حاميد اليوسفي - وشم في الذاكرة من مدينة فاس.. البولفار

قضيت أربع سنوات في مدينة فاس . سكنت في ثلاثة أحياء لا يشبه بعضها بعضا . ممر الورود في طريق عين الشقف وهو من الأحياء الراقية ، حي المرينيين (الملاح ) وهو من أفقر الإحياء ، ثم حي الصبليون.
في حي الصبليون عشت أحداثا جميلة . يقع الحي على هامش بولفار محمد الخامس الممتد حتى ساحة لافيات ، ثم شارع الحسن الثاني . لأول مرة سأكتشف الوجه الخفي للبولفار .
في مراكش لم تكن تربطني علاقة حميمية مع البولفار . دائما أشعر بخوف غامض من هذا الفضاء الغريب الذي ظل يسكنه قسم كبير من النصارى إلى نهاية الستينات من القرن الماضي .
أعبر جيليز رفقة جماعة من الأطفال قاصدين الملعب الصغير القريب من ثانوية ابن عباد للعب مباراة في كرة القدم مع أبناء أحد الأحياء المجاورة أو المسبح العسكري . هكذا كنا نسميه لأنه يقع بجوار الثكنة العسكرية . أنظر بانبهار إلى شكل المتاجر ، والعمارات الشاهقة . وألتفت دائما إلى صومعة الكتبية لأقيس مدى توغلي في البعد عن المدينة القديمة ، ولأحافظ أيضا على شعرة معاوية مع طريق العودة إلى البيت .
حدائق الفيلات الأنيقة تظللها أشجار الليمون والمزاح والتين والمشمش ، تثير شهيتنا كأطفال قادمين من الأحياء الشعبية . مغامرات تنتهي أحيانا بتدخل الشرطة لطردنا من منطقة لا تحب شغبنا .
في فاس اكتشفت عالما جديدا في البولفار . الفضاء الخلفي للبولفار . عالم الباعة المتجولين والمقاهي والحانات والمطاعم والسكارى والمومسات . أخرج مع بعض الأصدقاء يوميا إلى شارع محمد الخامس . نعاين ما يعرض من سلع ، ندخل إلى المكتبات ونقف بباب الأكشاك . نسرق الكتب والمجلات . نرتاد المقاهي والحانات . ونمارس شغبا طفوليا ، ورثناه عن أحياء مراكش الشعبية .
في الفترة التي يتوصل فيها الطلبة بالمنحة ، يظهر علينا نوع من البذخ والترف . الخزينة المحلية قريبة من حي الصبليون . بعد العاشرة صباحا يبدأ البيت في استقبال الزوار . الحركة لا تهدأ إلا بعد مرور أسبوع بكامله . قنينات الخمر الحمراء والصفراء ودخان الحشيش والسجائر الفاخرة مثل الغيوم المنذرة بالمطر .
عندما يفترق الجميع في المساء ، أفضل الخروج مع الشريف وعزيز لقضاء وقت إضافي في بعض الحانات المجاورة . لا نعود إلا بعد منتصف الليل . نقتني وجبة عشاء فاخرة من مقشدة الحاج العظمة (ربع دجاجة للفرد ) . لم نسأل عن اسمه الحقيقي ، أطلقنا عليه وصف الحاج العظمة لكثرة اعتنائه بمظهره الخارجي وارتدائه لبدلات بألوان فاقعة مع حلاقة وجهه كل صباح . مع كرم الحاج ، وحق الجوار ، والسكر الطافح ، يضيف إلى وجباتنا صحن من (القشيوشات)* كهدية . في الصباح لا نتذكر كل ما وقع بالليل . يحكي لنا مصطفى عن مغامرات لا نصدق بأننا كنا أبطالها .
أريد أن أحكي بطلاقة عن بولفار فاس ، لكن لا أملك جرأة محمد شكري ، ولا أسلوبه في الحياة ، ولا كراهيته لوالده .
عندما كنت طفلا أقف بجانب دكان والدي رحمه الله ، أسمعه يستنجد بعبارة "الضباب في السماء" للرد على رسالة لجاره قد تخدش الحياء والوقار الذي يجمع بيني وبينه . مع تكرار الحادث ، فطنت إلى أن الصناع التقليديين يتغامزون على امرأة فاتنة قادمة في الطريق ، ويرسلون عبارات غزلية بصوت عال تدغدغ عواطفها ويظهر ذلك على حركاتها ونظراتها وابتسامتها .
أمام سينما (أستور) ، على اليسار بجانب مقهى بيجو ، ونحن داخل الحانة في حالة سكر ، يتعرض زميل لنا للسب والشتم . نلتفت فنجد شرطيا يخفي لباسه المهني ب(جاكيت) من الجلد تغطي النصف الأعلى من جسده ، يستغل منصبه بين زجاجات البيرة . لم ينتبه لقدومنا .
ردد صديقي بصوت عال حتى يتمكن الشرطي من سماعه :
ـ مالك أخويا العلوي ؟!
أطلقنا الرصاصة وبقينا ننتظر رد الفعل .
عندما يسمع أحد رجال الشرطة في بداية الثمانينيات لقب العلوي ، ترتعد فرائصه ، ويطير السكر من رأسه ، ويعود بسرعة إلى رشده حتى ولو شرب بئرا من الخمر .
تلقف عزيز الإشارة بحنكة عالية ، ورد الصاع صاعين للشرطي ! وقع في الفخ . زاده تدخل حسن (البارمان) امتقاعا وارتباكا :
ـ ناري آش درت أمسخوط الوالدين !؟ ما لقيت مع من تتخاصم !
أصابته الرصاصة في لا وعيه . قبل رأس عزيز وأمر لنا بست بيرات وهو يلطم خده ويلعن حظه . تركنا عزيز يُمعن في إهانته . حسن (البارمان) أعجبته التمثيلية . اعتاد المرور يوميا من باب المنزل . يعرف هويتنا الحقيقية . يخشى أن تنقلب علينا المسرحية . أوحى بوضع نهاية للمشهد . وصرف الشرطي مذعورا إلى الخارج . يدخل ولد السفياني بعد أن بحث عنا في ثلاث حانات ليخبرنا بان العشاء جاهز والأصدقاء ينتظرون قدومنا لتناول الوجبة قبل أن تبرد .
ضباب كثيف في سماء بولفار فاس . يمتد على شكل بياض إلى الحكي ليحافظ على شيء من ذلك الحياء الذي جمع بيني وبين والدي رحمه الله .
الشرطة تُضيق الخناق على الباعة المتجولين في البولفار . تُطاردهم ، تستولي على سلعهم وتعتقلهم . الباعة يهربون ، ويترك بعضهم السلعة خلفه ، وينجو بنفسه . نأخذ قفة مليئة بالأقمشة ، سقطت من يد أحد الباعة . نذهب بها إلى البيت ، ونضعها في المدخل ، ونعود إلى الشارع . نخبر أحد الباعة بأن قفة مليئة بالقماش في البيت . ونحدد له الموقع . بعد ساعة تقريبا يأتي شاب في مقتبل العمر يسأل عن متاعه . أصبح فيما بعد صديقا حميما لسكان البيت . عرّفنا على دكانه . وقدم لنا فيما بعد جميع التسهيلات في الأداء . وعرفنا عليه صديقنا الكاتب .
صديقنا الكاتب موظف بقطاع التعليم يتابع دراسته معنا بالجامعة . كشف لنا مرة عن كذبة كبيرة رواها أستاذ يشرف على البحوث لمجموعة من الطالبات والطلبة ، وتتعلق بخبر اعتقاله في بداية السبعينات لأسباب سياسية ، في حين أنه كان متهما بمحاولة اغتصاب سائحة أجنبية بغابة قرب مدينة العرائش ، رفعت سفارة بلادها شكاية ضده ، وتدخل حزب الاستقلال لحفظ ماء وجهه بشق الأنفس .
بعض الأساتذة الجامعيين يكذبون . سنكتشف فيما بعد بأن بعضهم لص أيضا ، يسرق مجهودات وأبحاث غيره .
ادعاء الاعتقال لأسباب سياسية ظل عملة رائجة في الوسط السياسي والثقافي والطلابي ، تضمن الكثير من الاحترام والتقدير والإعجاب . وظفها بعض الانتهازيين كوسيلة للاستفادة من بعض الامتيازات.
بعض الطلبة في الحي الجامعي اعتقلهم البوليس في المساء وهم يتناولون الشاي داخل غرفهم ، وأطلق سراحهم في الصباح . بعد سنوات تحولوا في الحانات والمقاهي إلى معتقلين سياسيين كبار .
حمدت الله وشكرته لأني لم أكذب يوما وأدعي التعرض للاعتقال كما فعل غيري . ورغم ذلك فقد جمعتني صداقات حميمية بالعديد من المعتقلين السياسيين ، الذين لا أملك إلا أن أرفع لهم القبعة ، وأنحني إجلالا ، لأنهم حملوا هم القضية ووقفوا في الصفوف الأمامية بصدور عارية إلا من حبهم للبلد ، وأهل البلد ، ودفعوا الثمن غاليا.


* القشيوشات : عنق وقلب وكبد الدجاج مطبوخين في مرق لذيذ

حاميد اليوسفي
مراكش في 04 يوليوز 2017



1661075222632.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى