مصطفى النحال - العُروة الوُثقى في أخبار الحمقى لعبد الإله الرّابحي شعرية الكتابة عن الجنون

احتضنت إقامة عمّور هاوس، بضواحي مدينة تيفلت، يوم السبت 02 يوليوز 2022 مساءً، بتعاون وتنسيق مع الاتحاد المغربي للثقافات المحلية،لقاء ثقافيا هامّا احتفاءً بصدور الطبعة الأولى من كتاب «العروة الوثقى في أخبار الحمقى»، للباحث والناقد عبد الإله الرابحي، وذلك.وقد شارك في هذه القراءات كل من النقاد مصطفى النحال ومحمد رمصيص ومصطفى غزلاني، الذين سلّطوا الضوء على جوانب مختلفة ومتكاملة من الكتاب.
كما شارك في هذا اللقاء عدد من الشعراء الذين ألقوا قصائد بالمناسبة، ويتعلق الأمر بالشاعرة عائشة عمور والشعراء: عزيز أزغاي واحميدة بلبالي ومصطفى غزلاني وعزيز غالي ومحمد مومر وعبد الرحيم لقلع.

في مجالِ الدراساتِ الأدبية والعلوم الإنسانية عموماً، يُثيرُ الجُنُونُ من الأسْئلة أكْثَرَ ممّا يقدّم أجْوبَةً تُعتبَرُ شافيةً ومتكاملةً، إلى دَرَجةٍ يمكن القوْل معها إنّ إحدى الحقائق النادرة التي يمكن الاتفاق بشأنها اليوم هي أنّ الجُنُونَ باتَ يُشَكّل موضوعًا للكتابة، وبالأخصّ للكتابة الأدبيّة، بالموازاةِ مع المُقاربات النّفسية والإكلينيكيّة.
لكنْ، مع ذلك هناك إشكالٌ دقيق في هذا الخصوص هو: كيْفَ يُمْكن للكاتب الحديث عن الجُنون والمَجانين خارج المَظهر المَرَضي للظاهرة؟ هناك، بصفةٍ عامّة، نَوْعان مِن الخِطاب في هذا المَجالِ: هناك خطابُ الشّهادَة، من جهة، والخِطابُ العلمي من جهةٍ ثانيةٍ. وكلّ واحدٍ منهما ينْطوي على التباسٍ يُفْضِي إلى إعادة نظرٍ مُتواصِلَةٍ للخطابيْن معا: ومصْدرُ الالتباس، أو التناقض أحياناً، هو أنّ الأحْمَقَ هو الشّخْص الوحيد الذي يُعاني من مرض الجنون، لكن كلامه يأخذ أبعاداً أخرى وتلقّياتٍ مختلفة بحسب طبيعة المتلقّي.
هناك تاريخٌ طويلٌ لعلاقةِ الأدَبِ بالحُمْقِ. كلّ واحِدٍ منهما مارس جاذبيّة قويّة على الآخَر: جاذبيّة تكونُ في بَعْضِ الأحْيانِ مصْدَرَ إلْهامٍ، وأحيانًا مبدأً للخلْقِ والإبْداع (كما هو الحال مع السُّرياليّين) وأحيانًا تكون الطّريقة الوحيدة لاسْتبعادِ الأرواح الشريرة. لكنّهما يقْتسمان تاريخًا متعرّجًا مبنيًا على هامش أو كصدى لمؤسّساتٍ تتغذّى على الجنون والحُمْق (، سواء كان ذلك الطّبّ النفسي، علم الجريمة أو التحليل النفسي..). لذلك فإنّ الحُمْق هو المكان الذي استطاع يسْكُنَه الأدَبُ والخطابُ بسُرْعَةٍ. ثمّ إنّ الفنان أقامَ دائمًا علاقة افتتانٍ مُلْتبسَة، افتتانٌ مكوَّنٌ من الاستيهامات وانفتاح الخيال وتعقيداته. إنّ الجنونَ في العمل الفنّي، والمُرْتبِط بالعبْقَرِيّة في بعض الأحْيانِ، يكون دائمًا بصدد مُساءلة المعنى لأنّه يُخلخلُ الواقِعَ والخِطابَ وبنْية المَحكيّ.
هذه المَحكيّات، التي تجعل من الوعي المُغترَب المكانَ والمَوْضوع الرّئيسي للسّرْد، في الوقْتِ نفْسِهِ، تقدّم للقارئِ حُمْقاً مَألوفًا تقريبًا، حيث تُفْسِحُ الأمْثلةُ الطّريقَ لتمثيل الاضطراباتِ الحميميّة والاعتيادية، التي يتعرّض لها شخْصٌ عاديّ، وهو يَعيش حياةً مُتواضِعةً ومتحرِّرَة في آنٍ. وبالتالي، يُمكِنُ القوْل إنّ هذه المَحكيّات، منْ خِلالِ خصائصها الدلالية والتركيبيّة والبراغماتية، تُشكّلُ “نوعًا روائيًا فرعيًا”، هو نوْعُ محكيّات أو قصص المجانين والحمْق: هناك رِبّيرْتوار أجْناسيّ عامّ لهذه المَحكيّات، وهُناك الطريقة التي يُسائِلُ بها الحُمْقُ وسائلَ وَسُلطةَ التخييل الروائيّ، كما تبْرز كيْف يُساعدنا الأدبُ على فهْمِ هذا الّذي هو غيْر قابلٍ للفهْم، وتُجاه التّجْربَة المشتركة للعقل، ومُلاحَظة كيف يساهم الرّوائيون في إبراز وإعادة بناءِ أشْكال هذا المَوضوع الاجتماعي والثقافي.
لكيْ يَدْخُلَ موضوع الحُمْق والحَمقى إلى الكتابَةِ دونَ أنْ ينفُرَ منه القارئُ، ينْبغي وَضْعُهُ على مسافة، وأقْلَمَتُه، أيْ جعْلُه شيئاً مألوفاً. أمامَ الكاتبِ، في هذه الحال، أنْ يَسْلُكَ أحَدَ اتّجاهيْن، كما تقولُ مونيكْ بلازا. كِلاهُما يسْمَح بإنتاج “نصّ عن الحُمْق لا يُعَدّ أحْمَقَ: اتّجاه الشّهادة أو اتّجاه التّخييل الأدَبِيّ. في كتابه العروة الوثقى في أخبار الحمقى سيختار عبد الإله الرابحي الاستراتيجية الثانية، التي تقوم أساساً على “الحُمْق المحكيّ”، لا على “شهادات الجنون”.
لكي يتم تبرير تصنيف شخصية ما على أنها تندرج ضمْن عالم الحمْقى، من الضّروري أن تسْتنِدَ إلى عَمَليتيْن اثْنتيْن: واحدة تأويليّة، والثانية تلفّظيّة. تُحيلُ الأولى إلى شَبَكَةِ العناصر التي تشكّل الغرابة السّيكولوجيّة للشّخص المتحدَّث عنْه، والتي انْطلاقاً منها يُؤوّل القارئ سيكولوجيته باعتبارها لا تقع ضمن دائرة ما هو طبيعيّ ومعياريّ.
يتجاوز الأستاذ الرابحي ذلك المنظور الأخلاقوي أو العقلاني أو الفضائحي تُجاه الشّخص الأحْمق، كما يتجاوز الحديث عن تجربة الجنون في حدّ ذاتها، ليستحضر نماذج بشريّة تفاعلت معها مخيّلة الطفولة والشباب. لذلك، يُعتبَر كتابُه أخباراً أيْ محكيّاتٍ تدعونا إلى إعادة النّظر في الطبيعة العالمية المُفترضة التي تضفيها الأسطورة على الجنون، وبالتالي يُوجّه اهتمامَه نحو رسْم بورتريهات لصُوَرِ عن حمْقى عايشهم في زمنٍ ما داخل محيطه\محيطهم الاجتماعي، وذلك بأسلوبٍ متحرّر إلى حدّ كبيرٍ من شوائب الكليشيهات التي عادة ما تحيط بهذه الصّورة- النّموذج.
الكاتبُ ليْس طبيباً ولا مريضاً عقلياً، رغم أنّ هناكَ مَنْ كتب عنْ تجربة الجنون الذاتية. وبالتالي فهو بعيدٌ عن الشّكوك التي تُثيرُها، في الوقت ذاتِهِ كلٌّ من الذاتية المُستلَبَة للشهادة والمُقاربة الموضوعيّة للممارسة الطبية والعلاج الطبي.
منْ هُنا أهمّيّة كتاب الأستاذ الصديق عبد الإله الرابحي، الذي يعلّمنا كيْف يمكن للشّخص الأحمق أنْ يُثير مخيّلة الكاتب ويَسْحرَ طفولته في الآن ذاته، وذلك لأنّه يشكّل طريقةً من طرق ممارسَة الاختلاف والتعبير عنه: في السلوك الكلامي والجَسدي غير المألوف، في أماكن النّوم التي تكون مقبرة أو مزبلة، في الطقوس اليومية التي يمارسها الأحمق أمام مرأى الناس، في تقدير الزّمن (بوعبيد الذي كان يعُدُّ الزمان على طريقته الخارجة عن المألوف، 54)، لهذا يقول عنه الكاتبُ: “أرادَ بوعبيد أنْ يتيقّن من أننا لا نتشابه، أنْ يظلّ وحْده سيّدَ مملكته… أراد أنْ يظلّ الاختلافُ وارداً بين المملكتيْن”، ص. 51).
يُصوّر الكتابُ ستّةَ نماذجَ تشترك في الحُمْق وتختلف في تصريفِهِ وممارستِه (الشّلحة بِبّيشْ، بوعبيد، فاطنة لهْبيلة، إدريس لوفُّو، افْريخ، الزّاهية. كائناتٌ متعدّدة المشارب الجغرافية ومتعدّدة الكيفيّات التي تصرّف بها حُمْقها ومآسيها التي تجرّها خلْفها. وهي نماذجُ مأخوذةٌ في طراوتها من خلال عيْن الكاتب-الطّفل. نماذج بقدْر ما تعيش وسط الناسِ في مدينة تيفلتْ بُعيْد استقلال المغرب، بقدْر ما تعيشُ وحيدة، منعزلة داخل قصصها ومآسيها الحياتية التي تظلّ سرّا من الأسرار (محاولة التعرف على الصورة التي تخبّئها فاطنة لهبيلة، وهي بدون شكّ لابنتها التائهة التي خرجتْ أغلب الظّن للبحث عنها). إنّها هنا، بالنسبة للكاتِبِ، أداةٌ لفهم الواقع وتعْقيداته من خلالِ الهامِشِ، وتقْويض أسُسه، لا سيّما أنّ الحمقى يعيشون في الهامِش ويستثْمرون هذا الهامِشِ لصالحهم. يتحرّكون في الفضاءات الحُدودية والمَحْدُودة، ويتكلّمون خطاباً يمثّل قطيعة بالقياسِ إلى المعيار، إلى القاعدة. يقول عنهم الأستاذ الرابحي في هذا الشّأن: ” بهُزْءٍ انتقاديّ يعيشون، وعليه يؤسسون بلاغتهم الخاصّة، وفي قرارة أنفسهم يتهكّمون من يأسِ محاولاتنا الدائمة إرْجاعَهم لداخِلِ الدائرة”، (ص. 19).
إنّها الدائرة التي ترسمها سُلطة العقل واللغة والأعرافُ المجتمعيّة والمنطق الذي يَجهلُ أنّ تاريخَ المجانين يُكتَب انطلاقا من الحدود والعتبات، لا من داخل الدوائر. ينجح الكاتبُ في التّدليل على أنّ الحُمْقَ لا يوجد إلّا في المجتمع، وفي تفاعُل معه، لا يوجد خارج معايير أشكال الإحساس التي تعزله، وأشكال النفور التي تستبعده أو تستحوذ عليه. لذلك، فإنّ الحمْق ثقافيّ لا طبيعيّ. كما أنّه يمكن أنْ يكونَ فنيّا وأدبيّا بقوّة.
الكتابُ، إذنْ، يَطرَح مسألة منظور المقارَبَة، أيْ الانطلاق من حالاتٍ بشرية عايشتْها طفولته في بلْدته الصغيرة بهدف تقاسُم مَعيش “الغرابة النفسية والسلوكية” التي تفاعلت معها طفولته وذاكرته. ولهذا السبب كانت إعادة البناء على مستوى الكتابَة مُتَحَكَّماً فيها بمهارة. وكان اختيار الشكل الكلاسيكي على مستوى العنوان (العروة الوثقى في أخبار الحمقى) هو الاستراتيجية المُعتَمَدَة في هذا تقديم بورتريهات الحمقى، على غرارِ كتاب عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري، وكتاب الحمقى والمغفّلين، مع وجود فرق كبير بطبيعةِ الحال:
في كتاب الحمقى والمغفّلين لابْن الجوزي، مثلاً، والذي يعود تأليفه إلى القرن السادس الهجري، يُعتَبَر الأحْمَقُ هو الأبله والمغفّل، هو الغبيّ والبليد. الحمق بالنسبة لابن الجوزي غريزة تعبّر عنها بعض السّمات الموفولوجيّة، والذي تنتُج عنه سلوكات ومواقف لا تخطئها العيْن، ويتعيّن على العاقل الابتعاد عنها. في حين أنّ الأستاذ الرابحي لا ينطلق من أيّ حكم قيمة حول الأشخاص الحمقى، وإنما روم استحضارَ صفاتهم وممارساتهم الحياتية اليومية وطرق تعبيرهم وتفاعلهم مع الناس وطبائعم ونوادرهم وطرائفِهم كذلك.
محكيّاتُ هذا الكتابِ هيَ، في الوقت ذاتِهِ، رجْعُ صَدى لعقليّات زَمَنيّتِها ولمتخيَّلٍ جماعِيّ معين كان يَختلق الحكايات بصدد الحمقى وسلوكاتهم: “كان الأهالي الخارجون للتوّ من منطق الغنيمة لا يروْن في حركات إدريس إلّا سيْفاً يحمله في وجْه إمارة الأرواح الشّريرة” (ص. 81). علاوة على ذلك، فإن هذه المحكيّات، تمكّن من التقاط الروح البشرية في اضطرابها واختلافها، وتجعل القارئ يلمس شيئًا ما عن حقيقة هذه التجربة غير القابلة للوصف والكلام. فالتّحدي هنا مزدوج: مَعْرِفِيّ (قول ما لا يمكن التفكير فيه) وأدبيّ (إبراز ما لا يمكن التعبير عنه). وفي الحاليْن معاً يتعلق الأمر بمدى قدرة الكتابَة الأدبيّة على القبض على عالم منفلت ويرفض أنْ يوصَف بسهولةٍ بواسطة الكلمات، وهو الأمر الذي نجح فيه الكاتبُ من خلال لغته الأدبية الشّفافة. يقول واصفاً الشّلحة ببّيشْ: “امرأةٌ فارهة الطّول، شامخة الهيئة، بوجْهٍ تغطّي مساحَةَ دائرته المعروقةِ أوشامٌ متناثرةٌ برموز أمازيغيّة ممتدّة إلى الأعلى كأنّها اختارتْ، منذ زمنِ الرّحِم أنْ تنظر إلى العالَم من فوقٍ. قيل عنها إنّها سليلة الأشراف، وإنها الوحيدة من بنات عشيرتها مَنْ تمرّدت على الأعراف، وإنّ ترنيمَتَها الليليّة إنّما كانت صدىَ الخَلل الكامن في الجوف المتمرّد” (ص. 25)
يتناولُ عبد الإله الرابحي موضوع الحُمْق هنا ليْس باعتباره النقيض تمامًا للعقل، أيْ المَظْهَر الخارجِيّ للحياة المعياريّة العادية، بقدْر ما أصْبَحَ، تجربة حُدُودِيّة، بين الحمق والعقل، بين الحُلْم والواقع. وبالتالي فالكتاب لا يسْقُطُ في التقسيم المانَوِيِّ بَيْنَ الحمقى وغير الحمقى، انطلاقاً من معيار اللا-عقْل (تقسيم العصر الوسيط: ميشال فوكو) بل من وجود اضطرابات نفسية أو اختلالات في وظيفة العقل لحالاتٍ نفسية واجتماعيّة.
إنّ الجنون الفردي يمكن أنْ يكونَ رَدَّةَ فعل مفيدة في مواجهة الجنون الجماعي لعالم تتخلله السخافات والتوترات والعنف. في هذه الكتاب، يُؤخَذ كلٌّ من التّعقّل والجنون في حركةِ انعكاس ديالكتيكي وتساؤل دائم حول حدودهما وتضادِّهما سلباً وإيجاباً.
ألا يتطلّب الأمر، في النهايَة، جرعة ولو ضئيلة جدّا من الحُمْق من أجل الخلق والإبداع، ولكسر الأعراف والتقاليد، والانحراف عن المسارات المطروقة؟ بعبارة أخرى، أليس “الجنون” طريقة أخرى لتشخيص الذات والعالم؟ قد يكون الجنونُ، كما هو الأمر في محاورة فيدْرْ لأفلاطون، هِبَةً إلهيّة ليستْ شيئًا مخزيًا أو سيّئ السُّمعة، لبلْ هيَ طريقٌ تؤدّي إلى أبواب الشعر”.
الكتابُ كذلك مليءٌ بإضاءات أدبية لكُتّابٍ كبار تناولوا موضوع الجنون في مؤلّفاتهم: رامبو، روني شار، جونْ جونيه، جيرار دونرفال، باشلار، أندري بروتون، فيليب سولرز، كافكا، شوبنهاور، إيليا أبو ماضي. وهي بمثابة نصوص موازية تخلق امتداداتٍ جمالية تؤكّد أنّ تناول موضوع الحمق أدبيّا أكثر جدوى وأهمّيّة من تناوله الوصفي أو السوسيولوجي أو النفسي المباشر.

مصطفى النحال
بتاريخ : 22/07/2022

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى