لطيفة اغبارية - المجانين في الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة!

في هذا المقال، سنتطرّق إلى مجانين العصر الكلاسيكي، في الفترة بين أواخر القرن الثاني هجريّ، عصر الجاحظ، هو الرائد في مضمار استدعاء صوت الجنون إلى مشروعه الثقافيّ، وحتى القرن الخامس الهجريّ - عصر حسن النيسابوريّ. إذ يمُثّل 'البيان والتبيين' للجاحظ، و'عقلاء المجانين' للنيسابوري علامتين بارزتين في مسار استدعاء صوت الجنون وإعادة إنتاجه في الخطاب الثقافيّ. وإن كنّا لا نستطيع أن نفي الموضوع حقه هنا، إلا أنني سعيت الإحاطة بجوانب مختلفة منه.
وكنت قد أبحرت في المؤلفات الممتدة في تلك الفترة المذكورة أعلاه، إضافة لبعض المصادر الحديثة، رغم قلّتها، التي تطرقت لموضوع الجنون، مثل كتاب ' خطاب الجنون في الثقافة العربية' لمحمد حيان السمان.
والذي اعتمدت على جانب منه في كتابة هذا المقال، فوجدت الكثير من الميزات الخاصة التي تتعلق بالمجنون، من حيث مكانته، وأهمية صوته الذي كان غالبا مرادفا لصوت العقل، بل ومتغلّبا عليه. وجذبني الموضوع لأنّ صوت الجنون في التراث العربيّ - الإسلاميّ شكّل جانبا هامّا من ثقافة المُضَطهَدين، وفي الحين ذاته شكّل جانباً من الحكمة الشعبية، التي قُمعت فلجأت إلى المجنون. إذ ظهر في المسارد، وفي الوعي الشعبيّ، حكيما شعبيا ينطق بتطلعات الناس وآلامهم. فارتبط صوتهم وحركتهم وتنقلاتهم بمرافق المدينة الإسلاميّة، من قصور، مساجد، أسواق، بيمارستانات، كهوف العزلة، القبور والخرابات. أمّا هيئة المجنون فهي تظهر على أحسن وجه عندما يكون المجنون شابّا ' أحسن الناس وجها'، ' مليح الوجه، حسن الزيّ، قد أرجل شعره، وكحّل عينيه، طراوة يعلوه حلاوة'، أمّا المجنون الشيخ فيوصف ' حسن اللحية، وقورا ذا هيبة'. وهذه الصفات مشتركة لجميع المجانين داخل البيمارستانات وخارجها. لكن تضاف صفة أخرى للمجانين خارج البيمارستان، وهي آثار التعب والعزلة والعبادة.
لقد تمتّع المجنون بمكانة متميزة عند عامّة الناس، وخاصتهم مثل الخلفاء، والسلاطين، رغم الانتقاد اللاذع والمواجهة الصدامية بين المجنون والسلطة. وسنورد أمثلة في ذلك لاحقا، بعدما نعطي لمحة عن تسامح المجتمع العربي- الإسلامي مع المجنون، باعتباره إنسانا صابرا مبتلى، ومقبول عند الله. الأمر الذي بالكثيرين للتظاهر بالجنون للتعبير عن رأي أو اتخاذ موقف غير مقبول من السلطة، ثمّ التخلّص من تبعات هذا الرأي أو الموقف.
فموقف تسامح المجتمع مع المجنون، هو الموقف السائد، قد نبع من خلال الوعي والقيم الدينية الإسلاميّة، والأحاديث النبوية التي تحث على التسامح والرفق، وتنذر بالعذاب، لكل من يعذب الناس بغير حق، وفي ذلك يوجد تفصيل في ' باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض وحزن'. ( صحيح مسلم). وفي باب فضل الضعفاء والخاملين'، من نفس المصدر السابق' يرد هذا الحديث:' ربّ أشعثَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه'.
وقد وجدنا في أدبيات الطبّ العربيّ ـ الإسلاميّ أنّ المجتمعات الإسلامية قد التزمت بتقديم العلاج للمجنون، إذ قامت بإنشاء مصحّات خاصّة بهم، وخصّصت لهم أقسام في البيمارستانات الكبرى لرعايتهم وعلاجهم. فقد ورد في ' العقد الفريد'، وفي جغرافية اليعقوبي، عن وجود بيمارستان خاص بالمجانين في جنوب بغداد، إضافة إلى بيمارستان أنشأه أحمد بن طولون، في القطائع بمصر. فيما أشار الرحالة ابن جبير إلى وجود بيمارستان في دمشق، كان به قسم للمجانين. ومن الرعاية التي تلقاها المجانين ، فقد خُصّص لكل واحد منهم مرافق يصحبه إلى الحدائق والخضرة، ويُسمعه ترتيلا هادئا من القرآن الكريم. لكن هذا التسامح والرعاية لا ينفي وجود حالة سلطوية قمعية في البيمارستانات الإسلامية، وهي شكل من أشكال الضبط المؤسساتي. ففي ' نثر الدّر' يذكر الآبي، هذه الواقعة: 'ولما حُمل - أي بهلول المجنون - إلى المارستان، سأل الناس أن يأذنوا له في أن يُلّم ببيته، ويوصي أهله بشيء، فمنعوه، فقرأ- فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون'. وبكلّ الأحوال لا يمكن مقارنة أوضاع البيمارستانات في العالم الإسلاميّ، بمصحات الأمراض العقلية في أوروبا في العصر الكلاسيكي، والتي أفاض ميشيل فوكو 'في كتابه' تاريخ الجنون' بالحديث عن الطرق الوحشية في تعذيب المجانين. أمّا طرق علاج المجانين فكان بعضها يتمّ بواسطة حلق شعر رأسهم، ودهنه بمراهم علاجية، باعتبار أنّ الجنون مصدره الرأس، أو بتناول جرعات الأدوية، أو تقييد أرجلهم بسلاسل حديدية. أمّا صوت المجنون في الغالب فهو صوت مباشر صريح، ينتقد الخليفة وأعوانه، ويواجههم بشدّة دون خوف. فسعدون المجنون يخاطب المتوكّل، قائلا: ' يا من احتوى على أموال الضّعَفة بظلمه، غدا تبلى سرائرك بين يديّ من لا تخفى عليه السرائر'. فالمجنون لا يغريه المال، بخاصّة من الخلفاء، ودائما يرفضها. فيما يقنع بالقليل منها إذا جاءت من شخص عادي. فميمون الواسطي يرفض الهبة التي أراد الحجّاج أن يمنحه إياها(أربعة آلاف درهم)، ويتهمه بالسرقة و ينصحه بإعادة المال لأصحابه. فيما كان المجانين يُشكّلون واسطة بين الأغنياء والفقراء، فيأخذون المال من الأغنياء ويعطونها للفقراء. فيقول الشعراني في طبقاته عن فرج المجذوب،' إنه كان يطلب المال من الناس، وبعد أن يجمعها يوزعها على الأرامل والمحتاجين، أو يدفنها في جدار حائط ويأخذها الناس'. في حالات كثيرة بدا المجنون مثقفّا، شاعرا، فكان يستقطب في هذه الحالة أديبا معروفا بتصانيفه وآرائه الأدبية، أمثال: الجاحظ، المبرّد، الأصمعي. وترد هذه المواجهات على لسان المثقف نفسه، بصيغة المتكلّم.فيقدّم المجنون نفسه شاعرا، ألمعيّا، سريع البديهة. ويتغلّب بحواره على المثقف. والمثقف يسعى دائما للالتقاء بالمجنون والاستفادة من مواعظه. يقول المبرّد: ' قال لي المازني: يا أبا العباس، بلغني أنك تنصرف من مجلسنا، فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين، فما معناك في ذاك؟ قال: فقلت له: إنّ لهم أعزّك الله طرائف من الكلام، وعجائب من الأقسام'.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى