نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

الروائية فتحية ناصر: أكتب عن حروب داخلية صامتةٌ.. أجرى الحوار – جعفر الديري

نشر: جعفر الديري · ‏7/2/18 ·
  1. فتحية ناصر.JPG

    لا تغرف الروائية الشابة فتحية ناصر شخصياتها من بحر، بل تنحتها من صخر!. لذلك تظهر شخصياتها للقاريء خصوصا في ثلاثية "أبحث عن نفسي" مرهقة بما تفرضه المتغيرات والتجاذبات عليها.

    مع ذلك تبدو ناصر –في هذا الحوار- معجبة بالشخصية البحرينية، المحبة للخير والاصلاح، ورغم أن أجزاء العمل الفني لم تعد معزولة عن بعضها البعض ، ويجري الكاتب العمل عليها في الوقت نفسه من خلال تقنيات سردية تسعى لمحو شخصيتها بطريقة أو بأخرى؛ تصر ناصر على الكلاسيكية كطريق لايجاد الفردانية التي يمكن أن تتعزز كقيمة ايجابية.

    * ثلاثية " أبحث عن نفسي " رواية مستأصلة من نسيج مجتمع البحرين في تسعينات القرن الماضي ، مجتمع ملون بأطياف وشخصيات عدة. ترى هل وجدت فتحية ناصر نفسها بالفعل ، وسط هذا الضجيج؟

    - أجد نفسي باستمرار مثلما أبحث عنها باستمرار. مع كل التغييرات التي تطرأ علينا في هذه الحياة ، إن كانت بصفة شخصية ، أو بصفة مجتمعية شاملة . بل إنني كلما ازداد الضجيج من حولي أزداد بحثاً في الداخل عن التناغم والأمان.

    المقتنعون بفردانيتهم

    * خصائص شخصية ما في عمل درامي بحريني أو خليجي قد تتقاطع مع شخصية تعيش في عالم أوروبي . السؤال : أين نجد فردانية الشخصيات التي يمكن أن تتعزز كقيمة ايجابية؟

    - لا أدري حقيقة أين نجد اليوم مثل هؤلاء المقتنعين بفردانيتهم حد الفخر أو على الأقل حد النظر إليها بشكل إيجابي . في هذا المجتمع ، اليوم ، الأمهات يخاطبن أبناءهن بلغة أجنبية ! . والشباب والشابات أيضاً يمارسون سلوكيات غربية ، ويعتمدون في أشكالهم اطلالات غربية . لم يعد الأمر مقتصرا على من عاد من أوروبا مصطحبا معه صدمته الحضارية ليعيش بها هنا !. بل أصبح حتى من لم يذهب إلى أوروبا في زيارة خاطفة يعيش صدمة حضارية ، والدراما ليست سوى مرآة تعكس لنا ما نراه في الواقع .

    أتساءل كثيرا حين أرى تلك المظاهر : هل هي الرغبة بلفت الأنظار ، أو هو الشعور بالنقص ما يدفع الشخص لمحاولة الخروج عن جلده ؟ ربما هو الشعور الداخلي بأننا بتنا خارج العالم ، نعيش في هامشه ولكي ندخله فيجب علينا أولا أن نتخلص مما بقي فينا ، أو علق ، من عقد ورواسب . أليسوا - في ذلك - على جانب من الحق اذن ؟! ألا يوجد لدينا بالفعل الكثير مما لم يعد يتوائم وروح العصر ، وبات يستدعي التجديد ، ويتطلب التغيير وحتى الاستبدال ؟!. أليس لدينا ما ينبغي أن يقذف بكل بسالة في نفاية الماضي؟! أظن أنها مسألة اقتناع ذاتي في النهاية ، اقتناع كل شخص بنفسه . بعدها تقع على كل واحد مسؤوليته الشخصية في خلق الموازنة بين كل ذلك حتى يعبر عن ذاته ، ويعكس للآخرين خارجياً صورته الداخلية بالشكل الذي يرضيه.

    * تبرز شخصيات فتحية إلى الواقع مرهقة نفسيا بسبب ما تفرضه المتغيرات والتجاذبات ، لكنها أيضا محبة للخير والاصلاح . هل هي صورة منك ؟هل أنت معجبة بالشخصية البحرينية؟

    - هي ليست صورة مني بقدر ما يتعين علي أنا أن ألتزم بأن أكون هي أثناء كتابتها. الكاتب لن يكون عادلا ، ولا واقعيا ، إن اختار أن يكتب دوما ، وفقط ، عمن يشبهه . ولأن من الصعب على الكاتب في الوقت نفسه أن يكتب بصدق وباقناع كاف عمن لا يشبهه البتة ، فإنه يكون أمام خيارات ثلاثة : إما أن يشبه لبعض الوقت من يكتب عنهم ، أو يصر على تكرار نفسه بأساليب وأشكال مختلفة لا تثير ارتياب القارئ ولا تزعجه ، أو أن ينحاز لتفكيك ذاته مع كل عمل ، واهبا لكل شخصية جديدة يكتبها جانبا من تلك الذات.

    المتعة جزء

    * عند التأمل في نصوص فتحية ناصر ، نجدها تكتب في الغالب عن حياة أخرى وحروب من النوع السلس ، تدور دون توقف . هل تتعمدين النزوح بعيدا عن المتعة التي توفرها الأعمال الفنية ؟

    - أفضل أن أقول عنها أنها حروب داخلية . صامتةٌ حد أن لا تعطي لأحد أي مؤشرات بحدوثها . ولكن هذا لا يعني بأي حال أنها ( سلسة ) ! . بل هي لا تقل عن الحروب المدوية قسوة وإيلاما . ولا أتعمد النزوح بعيدا عن المتعة ، ولكنني أزعم وأتأمل أن توفر نصوصي المتعة أيضا مع ما توفره من أشياء أخرى.

    * بعيدا عن رومانسية الثقافة ، ووفقا لما تقتضيه فلسفة البقاء ، وتعزيز شروط الأنا ودفعها باتجاه الأعلى ، برأيك هل تشكل تجربتك الروائية وتجربة جيلك من الروائيات بالتحديد شيئا بالنسبة لقارئ بحريني يخوض نزاعاته الشخصية بحثا عن لقمة العيش؟

    - ليس القارئ البحريني فقط ، بل القراء في كل مكان باتوا منشغلين بلقمة العيش وهو واقع مفهوم . وشخصيا لا تزعجني تلك الحقيقة ، التي عرفتها منذ بدأت أكتب . بل ما أرى أنه أكثر أهمية بالنسبة لي هو أن يؤثر ما كتبت فيمن قرأه ، مهما قل عددهم . أن يلامس أرواحهم ويشعل فتيل أفكارهم إن تمكن.

    أن أمسك بخناقك

    * لا أحب أن أطلق أحكاما عامة على عمل ما ، لكنني أحسست بعد قراءة فتحية وكأنها تمسك بخناقي بصورة هائلة ، محاولة التأثير علي؟

    - وهذا هو أقصى ما أطلبه. أشكرك. مثل هذه الكلمات من أفراد قليلين وفي مناسبات نادرة أو متفرقة ، تغنيك عن ستة أصفار على يمين واحد أو أكثر ، تزين كشف حساب يتوسط أعلى منتصفه اسمُ كتابك . في الابداع ، وفي الأدب تحديداً الأرقام غير مهمة : أرقام المبيعات ، وعدد الطبعات .... هي أرقام لا يمكن اغفالها ، نعم . ولكنها في النهاية ليست مقياسا حقيقيا لمدى نجاحك أو فشلك ، ولا مؤشرا صادق التعبير عما أحدثه أدبك من أثر.

    * أجزاء العمل الفني لم تعد معزولة عن بعضها البعض ، ويجري الكاتب العمل عليها في الوقت نفسه من خلال تقنيات سردية تسعى لمحو شخصيتها بطريقة أو بأخرى . لكنك لا تزالين مخلصة للكلاسيكية . هل هو توجه عن سبق اصرار وترصد ؟

    - أعترف بأنني مغرمة بالكلاسيكية فهي البناء الأساسي لأي عمل . منه جاءت كل أنماط الكتابة الحديثة وعليه تبنى كل أحداث القصص وأشكال السرد . لذلك أعتبرها خالدة لا تموت ، ولا يمكن الاستغناء عنها . لكنني - مع ذلك - لست مخلصة لها تماما !.

    نعم ، عن سبق اصرار وترصد تعمدت كتابة " أبحث عن نفسي " لتكون رواية كلاسيكية وذلك لأنني وجدتها هنا الأكثر ملائمة لفكرة العمل والأكثر قدرة على ايصال الاحساس . لكني في رواية " الرجل السؤال " جربت السرد بطريقة العودة للماضي ( الفلاش باك ) . ولهذا أستطيع أن أقول بأنني على توافق وفي قبول دائم لمختلف أشكال السرد . المهم بالنسبة لي ، ومهما تعددت أساليب الحكي ، هو أن تكون رؤية العمل وقصته واضحة تماما للمتلقي فلا يسبب له ( تعدد الرواة ) مثلا ارباكا ، ولا يؤدي الافراط في التداخلات الزمنية أو تعدد الضمائر إلى التباس .

    البعض اليوم يحاول الكتابة بأساليب أخرى فقط ليتجنب الكتابة بالشكل التقليدي ، لئلا ينتقد لاختيار الكلاسيكية ربما أو حتى لا يُتهم بعدم القدرة على التجديد والابتكار. بالنسبة لي ، لن يزعجني أن أكتب مرة ثانية بالشكل الكلاسيكي إن قدرت بأنه سيجعل عملي أكثر تأثيرا .

    لكل منا امتيازه

    * ألا يخالجك الشعور أحيانا أنّ الثقافة البصرية بمثابة لص يحاول سرقة امتيازك وجمهورك؟

    - كلا ، أبداً . فلكل منهما امتيازه الخاص وأيضا جمهوره . الثقافة البصرية في أساسها شكل من أشكال الرواية . كما أنها عاشت لزمن طويل تتغذى على الأدب ، وما تزال حتى يومنا تقتبس منه . لكني لم أسمع - على الأقل حتى الآن - بأن فيلما سينمائيا أو عملا تلفزيونيا قد تحول إلى رواية !! .

    فتحية ناصر

    روائية بحرينية من مواليد 1978، خريجة كلية العلوم الصحية قسم التمريض. متزوجة و لها 3 أطفال، من كتبها: الحجابان، المرأة التي أحب، قضية جسدي، الرجل السؤال، ثلاثية أبحث عن نفسي.
    صحيفة الوطن البحرينية
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..