستهما وتطورهما . ان النقد الماركسي لعلم النفس والطب النفسى فى ظل الرأسمالية يعين الأثر الضار الشديد عليهما من أيديولوجية الطبقة الرأسمالية فى عدد من المجالات : نظريات معاداة الطبقة العاملة ، النزعة العرقية ، ،الشوفينية القومية ، التمييز الجنسى ، نظريات الطبيعة البشرية الشريرة الثابتة فضلا عن نظريات زائفة أو أحادية الجانب . يفترض أن تقدم الإشتراكية بيئة صحية للتطور النفسى للفرد ولتوظيف علم النفس والطب النفسى لغايات علمية وإنسانية .
ربما كان علم النفس أشد العلوم تعقيدا . فعلى علم النفس مثله فى ذلك مثل العلوم الأخرى ، أن يكتشف القوانين التى تحكم أصل ، وتطور ، وإشتغال المجالات النوعية لدراسته ، أى العقل الإنسانى ويظهر تعقيده من حاجته إلى تناول الملامح الكبرى الآتية .
فعلى علم النفس أن يدرس العقل الإنسانى فى كل من حالته العادية أو غير العادية . وهو من ثم يرتبط بوثوق كما يعتد جزئيا على الطب النفسى .
يرتكز العقل الإنسانى على المخ الذى ينتجه مع النظام العصبى المركزى ، الذى يعمل وفق قوانين فيزيقية ، وكيميائية ، وبيولوجية ، وفسيولوجية . وبالنسبة لعلم النفس فمن الهام على وجه الخصوص دراسة القوانين الفسيولوجية التى تتعلق بالنشاط العصبى . ومن ثم فمن الجوهرى لعلم النفس دراسة الأفعال المنعكسة الشرطية وغير الشرطية ، الإثارة ، والكبت ، التحليل والتركيب ، التعميم ، النمط الدينامى ، النظامين الإشاريين الأول والثانى ، وما إلى ذلك .
حيث أن الكائنات الإنسانية هى نتاج تنام تطورى ، كما أشار داروين ، فإن دراسة سلوك الحيوان تلقى ضوءا هاما على الفعالية السيكولوجية للإنسان . فمن ثم فإن علم نفس الحيوان متصل بعلم النفس الإنسانى .
العقل الإنسانى هو انعكاس للعالم الطبيعى والإجتماعى الخارجى . و ينتج هذا الإنعكاس داخل الأفراد فى مجرى نشاطهم فى العالم . ومادام النشاط الإنسانى إجتماعى بصفة أساسية فإن إعتماد علم النفس الإنسانى على العالم الإجتماعى وعلى النشاط الإجتماعى للفرد لذو مغزى عميق . و لايمكن لعلم النفس بالفعل أن يكون علميا حقا إلا عندما يكشف القوانين التى تحكم علاقة علم النفس البشرى بالمجتمع الإنسانى . ومن أجل إكتشاف هذه العلاقة فإن تحليل المجتمع علميا يعد أمرا حيويا . إن دور الطبقة ، والعرق ، والجنس ، والعمل ، والحياة الأسرية والزواج فى كل مجتمع يتعين أن يعرف ، ولابد من أن تفهم قوانينه ، على أن نضع فى إعتبارنا أن هذه القوانين تختلف فى المجتمع الرأسمالى عن المجتمع الإقطاعى أو الإشتراكى .
ان الإنعكاس الإنسانى ليس إنعكاسا سلبيا للبيئة والمجتمع . إنه ينتج فى مجرى النشاط الإنسانى ويرشد السلوك وعلى ذلك فحين ندرس النشاط والسلوك الإنسانى فى أشكاله المتعددة فذلك ضرورة سيكولوجية .
إن للنفسية الإنسانية قوانينها الخاصة وظواهرها النفسية الخاصة . وهى تتضمن الوعى و الأحاسيس ، الإدراك ، الوعى ، التصور ، الذاكرة ، الإنتباه ، التعلم والذكاء .
والبشر يتصرفون على مستويين واع وغير واع . والوعى الإنسانى حاسم فى فهم النفسية الإنسانية . كيفما كان الأمر فإن دور العمليات الذهنية غير الواعية لابد وأن يحدد علميا .
إن البشر ليسوا كائنات تفكر وتفعل فقط ، إن لديهم أيضا مشاعر وعواطف . وتدخل هذه المشاعر فى وتتفاعل مع الفكر والسلوك . كما أن دراسة الوجدان الإنسانى تعد أمرا لازما لعلم النفس .
إن علم نفس الفرد يحدده تاريخ الفرد النفسى وعلاقاته الإجتماعية . ومن ثم يتعين على علم النفس أن يدرس تشكل عقل الفرد وحالته الراهنة فى ضوء مجتمع هذا الفرد ، وجماعته ، خلفيته القومية والعرقية ، جنسه ، دينه ، ووضعه الإقتصادى .، تنشئته الأسرية ، تعليمه ، نشاطه فى العمل ، علاقاته بأقرانه ، الحب وعلاقته الزوجية ، وعيه الطبقى ، روابطه التنظيمية ، نظراته ومواقفه . ونظرته الفلسفية . يتطلب علم النفس مقاربة إجتماعية – تاريخية ثقافية لعقل الفرد وسلوكه .
إن تعقد علم النفس بوصفه علما تسمه حاجته لدراسة التطور الإرتقائى ، وعلم نفس الحيوان ، الفسيولوجيا والطب النفسى . علم الإجتماع والسيكولوجيا الإجتماعية ، مع القوانين النوعية للإشتغال النفسى الإنسانى . ( ويتضمن ذلك الإدراك ، العاطفة ، والسلوك ) ولقوانين تطور سيكولوجية الفرد . ليس علم النفس علما مركبا متعدد الجوانب ، إنه أيضا علم شاب . لقد ظهر علم النفس كعلم مستقل فى فى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر . وفى مجالات معينة ، خاصة فى تلك التى ترتبط بالعلوم الطبيعية مثل الفسيولوجيا ، حقق علم النفس تقدما مرموقا . كما أحرز تقدما هاما أيضا فى دراسة الإحساس ، والإدراك ، والذاكرة . دور الكلام واللغة جرى فهمه بشكل أكثر مرضاة مؤخرا . مه ذلك جرى تقدم بطئ نسبيا فى مجالات مثل الشخصية ، السيكولوجيا الإجتماعية ، التعلم ، العاطفة، طبيعة العمليات غير الواعية ، وطبيعة علاج المرض العقلى . وبسبب تعقده وحداثته فهناك تطور غير متساو فى جوانبه .ولكن تقدم علم النفس قد تأثر بشكل حرج وأساسا بصورة سلبية ، بسبب القوى الإجتماعية والطبقية . لقد نشأ وتطور علم النفس فى فى مجتمع رأسمالى ، فى مجتمع طبقى . فى كل المجتمعات الطبقية فإن النظرات المهيمنة إجتمعيا ، وثقافيا وسياسيا هى تلك التى تعبر عن الطبقة المهيمنة .
فى ظل الرأسمالية تطور الطبقة الرأسمالية السائدة أيديولوجية تخدم مصالها . ومادامت العلوم الإجتماعية والسلوكية تمارس تأثيرا قويا على تفكير الناس فإن هذه العلوم يجرى إختيارها لخدمة المصالح الأيدلوجية للرأسمالية . نجد فى الولايات المتحدة أ تاريخ علم النفس متشبع بنظريات غير علمية وممارسات تتعلق بالعاملين ، السود ، الأقليات القومية ، النساء ، وبصفة أعم ، طبيعة الكائنات الإنسانية . النزعة العرقية ، الشوفينية ، التمييز الجنسى ، والأفكار المعادية للطبقة العاملة قد شغلت مكانا كبيرا فى علم النفس والطب النفسى .
أضف إلى ذلك فإن دراسة المجالات السيكولوجية الحرجة ، مثل الذكاء ، والسلوك ، والداف ، واللاوعى ، النشاط الإجتماعى ، العواطف ، المرض العقلى قد شوهت وزيفت من قبل الطبقة القوية والتأثير العرقى . وبالرغم من أنه ليس هناك من إنقسام يوصف ب " علم نفس رأسمالى " و " علم نفس ماركسي " ، فإن للماركسية إسهامها المعتبر فى تطوير علمى النفس والطب النفسى . وفى فهم دورهما ومغزاهما الإجتماعى .
ويمكن أن نرصد إسهامات الماركسية فى أربع مجالات : (ا ) مقاربة المادية الجدلية الماركسية للعلوم بصفة عامة ولعلم النفس والطب النفسى بشكل نوعى ، ( ب ) المقاربة المادية التاريخية الماركسية للمجتمع ولتطور الكائنات الإنسانية .( ج ) النقد الماركسى لعلم النفس فى الولايات المتحدة و ( د ) إسهام الماركسية وعلماء النفس الماركسيون لعلم النفس .
المادية الجدلية وعلم النفس
العلماء بمن فيهم علماء النفس والأطباء النفسيين إما غير مبالين بالفلسفة أو يتبنون فلسفة دون أن ينتبهوا لعلاقتها بعملهم العلمى . أشار فريدريك إنجلز أحد مؤسيي الماركسية لهذه الظاهرة ( 1 ص ص 183 - 184 ) :
يعتقد العلماء الطبيعيون أنهم قد تحرروا من الفلسفة بتجاهلها أو بإساءة توظيفها .وهم لايستطيعون وكيفما كان الأمر أن يشقوا طريقهم بدون فكر وحتى يفكروا يلزمهم تحديدات فكرية . ولكنهم يأخذون هذه المقولات بدون تأمل من الوعى العام لمن يسمون المتعلمون ، المحكوم بآثار فلسفات عفا عليها الزمن ، أو من قليل من الفلسفة التى يجب أن ينصت لها جبرا فى الجامعات ( التى ليست بمثابة شظايا فقط وإنما أيضا تنويعة من النظرات تنتمى لأشد ها تنوعا من أسوأ المدارس ) أو من قراءة غير نقدية أو منهجية للفلسفة بكل أنواعها . ومن ثم فهم ليسوا بدون إرتباط بالفلسفة ، وإنما لسوء الحظ فى معظم الأحوال بأردأ فلسفة ، وأكثر الذين يسيؤن توظيف الفلسفة هم عبيد تحديدا لأسوأالآثار المبتذلة لأسوأ الفلاسفة .
لاتحل الفلسفة ولايمكن لها أن تحل بالطبع محل العلم . كل علم ، بما فيه علم النفس ، لابد أن يدرس مجالاته النوعية بمناهج علمية حتى يستطيع أن يكشف القوانين الأساسية للظواهر فى هذه المجالات . على أى حال تمارس الفلسفة تأثيرا قويا على طبيعة البحث الذى يقام به ، إنشاء فرضيات جديدة ، وتفسير النتائج العلمية ، وتطوير النظريات . لقد تم التوصل لنظرية داروين فى التطور فقط بعد أن تمكن داروين من أن يفسر بصواب المادة العلمية التى جمعها وأن يطور نظرية علمية نقضت النظرية التوراتية .
كما أن الفلسفة تؤثر أيضا فى المنهج المستخدم فى البحث العلمى . أغلب أبحاث السلوك فى الولايات المتحدة محكوم بمنهج تصميم البحث والإحتمالية الإحصائية . وتنبع هذه المنهجية من النزعة الإجرائية ، المتجذرة فى الفلسفة المثالية الذاتية .
العلم فوق كل شئ ، ترشده فلسفة العلم ، أى نظرة كلية لطبيعة الكون ، وللتاريخ الإنسانى . ولابد لهذه الفلسفة من أن تشمل جانبين : نظرية عن العالم ومنهج لمقاربة دراسة الواقع . وبشكل أشد خصوصية فإن العلم يشتغل بشكل ظاهر أو بشكل مضمر بنظرة مادية أو مثالية عن العالم . وبمقاربة جدلية أو ميكانيكية للواقع .
وإنها لذات دلالة عن تناقض النظرة المادية مع المثالية للعالم حكاية سؤال نابليون للفلكى الفرنسى لابلاس أين موضع الله فى نظامك الشمسى وإجابته " لست بحاجة لهذه الفرضية ، ياسيدى " . لقد تأسست نظرية لابلاس على القانون الطبيعى ، وليس على قصة التوراة عن الخلق .
تمثلت أطروحة أن المقاربة الجدلية تناقض الميكانيكية فى رفض بافلوف للنظرة الميكانيكية القائلة بأن كل الحيوانات بمن فيهم الكائنات الإنسانية تشبه الآلات . لقد عين بافلوف ( 2 ، 536 -537 ) الإختلاف الكيفى بين البشر والحيوانات فى إمتلاكهم نظام إشارى ثان ، الكلام ، الذى كان " آخر ماأحرزته عملية التطور " .
الماركسية متجذرة فى الفلسفة المادية االجدلية . وتستبعد نظرتها المادية النظرات الدينية، أو مافوق الطبيعة ، أو المثالية . وهكذا ففى علم النفس فإنه يستبعد الروح مافوق الطبيعية كأداة تفسيرية للسلوك الإنسانى .
لقد كانت المادية هى التى إقترنت بوضوح بالعلم فى تطورها السريع بعد العصور الوسطى . وقد أسست الماركسية نظريتها الكلية على هذا التقليد المادى .
لقد طور ماركس وإنجلز الجدل الماركسى بوصفه ينطوى على أعم قوانين الطبيعة ، والمجتمع ، والفكر الإنسانى ( 1 ، ص 26،3 ص ص . 16 – 18 ) تدعو هذه القوانين العامة التى إشتقت من العلم وقوانينه النوعية إلى بحث قوانين التغير ، الكمى والكيفى معا ، وكشف العلاقات والإعتماد المتبادل للظواهر . أضف إلى ذلك فإن الوحدة والتناقض فى الظواهر لابد أن يحرى التيقن منها . دعا إنجلز ( 4 ، ص .15 ) إلى السعى وراء الحقيقة من جانب العلوم الوضعية و" إستخلاص نتائجها بالتفكير الجدلى " .
تعتقد الماركسية أن العلوم قد تقدمت بالنضال ضد النظرات المثالية الدينية والمقاربات الميكانيكية الميتافيزيقية . يؤكد الماركسيون أن العلم سوف يستفيد إذا تبنى المادية الجدلية بشكل واع كفلسفة للعلم وكمنهج للبحث .
هناك رابطة خاصة بين الفلسفة وعلم النفس . توجد هذه الرابطة فى ذلك المجال فى الفلسفة المعروف بإسم الإبستمولوجيا ، أو نظرية المعرفة . تعالح الإبستمولوجيا ، وذلك ضمن أشياء أخرى ، أصل الوعى والعقل ، وعلاقة العقل بالجسد، طبيعة الفكر، اللغة والمنطق ، الفكر المجرد والعيانى ، وتأثير المجتمع والعمل الإجتماعى على التفكير الفردى والإجتماعى . من الواضح أن هذه المجالات الفلسفية العامة هى أيضا مجالات كبرى للدراسة السيكولوجية العلمية . بالفعل يمكن لنا أن نصرح أن علم النفس يقدم الأساس العلمى لملامح كبرى مؤكدة للإبستمولوجيا ، بينما تعمم الإبيستمولوجيا المكتشفات العلمية النوعية لعلم النفس .
وعلم النفس ، مثله مثل كل العلوم كان أرض صراع بين وجهتى النظر المادية والمثالية عبر التاريخ . قبل إنفصاله عن الفلسفة ، كان لعلم النفس تقليد مادى طويل متجذر فى نظرات الفلاسفة الماديين الإغريق القدامى ، وفى الفلسفة المادية لبيكون ، وهوبز ولوك فى إنجلترا القرن السابع عشر وديدرو ، وهلفيتيوس ، ودولباخ فى فرنسا القرن الثامن عشر ، إشتقت الماركسية وبنت نظريتها المادية للمعرفة على هذا الأساس المادى .
إن الفرضيات الأساسية التى تطرحها هذه الإبستمولوجيا المعرفية هى : أن المادة أولية والعقل والوعى ثانويان ومشتقان ، وأن العمليات الذهنية والوعى نفسه هما نتاج مادة منظمة نوعيا تتخذ شكل المخ والجهاز العصبى . وهكذا فإن المادية الماركسية ترتأى أن النظريات السيكولوجية التى تفصل العقل عن المخ ، أو التى تنكر أولية المخ والجهاز العصبى ، هى غير علمية . إن عمل بافلوف وآخرين فى علم النفس ينظر إليه كتأكيد للإبستمولوجيا المادية ، مادامت تؤكد إعتماد العمليات العقلية على العمليات الفسيولوجية .
كما كان على علم النفس أن يخوض المعركة بين المقاربتين الميكانيكية والجدلية . لقد تجاوز ماركس وإنجلز المادية الميكانيكية الساكنة بربط المادية مع الدياليكتيك . لقد إرتأيا أن العالم لابد أن يدرك كمركب من العمليات التى تمر بتغير غير منقطع من الوجود إلى الإضمحلال . أضف إلى ذلك لابد للعلم أن يدرس الظواهر فى وحدتها وتناقضها وفى علاقاتها الداخلية وإعتمادها المتبادل . لقد إحتجا بأنه يتعين أن ينظر إلى كل الظواهر فى تغيراتها الكمية التى تؤدى لتغيرات كيفية ( 4 ، ص ص 44 – 46 ) .
من وجهة النظر الجدلية ، فإن المدرسة السلوكية فى علم النفس ، مثل نظريات ج . ب . واطسون و ب. ف سكيننر لابد من إنتقادها بوصفها ميكانيكية . بإعتبارها تختزل العمليا السيكولوجية للإشتغال الإ نسانى للعمليات الفسيولوجية للسلوك وحده . لقد أدت السلوكية حين دفعت لحدها الأقصى إلى نظريات غير علمية ورجعية مثل تعديل السلوك ، الذى يستخدم وسائل غير أخلاقية بل وحتى وحشية لتغيير السلوك .
من ناحية أخرى ، لدينا النظرية الميتافيزيقية للفرويدية ، التى تركز على عقل لاواع ، منفصل عن الواقع الإجتماعى والفردى والوعى ، الذى ينظر إليه بوصفه المصدر الرئيسى الذى يحدد الإنفعال الإنسانى والموقف ، والسلوك . يتعين على السيكولوجيا العلمية أن ترفض النظريات العامة لكل من المدرسة السلوكية والفرويدية . لابد لها أن تظهر العلاقة الجدلية بين الواقع الإجتماعى والفردى وبين عمليات الفكر ، والوعى ، واللاوعى , والعاطفة ، والموقف ، والسلوك .
مع إسهام المادية الجدلية الماركسية فى حقل الإبستمولوجيا ، قدم ماركس أيضا إسهاما ذو مغزى لعلم النفس فى تطويره لمفهوم الإغتراب الإنسانى . وجد ماركس جذر الإغتراب فى عين عملية الإنتاج الرأسمالى نفسها ( 5 ) . فقد رأى ماركس العامل بوصفه مغتربا عن نتاج عمله وعن العمل ذاته . ومادام النتاج يخص الرأسمالى ، فإن عمل العامل هو "بمثابة سخرة ... ليس ملكه ، وإنما ملك آخر " ( 5. ص ص 110 – 111 ) أضف إلى ذلك فإن العمال مغتربون عن طبيعتهم الحقة ككائنات إنسانية لأن عملهم ونتاجه غريب عليهم . وهم لايستطيعون أن يتوحدوا مع الطبيعة والمجتمع . الإغتراب ، من ثم ، محايث للرأسمالية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . وعلى ذلك ، فإن أساس القضاء عليه يكمن ، على المدى الطويل ، فى إحلال الإشتراكية محل الرأسمالية .
حتى فى ظل الرأسمالية ، على أى حال ، رأى ماركس أنه يمكن للعمال أن يقاتلوا الإغتراب من خلال الإرتباط معا فى النضال من أجل مصالحهم الطبقية . وقد كتب ( 5 , ص ص . 154 – 155 .
تلاحظ أكثر النتائج روعة حينما نرى العمال الإشتراكيين الفرنسيين معا ، لم تعد وسائل التواصل التى تقربهم أشياء مثل التدخين ، الشرب ، الأكل . وإنما الرفقة ، الإشتراك والمحادثة التى غايتها المجتمع فى النهاية ، باتت كافية بالنسبة لهم .، أخوة الإنسان ليست لفظة بالنسبة لهم ، وإنما حقيقة حياة ، وتشع نبالة الإنسنن علينا من عمل أجسامهم الصلبة .
الماركسية مؤسسة على العلم . وفلسفتها مشتقة من العلم وتقدم الأساس لتقويم وتفسير النظريات العلمية ومجالات البحث ، ومنهجية . والمادية الجدلية لها أهمية خاصة لعلم النفس مادامت الإبستمولوجيا وعلم النفس متشابكان . يمكن للإبستمولوجيا أن تكون مقاربة ومرشدا قيما لعلم النفس .
المادية التاريخية وعلم النفس
المادية التاريخية هى تطبيق المادية الجدلية على أصل، وتطور ، وإشتغال المجتمع الإنسانى . تبنى ماركس وإنجلز مقاربة تاريخية لتقصى أصل الحياة ، والكائنات الإنسانية ، والمجتمع الإنسانى ( على سبيل المثال 6 ، 7 ) . لقد تبنيا وجهة النظر المتجذرة فى الفلسفة المادية ، القائلة بأن الحياة نشأت من المادة غير الحية كنمط جديد مختلف كيفيا لوجود المادة . أدى التطور التعاقبى ، كما أثبته داروين ، إلى ظهور أنواع متعددة من النباتات والحيوانات . منطلقة من المراحل الدنيا للعليا من العضوية الحية .
مع ظهور الرئيسيات التى كانت لها القدرة على صنع وإستخدام الأدوات لإنتاج ضروريات الحياة . تحققت مرحلة جديدة من التطور حين أدى العمل الجماعى المشترك مع الأدوات إلى تطور الكلام الواضح كوسيلة للإتصال والفكر . وهكذا فإن العمل الإجتماعى القائم على صنع الأدوات وإستخدام الأدوات أنتج الكلام واللغة . تأسس الوعى الإنسانى والعقل على الكلام واللغة . ومن ثم ينظر إليهما بوصفهما نتجا من خلال تطور العمل الإجتماعى والإنتاج المادى . وقد صاغ ماركس وإنجلز ذلك ( 6 ، ص ص 6-7 ) :
إن الفرضيات التى ننطلق منها هى ... الأفراد الحقيقيون ، ونشاطهم والشروط المادية التى يعيشون فى ظلها ... ويمكن تمييز البشر عن الحيوانات بالوعى ، أو الدين أو أى شئ تحب . إنهم أنفسهم يبدأون فى تمييز أنفسهم عن الحيوانات عندما يبدأون فى إنتاج وسائل معيشتهم .
حللت المادية التاريخية الماركسية تطور المجتمع الإنسانى بوصفه قد إنطلق من الشيوعية البدائية للمرحلة الأولى للتطور الإنسانى عبر المجتمعات العبودية ، الإقطاعية ، والرأسمالية والإشتراكية ( 8 ) . لذا ليس المجتمع ثابتا ولا متكررا ولكنه يتغير جدليا عبر تاريخه .
وهذه التغيرات فى المجتمع الإنسانى هى نتاج التغيرات التى تجرى فى وجوده الإجتماعى . يتكون نمط الإنتاج من القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج أى كيف يرتبط الناس ببعضهم البعض فى الإنتاج – كطبقات أو فى علاقات مشاعية . تعود التغيرات فى المجتمع إلى التغيرات فى قوى الإنتاج التى تؤدى لتغيرات فى علاقات الإنتاج . وعلى ذلك فإن نمط الإنتاج الإقطاعى يتميز بقوى إنتاجية معينة وعلاقات إنتاج طبقية تتشكل من سادة ملاك الأرض الإقطاعيين . والقن المنتج المستغل . مع تطور القوى المنتجة ، خاصة تطور أدوات وألآت الإنتاج ، نهضت طبقات جديدة - الرأسماليون والعمال المستغلين –وغيروا علاقات الإنتاج الإقطاعية إلى علاقات إنتاج رأسمالية بواسطة الثورة ( على سبيل المثال الثورة الفرنسية لعام 1789) .
ويتضمن المفهوم المادى للتاريخ إضافة لما سبق أنه ينهض بناء فوقى أيديولوجى على الأساس الإقتصادى للمجتمع . وهكذا تنتج علاقات الإنتاج الرأسمالية بنية أيديولوجية رأسمالية ، التى تخدم مصالح الأساس الإقتصادى الرأسمالى . وبالمثل ينتج الأساس الإشتراكى بنية فوقية إشتراكية . وهكذا فإن الوعى الإجتماعى لاينتج ولايفسر الوجود الإجتماعى وإنما العكس . وكما كتب إنجلز ( 9، ص 26 ) : " من وجهة النظر هذه ، يجب البحث عن الأسباب النهائية للتغيرات الإجتماعية والثورات السياسية ، ليس فى أدمغة البشر ، ولا فى استبصار الإنسان بشكل أفضل فى الحقيقة الأبدية والعدالة ، بل فى التغير فى أنماط الإنتاج والتبادل . "
فى المجتمع الطبقى فإن النظرات السائدة ، والأيديو لوجية ، والفلسفة هى تلك التى تتبناها الطبقة السائدة . مادامت العلوم الإجتماعية والسلوكية لها أثر كبير فى تكوين الأيديولوجية والمعتقدات فى المجتمع الرأسمالى ، فلا يمكن النظر إلى هذه العلوم بوصفها علوما محضة منفصلة عن المصالح الإجتماعية والطبقية . يجب أن تحلل بوصفها قد تشكلت وتأثرت ، وتشوهت من قبل الطبقة التى تسيطر على الحكم وعلى النظام التعليمى والجامعى ، والإعلام التجارى والثروة التى تدعم نظرات وأيديولوجيا معينة . وعلى ذلك لا يمكن أن ينظر للأيديولوجيا كعلم محايد لايتأثر بالمصالح الطبقية . إن نظرية عرقية مثل تلك التى يتبناها آرثر جنسن ، التى تخلص إلى أن السود هم أدنى جينيا فى الذكاء من البيض . يمكن أن تفهم بوصفها أداة الطبقة الرأسمالية للإستغلال الزائد المتواصل للكادحين السود . وكوسيلة كبرى لتفريق البيض والسود .
يتعين أن ينظر إلي علم النفس من وجهة نظر المادية التاريخية بوصفه يلعب دورا أيديولوجيا فى البنية الفوقية الرأسمالية . يستمر دوره العلمى بالتوازى مع دوره الأيديولوجى ، ولكن هذا الدور العلمى محدود ومتخلف بسبب الطبيعة الطبقية للرأسمالية .
وتنتج الإشتراكية بنيتها الفوقية أيضا . وعلى أى حال ، مادامت علاقات الإنتاج الإشتراكية غير طبقية ، فليست هناك طبقة سائدة لتحكم وتشوه علم النفس . يلعب علم النفس فى ظل الإشتراكية دورا فى تقدم المجتمع الإشتراكى من خلال تطوره العلمى الخاص . و ليست العقبات فى وجه مثل هذا التطور من ثم ذات طبيعة طبقية وإنما تعود لحداثة وتعقد علم النفس بوصفه علما .
تقدم المادية التاريخية لعلم النفس مقاربة مادية للتطور الإنسانى والإجتماعى . كما تقدم تحليلا علميا لدور الطبقة الذى يلعبه علم النفس فى ظل الرأسمالية . إنها تؤكد الطبيعة الطبقية للرأسمالية وإهمية الوضع الطبقى لعلم نفس الأفراد . إنها تحلل الأثر السيكولوجى للأيديولوجية الطبقية على الفكر الإنسانى . إنها تعطى أهمية أساسية للوعى الإنسانى بوصفه مناقضا لدور العمليات اللاواعية فى توجيه الفرد . وهى تفسر الإغتراب ، ليس على أساس وجودى للوحدة والعزلة الإجتماعية ، ولكن بوصفه متجذرا تحديدا فى عملية الإنتاج الرأسمالى . يمكن بالفعل لعلم النفس أن يستفيد من المقاربة المادية التاريخية .
النقد الماركسى لعلم النفس
لقد حقق علم النفس تقدما كبيرا فى مجالات مختلفة . على أى حال ، وكما نوقش سابقا فقد أعيق علم النفس أو شوه فى تطوره بالنظرات والنظريات الفلسفية الميتافيزيقية أو المثالية . كما هيمنت عليه نظرة غير تاريخية وغير جدلية لتطور المجتمع الإنسانى وعلاقته بالتطور الفردى . أضف إلى ذلك فقد طور البناء الفوقى الأيديولوجى للرأسمالية ملامح كبرى تغلغلت فى العلوم الإجتماعية والسلوكية . لقد إخترقت هذه الملامح وشكلت الكثير من تطور علم النفس وهى تشمل مايلى .
أيديولوجية معادية للطبقة العاملة
لقد صورت الأيديولوجية الرأسمالية العمال دوما بوصفهم غير أذكياء ، لايغتسلون ، أفظاظ ، سذج ، منحطون . لقد تجاهلت العلوم الإجتماعية والسلوكية بصفة أساسية الواقع الحقيقى للعاملين ، سماتهم الإيجابية ، نضالاتهم الإجتماعية والطبقية ، دعمهم المتبادل لبعضهم البعض . ومقاصدهم الإجتماعية . وبإستثناءات معينة ، حينما أجريت دراسات على العاملين ، إنتهوا إلى نتائج تدعم النمط الرأسمالى للفرد الجلف، الغبى ، السلبى ، والأنانى . وليس من باب المصادفة أن الملامح الأساسية للغش الجسيم الذى يرتكبه عالم النفس سيريل بيرت فى العالم السيكولوجى هو أنه قد " برهن " على أن العمال كانوا أدنى فى ذكائهم من أناس الطبقة الوسطى والعليا .
يعتبر العمال فى منظور الطب النفسى مرضى صعبين لأنهم يفتقرون لإدراك وبصيرة الطبقات " العليا " . ويوجد نظام معقد للتتبع فى التعليم العام فى الولايات المتحدة ، غرضه وهدفه الأساسى هو منع العاملين ، والسود ، والأقليات القومية من الحصول على تعليم متقدم . يقيم التتبع التعليمى مسارات مختلفة ( فصول ) للأطفال ، الأذكياء ، المتوسطون ، البطيئون ، المضطربون ، ذوى النشاط الزائد . كانت نتيجة مثل هذا التتبع هو دفع جمع غير متعلم من العاملين ، والسود ، واللاتينيون وأقليات أخرى لأعمال قذرة ، وضيعة ، وكثيفة الإستغلال أو لجيش العاملين الإحتياطى . لقد طورت نظريات سيكولوجية زائفة لتبرير نظام التتبع التعليمى هذا ، أى فصول متجانسة ، فرص مهنية ( لغسيل الأطباق ، لعمل مكتبى ، للخدمة بتزويد النظريات العرقية عن المنزلية ) حرمان بيئى ، ثقافة مؤذية ، الأمومة السوداء .
النزعة العرقية
إن التطور الباكر للرأسمالية فى بلادنا قد وصمته وشابته العبودية وأيديولوجية ملاك العبيد . أصبحت النزعة العرقية بعد الحرب الأهلية وتحرير العبيد ، أداة أيديولوجية كبرى أساسية لأرباح رأسمالية عالية وللتفريق بين العاملين . لقد خدم علم النفس بزعم دونية السود هذه المصالح الطبقية المراوغة . وهكذا فإن نظرية جنسن عن الدونية الذهنية الجينية للسود هى وصمة فى جبين علم النفس . وبالمثل فإن نظرية دانيال موينيهان عن الإضطرابات العقلية عند الأطفال السود بسبب " الأمومة السوداء " قد مارست تأثيرها العرقى القذر فى حقل الطب النفسي . إن أدوات الإختبار النفسى مثل إختبارات معدلات الذكاء النموذجية ( ستانفورد – بينت & سلم ويشسلرلقياس ذكاء الأطفال ) تستخدم للتخصيص العرقى للأطفال السود لفصول المعاقين ، والمصابين فى المخ ، والمضطربين عاطفيا بأعداد كبرى غير متناسبة . لقد تخللت النزعة العرقية نسيج علم النفس والطب النفسي .
الشوفينية القومية
مادام العاملون فى الولايات المتحدة يضمون أقليات قومية كثيرة وخاصة أعدادا كبيرة من الشيكانو – المكسيكيون الأمريكيون - ، واللاتينيون ، والهنود الغربيون ، فإن النظريات والممارسات الشوفينية القومية تزدهر فى بلادنا . وبدلا من أن تكون بالأحرى " بوتقة إنصهار" فإن بنيتنا الفوقية الأيديولوجية قد تبنت تحيزات وتمييزات ضد العاملين المولودين فى أرض أجنبية ومعظم الأقليات القومية .
لقد لعب علم النفس دورا خلافيا فى حالات كثيرة بتقديم عقلنة لمثل هذه التحيزات ومايصاحبها من ممارسات تمييزية . وهكذا فإن سلم ويشسلرلقياس ذكاء الأطفال يستخدم عادة لإختبار الأطفال من ذوى الأصول الاسبانية بالرغم من أنه ثقافيا ولغويا غير ملائم ويعاقب بشدة الأطفال مزدوجى اللغة . إنها لحقيقة تعليمية أن الأطفال ذوى الأصول الاسبانية يوضعون بشكل غير ملائم فى صفوف خاصة ، مما يسبب لهم ضررا تربويا خطيرا . ووظفت نفس النظريات السيكولوجية ضد الأطفال السود -- المحرومين ، المعوزين ، غير الناضجين حسيا ، من بيوت بلاآباء – تطبق أيضا على الأقليات االقومية وخاصة على الفقراء والعاملين .
التحيز الجنسى وسطوة الذكور
إن تقسيم العاملين وفق الخطوط الجنسية هو ملمح أساسى للأيديولوجية الرأسمالية فى الولايات المتحدة . هذه الأيديولوجية عن دونية المرأة تتوافق مع وتبرر وضع النساء غير المتكافئ إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا فى بلادنا .
إن التحيز الجنسى فى النظرية النفسية والممارسة هو ظاهرة شائعة . نظرية فرويد الأساسية هى السيطرة الذكورية مدفوعة لحدودها القصوى . النساء هيستيريات ، سلبيات ، غريبات ، مليئات بحسد القضيب ، مغاليات فى عواطفهن ، أكثر عصابية ، ولهن شخصيات أضعف ، وفقا لفرويد .
والنساء السود ضحايا التحيز العرقى والجنسى فى السيكولوجيا والطب النفسى . تلام الأم على مشاكل الأطفال بإنتظام . و إعتاد العلاج الموجه فرويديا أن يؤدى بالنساء إلى قبول المصير الذى أملاه عليها تشريحها . وبالرغم من أن مد حركة التحرر النسائى قد شنت هجوما مضادا ضد التحيز الجنسى فى علم النفس والطب النفسى فما زالت النظرية النفسية يحكمها التحيز الجنسي ، وعلم النفس قد بدأ لتوه فى القيام ببداية فى الفهم العلمى للنساء فى مجتمعنا .
النظريات الزائفة عن الطبيعة الإنسانية
البنية الفوقية الأيديولوجية فى الولايات المتحدة حافلة بنظريات أن الطبيعة الإنسانية ثابتة وغير متغيرة ، وأنها جشعة ، أنانية ، عدوانية غير جديرة بالثقة ، محاربة ، متحيزة ، شهوانية ، وكسولة . يقدم علم النفس والطب النفسي نظريات طنانة لتبرير مثل هذا الحكم على الطبيعة الإنسانية . لاحظ نظرية فرويد بأن لدينا ميلا حربيا مدمرا ( ثاناتوس ) فى ميراثنا البيولوجى . إن نظرية ستانلى ميلجريم بأننا سوف نلحق الألم عارفين قاصدين على الآخرين هو رأى يدخل ضمن نفس المقولة . ينحط ب . ف . سكيننر بالكائنات الإنسانية معتبرا إياهم على نفس مستوى الحيوانات . يستجيبون فقط لمخطط إستهداف المكافأة فى كامل حياتهم . حقق كونراد لورنز ( 10 ) شهرته من خلال نظريته عن العدوانية الإنسانية المحايثة . بينما يعزو إدوارد . أو ويلسون ( 11 ، 12 ) سلوكا وغرائز حيوانية للكائنات الإنسانية فى نظريته عن البيولوجيا الإجتماعية .
إذا كانت الطبيعة الإنسانية شريرة وثابتة فإن النزعة العرقية ، والعدوان ، والفقر ، والحرب هى حتمية بصفة أساسية ولايمكن أن نعزوها للنظام الإجتماعى . وهكذا فإن هذه النظرية عن الطبيعة الإنسانية الثابتة والشريرة لها أساس طبقى هيمن على علم النفس بشكل سلبى .
الفردية والذاتية
تحفل الأيديولوجية الرأسمالية بالنزعتين الفردية والذاتية . وقد غمرت هذه الأيديولوجية العلوم الإجتماعية ، بما فيها علم النفس . والفرويدية هى مثل أولى لمقاربة ذاتية وغير إجتماعية للعقل والسلوك الإنسانيين . تشتغل الغرائز البيولوجية من خلال الدوافع ، والعقد ، والدفاعات ، والتحفيز اللاواعى وهى تعزل الفرد عن وجوده /ها الإجتماعى وتفسر السلوك الطبيعى والشاذ بطريقة ذاتية .
وقد دفعت الحركة الإنسانية الكامنة النزعتين الفردية والذاتية لحدودهما القصوى . وجرى الإرتداد بالفرد إلى الشعور والمواقف منفصلة عن سياقها الإجتماعى . " الهو " هو نظرية مثالية ذاتية بشكل واضح تنتهى بأن كل فرد يختبر هذا العلم الذاتى فى اللحظة الحاضرة . إن هذا الإغتيال الأخير للعقل الإنسانى ، والعمل الجماعى والوعى والمعرفة ماهو إلا إنعكاس للرأسمالية حال إنحطاطها . إن " الهو " هو أشد الطبعات مبالغة للحفز الرأسمالى لإجبار الناس على قبول العالم كما هو ، وإعتباره كاملا ، وأن تسعد بكونك تفعل مايفعلون .
وتستخدم الرأسمالية أيضا النزعة الفردية ل " لوم الضحية " وهكذا نجد نظريات فى علم النفس تقول بأن الففقراء هم سبب بيئتهم الفقيرة الخاصة ، لذا هم من ينبغى أن يلاموا .
النظريات الزائفة وأحادية الجانب
تاريخ العلم ملئ بالنظريات الزائفة ، مثل نظرية أن الشمس تتحرك حول الأرض ، أو أن الحجامة لمريض بدنيا سوف تكون مفيدة . يمكن أن تعتبر بعض النظريات الزائفة ملمحا طبيعيا لعلوم شابة فى مسيرة التطور . إن البرهنة على صحة نظرية علمية يتطلب ملاحظة دقيقة ، وإختبار صحيح ، وتفسير ، وإستنتاجات صائبة . التأمل ووضع الفرضيات ضرورى لإنشاء ولإثبات ( أو إبطال نظرية ) . فى هذه العملية المعقدة للوصول لنظريات مثبتة فيما يتعلق بالواقع المعقد ، تظهر نظريات زائفة أو أحادية الجانب .
على أى حال تروج فى المجتمع الطبقى نظريات عدة ، ليس من أجل إثبات نظرية علمية ، وإنما لخدمة مصالح الطبقة السائدة . وهكذا فإن النظريات الزائفة حول العاملين ، والسود ، والنساء ، والأقليات القومية ، والطبيعة الإنسانية هى بمثابة دعاية زائفة ، وغير علمية . إن المثل المشهور عن جاليليو وإضطراره أمام محكمة التفتيش لأن يتبرأ من نظريته العلمية الصائبة حول حركة الأرض حول الشمس دالة على سوء الإستخدام العمدى للعلم .
والنظريات أحادية الجانب فى علم النفس والطب النفسي هى القاعدة وليس الإستثناء فى المجتمع الرأسمالى . حتى التعريف العام لعلم النفس بوصفه علم السلوك هو أحادى الجانب ، مادام يسقط الفكر ، والعاطفة ، والعلاقات والنشاط ، والتاريخ الفردى . المصطلح الشائع للإضطراب العقلى هو المرض العاطفى ، بينما يؤثر المرض العقلى بالطبع ايضا على الإ دراك ، والسلوك ، والموقف ، والقدرة على العمل والعلاقات . تتمحور سلوكية سكيننر على ملمح واحد للإشتغال : السلوك . ويركز تدريب الحساسية على هنا – والآن . يجسد سكيننر تعزيزأ وضعيا حينما يتجاهل الفكر ، والحكم ، والمشاعر .
إن النظريات الأحادية والنظريات الزائفة ترجع لكل من النفوذ الطبقى وإلى المقاربا الضيقة غير الجدلية فى الولايات المتحدة .
إسهام الماركسية
إن إسهام ماركسية المادية الجدلية والتاريخية لعلم النفس والطب النفسى والنقد الماركسى لهذه العلوم فى مجتمع طبقى قد قمنا بعرضه سلفا . للماركسية عدد من الملامح والتأكيدات التى تعتقد أنها سوف تساهم فى تقدم علم النفس .
1 – ترفض الماركسية كل النظريات التى ترتكز الدونية العقلية ، أو العاطفية ، أو السلوكية المؤسسة على العرق ، والطبقة ، والجنس ، أو الأقلية القومية بوصفها غير صالحة وغير علمية . إنها تؤكد على الأهمية الحدية لدراسة التطور الإنسانى فى الواقع العيانى لوجوده ، الإجتماعى والفردى .
2 – تقارب الماركسية العقل الإنسانى والوعى بوصفهما نتاجا للمخ والنظام العصبى المركزى . وهى تلقى الضوء على الدور ذى المغزى الكبير للغة كوسيلة للإتصال ، والفكر ، وتنظيم السلوك . إن عمل علماء النفس السوفييت ومثالهما ليف فيجوتسكى ( 13 ) وألكسندر لوريا ( 14 ) حول دور اللغة قد ساعد على تقدم المعرفة السيكولوجية فى هذه المجالات .
3 – تؤكد الماركسية على أهمية العلاقة بين الفرد والمجتمع . لابد أن تفحص سيكولوجية الأفراد فى المجتمع فى سياق مجتمع طبقى ذى بنية فوقية نوعية – أى بنية رأسمالية . إن تأثيرات البنية الفوقية على سيكولوجية الفرد لها أهمية حيوية فى الدراسة السيكولوجية . وبالمثل فإن التغيرات فى سيكولوجية الأفراد فى مجتمع إشتراكى لابد أن ترى ضمن سياق تغيرات كثيرة تجرى أثناء التحول من مجتمع رأسمالى إلى مجتمع إشتراكى .
4 – إن الماركسية تنظر لعلم النفس بوصفه يلعب دورا فى تقدم المجتمع الإنسانى . كما أن كشف قوانين التطور النفسى الإنسانى يمكن أن تكون لها قيمة كبرى فى التعليم ، والشخصية الإنسانية ، وتكوين الشخصية ، وتوسع القدرات الإنسانية .
5 – تؤكد الماركسية أن علم النفس والطب النفسى هما علمان يحتاجان للتطوير من خلال عمل علمى شديد التدقيق وشامل . العمل العلمى الذى تم القيام به فى ظل الإشتراكية تجسد فى المجلدات الأربعة التى صدرت تحت عنوان دليل علم النفس السوفييتى المعاصر ( 15 ) الذى يحتوى على عرض للتقدم الذى أحرز فى مجالات علم النفس التطورى ، الشاذ ، والإجتماعى . وعلم النفس التجريبى العام ، والنشاط العصبى الأعلى .
6 – إن العلم عالمى فى إطاره ويتطلب أفضل جهود العلماء فى كل البلدان من أجل تقدمه التام . إن التعاون الدولى فى حقل علم النفس والطب النفسى لذو أهمية حيوية لهذين العلمين . وهذا التعاون مهم بصفة خاصة للعلماء فى البلدان الإشتراكية والرأسمالية ، مادام لدى كل منهم الكثير ليتعلم من الآخر .
7 – تعتقد الماركسية أن العلم يتقدم من خلال الصراع ، العلمى والإجتماعى معا . إن السجال والجدال داخل المجال ضرورى ومرحب به ويمكن أن يسهم فى رفض النظريات الزائفة وتصويب النظريات أحادية الجانب . كما أن الصراع الإجتماعى ضد النظريات العرقية والأيديولوجية الرجعية التى تتقنع بمظهر النظريات السيكولوجية يمكن أن يؤدى لتعريتها .
8 – تعتقد الماركسية أن المجتممع الإشتراكى يمكن أن يؤدى لتغيرات عظمى فى سيكولوجية البشر ورفاهيتهم . إن تقديم عناية صحية عقلية تمامة وشاملة ومتاحة ومجانية هو أمر مضمون فى ظل الإشتراكية . وبالمثل ، التوظيف ، والضمان الإجتماعى ، والتعليم ، تكافؤ الفرص ، تسهيلات للأمهات العاملات ، الأجر المتساوى ، ونظام إقتصادى وإجتماعى دائم التوسع يقدم ضمانا سيكولوجيا للشعب الذى يعيش فى الإشتراكية .

المصدر : المجلة الدولية للخدمات الصحية ، المجلد 12 ، 1 نوفمبر 1982.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى