خالد جهاد - زعزعة الأفكار

المقال رقم (١٢) ضمن سلسلة مقالات (القبح والجمال)..

تنويه: يتضمن هذا المقال بعض المقاطع التي قد يكون قراءتها بحضور الأطفال غير مناسباً..

عندما نذكر مصطلح (الإيمان) تتبادر إلى أذهاننا الأديان ولكن الإيمان قد يكون بمبدأ أو فكرة أو شخص أو حالة أو منظومة معينة، ولا شك أن الأديان وغيرها من المبادئ هي جزء هام من حياة الإنسان فقد وجدت الكثير من الآلهة على مدار التاريخ وفي مختلف الحضارات ولكلٍ منها فلسفتها وطقوسها وقواعدها، ما يدل على أن التعبد والإعتقاد بوجود قوةٍ أكبر والحاجة لها أو إلى فكر تحتكم إليه ليس أمراً مستحدثاً بل ولد مع الإنسان منذ فجر التاريخ وظل معه بشكلٍ ثابت دون أن يختفي فيما اختفت الكثير من الأفكار والحاجات الأخرى، ولذلك احتاج الناس دوماً إلى الإيمان بالله على اختلاف الأديان والمذاهب أو الإيمان بأي فكرة أو فلسفة أو مبدأ كما في دول مثل الصين والهند ليستطيع إكمال حياته أو تبرير وجوده حتى وإن لم تكن ذات بعدٍ ديني، ودون شك فإن السلوكيات البشرية التي تطورت منذ آلاف السنين لم تقتصر على تأدية الطقوس الدينية بل صنعت على اختلاف الثقافات ما يمكن أن نسميه بما يشبه دستوراً أو قانوناً أو نظاماً أو عرفاً جعله يرفض هذا السلوك أو يقر ذاك بما يتناسب مع مصلحتها ومصلحة المجتمع وأفراده، حيث مر البشر بالكثير من المراحل والإكتشافات التي قادتهم إلى ما نعيشه اليوم، وبالعودة إلى استكمال سلسلة (القبح والجمال) سنرى أن الإعلام ومن خلال أذرعه المتعددة وحتى الإعلانية منها كان من أحد أهم أهدافه هو زعزعة الأفكار والمبادئ وإشاعة الفوضى على أكثر من صعيد لإحلال ثقافة جديدة مكانها في كل أنحاء العالم، كأحد أوجه العولمة التي تحاول خلق معايير ونماذج محددة للإنسان وما ينبغي أن يكون عليه، وكما ذكرنا بعض الأمثلة في السينما والإعلام نكمل اليوم ما بدأناه في عالم الموسيقى والغناء..

فبسبب الظروف والأوضاع السياسية المعقدة التي تعيشها بلادنا اعتقدنا أننا وحدنا من نعاني أو يستهدف لكن الواقع هو أن كل ما يحدث هو مضاد للإنسان والطبيعة، وكون الغناء والموسيقى فن أكثر وصولاً إلى العديد من الطبقات وبطريقةٍ أسرع سواءاً كان ذلك عبر الأغنية نفسها أو من خلال تصويرها بطريقة الڤيديو كليب، فقد تم توظيف الكثير من الفنانين والأغنيات عبر كلماتهم وأخبارهم وسلوكهم لتمرير مبادىء أو أفكار أو خلق شعور بالتوتر أو الخوف أو عدم الراحة أو عبثية الوجود أو التبشير بسلوكيات خارجة عن المألوف لتمهد لتقبل ونشر ثقافة القبح تدريجياً، والتي تزامنت مع محاولة إلغاء خصوصية كل ثقافة ومحو التراث حتى الفني والموسيقي منه، إلى جانب موجة موجهة وممنهجة للهجوم على الأديان وإبراز النماذج السلبية لرجال الدين بشكلٍ مستمر ومكثف وخلق حالة من السخط والشحن المستمر ضد كل ما هو ديني، فسواءاً كان أحدنا متديناً أم لا فإننا نعي أن الدين يعني حالةً من الإلتزام بمجموعة من الضوابط والأفكار (وهو ما يجب استهدافه) كما ذكر بالتوازي مع بث أغاني تتحدث عن الحرية و(استكشاف كل شيء) وتكريس حالة الضياع المقترنة بالمجون والتي كان أحد أبرز نماذجها التي جسدتها بإقتدار المغنية الأمريكية مادونا..

فكانت أول مغنية تتعرى بالكامل وتؤدي عروضاً راقصة أقرب إلى الإباحية على خشبة المسرح، إضافة ً إلى القيام بأفعال فاضحة أمام الجمهور والقيام بممارسات جنسية ومثلية ضمن حفلاتها بشكل متعمد ومرتب له سلفاً، وهذا ليس كل شيء فقد قدمت مادونا مراراً أداءاً جنسياً واستخدمت فيه الرموز الدينية حيث قامت بالتعري على الصليب واستخدام إشارات مشينة آذت مشاعر المؤمنين بالديانة المسيحية على وجه الخصوص والتي دفعت العديد من الكنائس في الولايات المتحدة الأمريكية إلى دعوة أبنائها إلى مقاطعتها ومقاطعة أعمالها ووصفها بإبنة الشيطان أو بالشيطان ذاته، إلى جانب تعمد تشويه صورة الراهبات مراراً وتكراراً من خلال أعمالها وعروضها الغنائية (نموذج الراهبة نموذج يحظى بالإحترام حتى من غير المسيحيين ويجسد الخلق والإستقامة ولذلك تم العمل على استهدافه بدناءة) وإظهار فتيات يرقصن معها يرتدين ثياباً فاضحة من الأسفل مع زي الراهبات من الأعلى واستخدام إشارة الصليب كثيراً خلال رقصاتها، وهو ما قام به الكثير من الممثلين والمغنيين في الغرب بشكلٍ متقن وبعدة طرق، ليكون الهجوم على الديانة المسيحية مقدمةً لما حدث لاحقاً في الغرب من هجوم على الإسلام، ليس كمجرد أديان بل كمظلة أخلاقية يجب تدميرها للإنتقال إلى مرحلة تسليع الإنسان وجعل المادة بمعانيها وأبعادها المتعددة محور هذا العالم، والتي بدورها ستمنح الإمتيازات والحقوق لطبقات معينة دون سواها، ولذلك كان يجب قتل كل ماهو أخلاقي لنصل إلى هذه النتيجة وهي التواجد في مرحلة ضبابية الرؤية وهلامية القيم..

وبالعودة إلى مادونا فإن ما تقدمه طرح العديد من علامات الإستفهام في الإعلام الأمريكي حول ما تقوم به وحول معتقداتها وطريقة تفكيرها واعتناقها للكابالا كعقيدة متفرعة من الديانة اليهودية، وهو ما يذكرنا بكونها من أهم الوجوه الداعمة للكيان الصهيوني، فتلقت نسخةً خاصة من التوراة كهدية من رئيسه آنذاك شمعون بيريز وتجمعها به الكثير من الصور التذكارية وبرئيس وزرائه السابق بنيامين نتنياهو وزوجته إلى جانب العديد من المسؤولين في دولة الإحتلال، إضافة ً إلى أرشيفها الحافل بالكثير من الأغاني المصورة التي تبث أفكاراً عن التعذيب والتنكيل واللعب على وتر الحروب كما حدث في الحرب على العراق آنذاك، والحديث عن ذلك من خلال إطار (البحث عن الذات) في العديد من الأغنيات مثل أغنية (الحياة الأمريكية American Life) والتي تروج فيها من منظورها لفكرة (الحلم الأمريكي) الذي تغني له وقالت بأنها تعيشه خارج (التصنيفات الضيقة) والمتعارف عليها مع اسقاطات سياسية واضحة لا تخطأها العين..

ولا ينفصل ذلك عن أسماء كثيرة كانت بداياتها في برامج الأطفال في الولايات المتحدة ومن ثم شقت طريقها في عالم صناعة الموسيقى المليء بالمحاذير والشروط كبريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا (واللواتي قدمن عروضاً راقصة تمتاز بالخلاعة مع مادونا أيضاً) وفريق (سبايس جيرلز) البريطاني والكثير غيرهم، واللواتي ظهرن جميعاً في نفس الفترة تقريباً عام ١٩٩٧ وبشكل أقرب إلى فتيات المدارس الثانوية وأجواء موسيقى البوب وحفلات المراهقين والتي نالت شهرةً عالمية ونجاحاً لافتاً تغير بشكل تدريجي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام ٢٠٠١، فبعد تثبيت أسمائهم وشهرتهم تم التحول في الصورة التي اجتهدوا في صنعها وتقديمها وتم إنفاق الملايين لأجلها لتستثمر في قالب وشكل جديد انطلق بشكل مكثف عبر وسائل الإعلام بالتزامن مع غزو العراق عام ٢٠٠٣ موجة عالمية جديدة من تقديم أعمالٍ بمفردات جنسية صريحة، وتحول صورة (الفتاة البريئة أو المرحة) إلى الفتاة الشبقة والأقرب إلى نماذج العاهرات وبشكل سوقي مبتذل يروج لتوحش الغريزة وانفلاتها، فكانت الأغاني للأسماء المذكورة وغيرها على صعيد الكلمة أو الصورة أو الأداء تعزز ذلك، وفي شكل كان منفراً وساهم في تغيير الذوق والسلوكيات وجعل التفكير أكثر غرائزية على مستوى العالم، وكسر هذا الحاجز الذي تسبب معه بزعزعة الكثير من أساسات المجتمع واغراقه في أعمال متدنية مليئة بالإنحدار وانشغاله بالتفاهة عن ما يجب أن يهتم به، وجعل الكثير مما كان مستقبحاً في السابق أمراً واقعاً ووجهة نظر عادية جداً من خلال إشاعة حالة عدم الطمأنينة ونسف الأفكار والتي تعد الأكثر خطراً على الجيل الشاب والأجيال القادمة..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى