علجية عيش - خطاب رئيس التجمع من اجل الثقافة و الديمقراطية RCD هل هو خطاب تحريضي أم لرد الاعتبار أم هو خطاب الوداع؟

ثورة الابتسامة حركت مشاعر الجزائريين و زعزعت كيان النظام
(قراءة في خطاب زعيم التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية RCD في مؤتمره السادس)

الحراك أو "ثورة الابتسامة"، كانت هبّة شعبية حقيقية من أجل تغيير ديمقراطي للنظام القائم منذ عام 1962، في هذه الثورة ، خرجت الجماهير إلى الشوارع في جميع مدن البلاد معلنة رفضها البقاء تحت سيطرة نظام فاسد فُرض بالقوة ومنبثق عن عمليات تزوير انتخابي لا تختلف في شيء عن عمليات التزوير في عهد نايجلن، كان انتهاك صارخ لمختلف الدساتير التي أعدّت داخل مخابر النظام الفاسد، هي رسالة بعث بها رئيس الأرسيدي محسن بلعباس إلى القواعد النضالية للحزب، تحلى فيها بالشجاعة و هو يسلم رئاسة الحزب إلى المؤتمر مخاطبا إياهم بعبارات نضالية صادقة "معكم كنت ومعكم سأكون وسأبقى مناضلا" ، صحيح أن خطاب محسن بلعباس كان مطولا جدا وضع فيه النقاط على الحروف واقفا بذلك و بكل جرأة و شجاعة ندا للند أمام النظام و السلطة و تلك هي مقاييس الزعيم المعارض، فكانت لنا شهية لقراءته قراءة متأنية مع بعض ردود الأفعال و بكل موضوعية

في تونس كانت ثورة الياسمين و في الجزائر ثورة الإبتسامة هو الإسم الذي أطلقه تلامذة سعيد سعدي الزعيم الأول للتجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية RCD و مؤسسه على الحراك الشعبي في الجزائر الذي انطلق في فيفري 2019 و أحدث ضجة إعلامية على مستوى دولي و كان موضع اهتمام الرأي العام العربي و الغربي، كان الحراك ثورة انتظرها الجزائريون و أن يعيشوه كما عاشوا الربيع الأمازيغي ، إلا أن الحراك لم يكن حراكا أمازيغيا و لا حراكا عربيا، بل كان حراكا جزائريا لتطهير البلاد من الفساد ، و تحقيق هذا الحلم لن يكون بالبيانات في الصحف، و لا بتجمعات شعبية أو خطابات حزبية داخل الصالونات، بل كان في حاجة إلى ثورة حقيقية، ثورة سلمية لا يستعمل فيها السلاح مثلما حدث في بداية التسعينيات عندما دخلت الجماعات الإسلامية في مواجهات دموية مع النظام، و معروف عن حزب الأرسيدي الذي تبنى خط "المعارضة" للنظام مذ تاسيس الحزب أنه كان من بين المطالبين بإقالة الرئيس بوتفليقة و رفض العهدة الخامسة و طالب بحل البوليس السياسي، وإعادة شعار جبهة التحرير الوطني إلى الذاكرة الجماعية أي وضعها في المتحف، تمهيداً لإصلاح شامل للأمة على نهج الكرامة والحرية والديمقراطية والحداثة والعالمية.
و لعل الذين تتبعوا خطاب محسن بلعباس يوافقونه الرأي بأن الأزمة هي أزمة دستورية وسياسية واقتصادية ومالية واجتماعية وثقافية و أزمة حُكم أيضا، و قد يلخصها البعض بأن الأزمة هي ازمة رجال، فعندما توكل الأمور لغير أهلها وتسلم المسؤولية لاشخاص لا يحسنون القيادة ولا يكون في السفينة ربان واحد تغرق السفينة ، فكان لابد من جسّ نبض الشعب ليستيقظ من سباته الذي دام عشرون سنة كاملة، لم تضع السلطة فيها برنامج المجتمع في معناه الصحيح، خاصة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، فلا برنامج سياسي و لا برنامج اقتصادي و لا برنامج تربوي و لا برنامج ثقافي، كل ما كان هو ترقيعات لثغرات عميقة أحدثتها أطراف أرادت البقاء في الحكم ، وكان لها تخوف كبير من التعددية، فحاولت قمع المعارضة السياسية بكل الطرق و الأساليب، فكان لابد من تدارك الوضع قبل أن تغرق السفينة.
من وجهة نظر حزب الأرسيدي فإن الأزمة قديمة متجذرة ، إذ تعود إلى اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقد بطرابلس في شهر ماي 1962 بعد المصادقة بالإجماع دون نقاش حقيقي على البرنامج السياسي للجزائر المستقلة، وهو ما اصطلح عليه بأزمة صيف 1962 التي صادرت ثورة نوفمبر54 ، و السؤال هو لماذا اجتماع طرابلس بالذات؟ و لماذا لا نقول أن الأزمة بدأت منذ الشروع في وضع الأرضية لوضع ميثاق الجزائر الذي كان عبارة عن وثيقة إيديولوجية تُسَيَّر على أساسها الدولة الجزائرية، كانت الأغلبية ضد هذا المشروع، رغم ذلك صودق عليه في مؤتمر 1964 بعدما فصل بن بلة كل النقاشات لصالح طروحاته، تم في هذا المؤتمر تم إقصاء مؤسسي جبهة التحرير الوطني عام 1954 كبوضياف و حسين آيت أحمد و محمد خيدر الذي أبعده بن بلة قبل انعقاد المؤتمر بحيث لم يعد أمينا عاما للحزب، ما يمكن قوله أن كل القوى الثورية و السياسية في الجزائر لم تستطع التعايش مع الأزمة في الوقت الذي كانت الإيديولوجية السائدة تزعم أن الأزمة الراهنة ليست سوى حالة طارئة سوف يتم التغلب عليها و في أسوأ الحالات، و حتى إذا طال أمدها، فمن الممكن التعايش معها دون المساس بالبنى الأساسية للنظام، و هذا ما لم تستسغه القوى الثورية و القوى السياسية في البلاد.

من خلال هذا الخطاب يلاحظ أن المطلب لا يزال مطروحا لعقد حوار وطني شامل باعتباره شرطًا أساسياً لتجاوز حالة انعدام الثقة السائدة بين القوى السياسية والاجتماعية، وإحداث القطيعة مع الرداءة التي تلوّث الحياة السياسية، والتغلب على عجز الطبقة السياسية ( سلطة ومعارضة) عن المبادرة بتنازلات والوصول إلى تسوية وحل لخلافاتها خدمة لمصلحة الأمة ، أراد محسن بلعباس القول أن الأرسيدي كان حاضرا بقوة في جميع المحاولات عارضا افكاره و كانت له عروضا سياسيا و مشاريع قدمها لإخراج الجزائر من أزمتها، أولها مشروع دستور عُرض للنقاش في ندوة وطنية مفتوحة نظمت في 29 جوان 2013. ثم حصوله على توافق وطني حول مشروع إنشاء هيئة مستقلة لتسيير الانتخابات ومرصد وطني للانتخابات، وهي المبادرة التي أفضت إلى تنظيم الندوة من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي في مزافران في جوان 2014. ثم مشاركته في الحراك الشعبي 2019، من أجل التغيير الجذري و استقلالية العدالة و إزالة الفجوة بينها و بين المجتمع، كذلك إعادة إنعاش الإقتصاد الوطني و وضع خطة إصلاح اقتصادي و إعادة النظر في المنظومات الصحية و التربوية و الثقافة و التفكير في القضاء على هجرة الأدمغة و مكافحة ظاهرة المخدرات و ظاهرة الهجرة غير الشرعية، محاربة المحسوبية و الرشوة ، كل هذا يُعَبِّرُ على أن الأزمة هي أزمة حكم، و أن النظام القائم هو نظام دكتاتوري استبدادي، و هي الأسباب التي جعلت الشعب يثور و يصنع حراكه بل ثورته و هو يبتسم للغد الأفضل حيث أطلق رئيس الأرسيدي على هذا الحراك بثورة "الابتسامة".
وإذا وقفنا على ما جاء في خطاب محسن بلعباس خاصة النقطة المتعلقة برئيس الجمهورية عبد المجيد تبون و قوله بأن هذا الأخير لا يدرك حجم مهمته وسلطته، وهو في معظم الأوقات محصور بين جدران المقر الرئاسي، غائب عن الساحة الوطنية والدولية، لا يتحدث إلى الشعب ولا يستمع إلى المواطنين و كذلك بالنسبة للوزير الأول الذي يملك سلطة فعلية ولا يفهم ما هو منتظر منه و حتى باقي الوزراء فليس لديهم سلطة ولا مهام ولا مجال اختصاص محدد...الخ، و إن كان هذا الكلام لا يعتبر اتهاما مباشرا لكن يعتبر خطير جدا حتى لو كان مجرد انطباع ، فصاحب الخطاب كان له ما يكفي من الشجاعة و الجرأة في انتقاد القائد ألأول في البلاد ربما من باب تنبيههم لما يحدث في الخفاء لا يمكن طبعا إجراء قراءة سطحية لخطاب محسن بلعباس ، أو المرور عليه مرور الكرام، فهذه القراءة تقودنا إلى طرح السؤال التالي: لماذا لم ينزل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى الشارع ليحتضن الشعب، يلتقي به و يستمع لنبضه؟ و هذا منذ انتخابه على راس الجمهورية الجزائرية، في الوقت الذي كان الوزراء ينزلون لتفقد قطاعاتهم خلال الفترة الحرجة بعد ظهور الجائحة ؟ و يبدوا أن رئيس الأرسيدي كان يحمل في قلبه غضبا شديدا و حرقة كبيرة على الوضع الذي آلت إليه البلاد ، أمام كل الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطن الجزائري و التي تطال حرية التعبير وحرية الصحافة حيث أصبحت مفضوحة ومخالفة كلياً للدستور والقوانين، تهدف السلطة بذلك إلى تخدير المواطنين وإفشال أي ديناميكية معارضة لسياستها فيكونوا عرضة للمتابعات القضائية والقمع في الشوارع والسجن بسبب آرائهم.

المُجْمَعُ عليه أن الجزائريين كلهم بمختلف أطيافهم كانوا في السنوات الأخيرة ضد العهدة الخامسة و وقفوا جزائر بوتفليقة الذي كان يتبنى منطق ثابت لا يتغير، و هذا بسبب طريقة تسييره لشؤون البلاد ، حتى لا تكون الجزائر ملكية خاصة بعدما ترك العنان لرجال الأعمال و لم يفعل الرقابة المالية حتى أدرك أن مجموعة الخليفة شيدت إمبراطوريتها بأموال الدولة و اختراقها قوانين الجمهورية، ، من جانب آخر كان حزب الأرسيدي من بين الستة أحزاب التي نافست ترشح بوتفليقة قبل انسحابهم من المعركة بعدما استخدم بوتفليقة كل أساليبه في جمع المليون توقيع ما جعل الطبقة السياسية تفقد مصداقيتها، و يُشْهَدُ لمؤسس التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية سعيد سعدي أنه رجل محنك سياسيا شارك في كل أنواع الانتخابات منذ سنة 1999، لكنه لم يحظ و لا مرة في الفوز و المرور إلى قصر المرادية، رغم أنه مثقف و مشهود له بالرزانة و التعقل زيادة إلى كونه رجل حركة كما وصفه من عايشوه و يملك خلفه ماضي طويل في المعارضة السياسية، و قال آخرون أن سعيد سعدي دقيق الملاحظة، مجادلٌ كلن خسارته في الانتخابات ظلت تطرح نقطة استفهام ، رغم أن سعيد سعدي عمل على دعم بوتفليقة بعد ذلك إلى غاية انسحابه من الحكومة بسبب الغليان القبائلي الذي شهدته الساحة في تلك الفترة ، حيث اتهمه محيطه بالمتقلب، و اتهمه الأفافاس و حركة العروش بالعميل للسلطة.
الشيء الذي يظل مبهما هو ماذا يقصد الأرسيدي بعبارة ابتكار الجزائر؟ فقد اعتاد الشعب و من يمثله ( سواء أحزاب سياسية أو مجتمع مدني ) الحديث عن إعادة بناء الجزائر أو جَبْرٍهَا إن صح القول بعدما تعرضت لكسور، و قد بسط صاحب الخطاب فكرته عندما قال ابتكار الجزائر يعني.. و يعني.. و يعني.. و يعني.. و يعني.. و يعني.. و يعني وضع الثقة في الشباب والأجيال الجديدة، و الخروج من عهد التسيير بالمراسيم و إقامة منظومة حكم ديمقراطية. و تشكيل حكومة من الشعب وبالشعب وللشعب، وقد لخصها في عبارة تأسيس دولة القانون و العدالة، طالما في البلاد ورشة ضخمة لإرساء أسس النمو المستدام خارج المحروقات، ما يمكن قوله أن المقترحات التي تقدم بها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سبق إلى طرحها كثير من قادة الأحزاب باختلاف إيديولوجياتها ، لكن ما لم نقف عليه هو أن خطاب محسن بلعباس اسثتثى الحديث عن الأزمة التي تغرق فيها المنظومة التربوية و المنظومة الثقافية بشكل صريح و مفصل و ماهي الإقتراحات التي يمكن تبنيها، ثم أن البعض و بخاصة الملاحظين قد يفهمون رسالته المشفرة بأنه يدعوا إلى القيام بثورة جديدة، عندما قال: "إنه حان وقت الثورة ضد جميع أشكال الظلم والحرمان، و حان وقت استعادة الحريات الأساسية وحقوقنا"
السؤال الذي يلح على الطرح هو كالتالي: هل خطاب محسن بلعباس يعتبر خطابا تحريضيا؟، أم هو نداء من أجل رد الإعتبار للحزب الذي تلقى كما قال هو حملة التشهير والتضليل والتخويف والتهديدات التي شنّتها السلطة على حزبه ومناضليه، خاصة و أن مقر حزبهم الوطني لايزال محاصرا منذ ثلاث سنوات وتحت مراقبة دائمة دون قرار من المحكمة، فضلا عن الإعتقالات التي طالت مناضليه و سجنهم ظلما ( ياسين مرشيش ، العربي مناد ) اللذان لم يشاركا في مؤتمر الحزب السادس ، و رفع عنه كنائب الحصانة البرلمانية لاتهامات ملفقة زائفة ولا أساس لها ( كما يقول هو= و هو الآن في الشهر السادس من الرقابة القضائية، ما لا يدعو إلى الشك هو أن خطاب محسن بلعباس كان شديد اللهجة و حاد و يحمل مشاعر الغضب من النظام أو السلطة لدرجة أنه بدا في الفقرات الأخيرة من خطابه عنيفا، و كأنه يحرض فعلا على القيام يثورة حديدة و نلمس ذلك في قوله: إن المهمة صعبة لكن لا توجد صعوبة أمام الإرادة الشعبية، و يضيف بأن التزامهم هو التزام مناضلين عاقدين العزم على مواجهة تحديات بلد عانى كثيرًا تحت وطأة نظام استبدادي، لأن الأرسيدي حزب متكوّن من مناضلين ومناضلات متمرسين يرفضون التفاوض على استقلالية قرارهم وملتزمين بممارسة السياسة في خدمة الشعب، قبل أن يعدل موقفه أو يتراجع عنه بالقول: إنني اخترت التسامح والنقاش بدلاً من الصراع والخلاف، والنضال السلمي بدلاً من العنف، والنضال الديمقراطي واستقلالية القرار بدلاً من الخضوع والتخاذل، والحقيقة والأصالة بدلاً من الديماغوجية والشعبوية، والإخلاص لمبادئنا بدلاً من الانتهازية والتزلف والترقيات الرخيصة، والنزاهة والوطنية بدلاً من الخداع والانهزامية، والتسامح بدلاً من الطائفية والتعصّب.
علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى