علجية عيش - تجربتي مع القبس

الخطاب الإعلامي في الجزائر و رهانات التكنولوجيا و العولمة

تجربتي مع مجلة القبس الإلكترونية حديثة، لكن من خلال اطلاعي على بعض الأعداد وقفت على ان هناك بشائر كثيرة تشير على وجود وعي إعلامي لواقع الأمّة، تحاول القبس رسم معالمها الحضارية التي ينبغي أن تكون في المستقبل على أن تضع لهذا المستقبل قانون التغيير الذي يسير بالمجتمع البشري إلى برّ الأمان و إعادة إغنائه فكرا و ثقافة و أدبا بعدما أفلس في عدة ميادين و مجالات و بالأخص على الصعيدين الفكري و الثقافي، فعندما نتصفح محتويات القبس نلمس فيها الجرأة في الطرح و الشجاعة في إبداء الرأي و اتخاذ الموقف، كما نلمس الوضوح في الرؤية و سلامة الفكر، فهي تطرح القضايا الساخنة التي تثير اهتمام الرأي العام و ردود فعله، لدرجة أنها تختار العناوين المناسبة التي تخدم المضمون و تستقطب القارئ، فتجعله أسير الفكرة، مثلما نجده في بعض الأعداد التي أعطيت لها عناوين مثيرة ( رماد الثورة، الشموخ و التحدي، السلطة الجديدة، التغيير الهادي، الإسلاميون و العسكر، مملكة آل بوتفيقة..) و عناوين أخرى اكثر إثارة تناولت فيها القبس قضايا حساسة جدا تشغل بال الرأي العام و الجمهور.

و كم أثارني العدد الثالث و الثلاثون (33) الصادر في جانفي 2022 الذي حمل عنوان "انقلاب صقور الجيش" نشرت القبس في غلاف المجلة صورة مكبرة لزعيم الفيس الشيخ عباسي مدني رحمه الله، و خر صورة لزعيم آخر هو مصالي الحاج و كان العنوان أكثر غثارة " من يخون من؟ و في عدد آخر صورة للشيخ عبد الله جاب الله نجد العنوان ( ظاهرة الشيخ عبد الله جاب الله) يطرح تساءلات إن كان الشيخ جاب الله ظاهرة أم لا؟، طبعا لا يعني ذلك أن خط القبس سياسي محض، و إنما هي فضاء إعلامي متنوع كبستان فيه كل أنواع الزهور وعلى القارئ ان يختار ما يروي ضمأه فكري كان أو أدبي، فقد خصصت القبس صفحات عديدة للمبدعين و هذا دليل على أنها تملك ذوقا رفيعا و جمالا فنيا راق جدا، كما منحت ىمساحة كبرى للجنس اللطيف و صورته تحتل واجهة المجلة، وكأنها تخاطب القار و تقول: أنا قبس من نور ، كتاب مفتوح يجيبك إجابة واضحة على سؤال واحد هو: كيف يمكن أن نحقق ذات الإنسان؟ و كيف يمكن إعادة تأهيله لإستعادة ما فقده في زمن ما وزرع فيه قوة روحية؟، إن الفكرة pensee السليمة هي قوة روحية تستطيع مواجهة الإعصار و لها القدرة على أن تتحول إلى فعل action إن وجدت لها التربة النقية، الصالحة، و هذه الفكرة لا يُحَوِّلُهَا إلى فعل حقيقي إلا من عاش لغيره لا لذاته كما قال سيد قطب، هذه الفكرة ترفع الإنسان إلى السمو، هي رسالة و منهاج حياة.

فالمواضيع التي تنشرها مجلة القبس الإلكترونية (الجزائرية) نلمس فيها مساعيها في القضاء على التخلف و الوهن الفكري و السياسي و الإجتماعي الذي لحق بهذه الأمة في جميع صوره و أشكاله فتجعلها ليس فقط تتطور و تنمو نموًّا حقيقيا، بل تجدد الطاقات الفكرية التي أُهْدِرَتْ و عُطِّلَتْ، أمّا "رحلة في كتاب" فهي تفتح الباب على مصراعيه لمعرفة المنتوج الإبداعي من داخل و خارج الجزائر و إضافته إلى مكتبة القبس المعرفية، و هو بلاشك سيكون رصيدا معرفيا قد يتحول إلى مرجع للأجيال من أجل إيصال الكتاب إلى القارئ و التعريف بصاحبه، بمعنى أن الكتاب هو الذي يذهب إلى القارئ و ليس القارئ الذي يبحث عليه، في ظل أزمة النشر و ارتفاع أسعار الكتب و أحيانا ندرتها في سوق الكتاب، و لعل الفضل بعود إلى التكنولوجيا التي جعلت العالم قرية صغيرة، فنجاح أيّ صحيفة أو مجلة إلكترونية سواء كانت محكمة أو غير محكمة و سواء كانت اسبوعية أو شهرية متوقف على مدى الإهتمام بالجانب التاريخي و تأريخ الأحداث و توثيقها و متوقف كذلك على كتابة السير الذاتية و التعريف بأعلام الفكر و الثقافة و الزعماء الذين صنعوا الحدث السياسي و التاريخين و بشهادة مختصين فالكتابات الأدبية لها علاقات معقدة مع الحقيقة و إن عبّرت الأعمال الأدبية عن الحقيقة فهي لا تخرج عن حد الظرف الإنساني، ثم أنها تعبر عن الحقيقية بصيغة خيالية.

الملاحظة التي وقفنا عليها كذلك هي أن مجلة القبس تحاول فرض ذاتها كفضاء إعلامي ( وهذا حقها) له خطاب موحد لا تربطه بالإيديولوجيا، أي خطاب حُرٌّ ، نزيه و حياديٌّ ، حتى في تناولها المسائل الحساسة التي أصبحت تشكل "طابو" و تريد أطراف وأدها و ذلك حتى لا ينجرف الناس وراءها فيتبنون أنظمة أفكار قد تخرجهم عن الخط الذي ترسمه السلطة و بالتالي تبقيهم موالين لها أو كما سمّاه البعض بـ: " الولاء الأكاديمي للسلطة"، ويتضح مما سبق أن مجلة القبس الإلكترونية على غرار بعض الصحف الإلكترونية و المجلات العربية كصحيفة المثقف و صحيفة الفكر، ومجلة الأنطولوجيا ، هذه الصحف و المجلات أدركت لعبة العالم، فهي تعبر عن حقوق الإنسان بصرف النظر عن الإختلاف الموجود في الأفكار و وجهات النظر و تناقضها و الأوضاع و المؤثرات الثقافية، أمام كثافة الإتصال و التواصل و بروز مواقع التواصل الإجتماعي ( الفيسبوك، التويتر و الإنستغرام) ظهرت حياة حديدة تتناقض مع التقاليد السائدة، فكان الصراع بين الأصالة و الحداثة، و لذا تحاول مجلة القبس الإلكترونية الجزائرية خلق نوع من الإنسجام و التجانس بين الأفكار و تكون مدرسة لتهذيب السلوك و السياسات و تقرب بين مختلف التيارات سياسية كانت أو دينية أو حتى تيارات فكرية ثقافية.

في هذا الإطار و خارج السمعي البصري، هل يمكن أن نتحدث عن إنتاج إعلاميٍّ مكتوب بصفة عامة؟ أي وجود ثروة إعلامية أو رأسمال إعلامي وكيف نحدد مفهومه هل بالكم أم بالنوع؟، و هل يمكن الحديث عن اقتصاد الإعلام و تكيفه مع تقنيات الرقمنة التي أحدثت انفجارا بخلقها لغة مشتركة تتعامل بها مختلف انماط التعبير، و خلاصة القول نرى أن ظهور الصحف و المجلات الإلكترونية راجع إلى البيروقراطية الإعلامية التي تمارسها بعض الصحف و بإيعاز من جهات فوقية و نقصد هنا الصحف التي تعتبر لسان حال حزب ما، فهي غالبا ما تكون مقيّدة و لا تملك أدنى مساحة من الحرية للتعبير، فنجدها احيانا تعبر عن مواقف هي لا تؤمن بها في قرارة نفسها، في الوقت الذي أصبحت فيه صحف حديثة النشأة و حتى المجلات تسابق الزمن في خطابها الإعلامي و تكيفه مع الواقع الراهن سعيا منها لبناء مجتمع الإعلام و المعرفة و كسب رهانات التكنولوجيا و العولمة لتحجز لها مكانة في الساحة الإعلامية الدولية، و في الختام يمكن القول أن القبس الإلكترونية شعلة تنير درب المجتمع (القارئ) و هذا يدفع أصحاب الرأي السديد إلى التعاون و مواجهة كل التحديات من أجل استشراف المستقبل، و هذا المستقبل يحتاج إلى خطاب يتغذى بالنقاش و التحليل و الإثراء.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى