مازن جميل المناف - النواحي الإدراكية والذاتية وقلق مستمر..!!‏

لاشك أن ما لا يسهم في الإبقاء على واقعية البوادر الصحيحة ‏ضمن أخلاقية الثقافة في سياقاتها المعهودة مع تأصيل الذات ‏هي تلك التقاليد والعادات الموروثة التي تتناقض مع فكرة ‏الإلتزام الأخلاقي والثقافي التي يتبناها العقل المتزن وما لها من ‏أثر في تجميد الفكر, مما يجعل الموقف على غير مساره ‏الصحيح الذي ينتقد الحقائق السائدة والاوضاع الحاضرة ‏بشكل فوضوي وعبثي لا يستوعب مخيلة الآخرين, لأن ‏سرعة الاحداث واتساعها لا تترك للتقييمات مجالا لتفسير ‏القضايا والأمور على الطريقة الواقعية , ولذلك يضمحل ‏الإيمان بالواقع كحقيقة غير نسبية .‏
‏ فليس من الحق أن يكون الوجود بدون التزامات وحرص ‏وثقة وإيمان كما ان التزام الشيء لدى الفرد بسبب المعرفة ‏والغاية الخارجية يمزق الانسجام الذاتي وينشر الفوضى في ‏الذهن, لان الاطمئنان العقلي لا يتأتى من طريق الوضوح ‏واليقين الخارجي فقط بل من طريق العالم الذاتي ‏والسلوكيات الفعلية التي تعايش ذات الإنسان مما ورثه من ‏قيم ومبادئ راسخة , فمعرفة العالم الذاتي والأشياء والأحداث ‏الواقعية بشكل واضح وملموس تجعله يثق بنفسه حتى لا ‏يدب الشك في نفسه من طريق الاضطراب الداخلي , وربما ‏كان ادراكه للواقع ولذاته مرحلة من مراحل تطوره الذاتي . ‏لذلك قد تكون مساومته للواقع نوع من الوعي الذي يجعل ‏قابلياته تتحول الى الحيوية الداخلية, وطاقته تضعف في ‏المحيط الخارجي ولهذا فهو بكل تأكيد قد ينحني بوعي امام ‏وقائع دهره ومحيطه واحداث ايامه في الوقت الذي يدرك ان ‏خضوعه للتقاليد التي تعج بمفاهيم مغلوطة فلا يمكن ان ‏نوحد الوعي مع اللاوعي حين ضمن موجة العبث والتخبط ‏غير المبرر في عملية قتل النضوج الفكري في تحول خطير ‏من جراء الانسياق والقيود المتوارثة من محيط بيئي مهيمن ‏على سلوكيات متماسكة . ‏
ترى هل الوصول الى اليقين الفكري مرتبة ضرورية لاتخاذ ‏موقف ما ؟ وهل مهمة الانسان الاعلان عن نفسه والتخلي عن ‏واقع محيطه اذا كان سديمي فوضوي وعبثي ؟ في نظر ‏الكثير ان التخلي عن الاحداث والتعمق والتمعن غير الصائب ‏فيها يسبب ازمة حياتية للفرد. وان الوضوح اليقيني في الموقف ‏الفكري يجعل القيم بالنسبة للإنسان ليست مجردة, لان ‏الموقف طاقة خلقية تضع التواءات الواقع وتناقضاته في ‏حقيقة نفسية موضوعية تدرك الاحوال الاجتماعية في ‏ذاتها .‏
ولذا فموضوع الموقف يجب ان لا يستثني قياس التجربة لدى ‏الرهط البشري المختلف, إلا ان المسألة لا تقتصر على ذلك, ‏فالموقف المحدد الذي يؤخذ من محيط واقع يرفض القيم ‏والتغيير والتحرر من موروث خاطئ يجب ان يدرك ابعاد ‏قضاياه كي لا يبخسها قيمتها وجمالها, اذ ان عدم التحديد ‏يعني عدم اتخاذ موقف, وذلك شيء يسيء للإنسان المدرك ‏وفعالياته ونشاطاته ومثله الأعلى , والتحديد لا يأتي بيسر ‏وسهولة لأنه مسؤولية تهدد زيف الواقع لأنه يرى الأشياء ‏بزاوية ميتة, لكن فضيلة الموقف هي عدم الرضوخ للقولبة ‏والطاعة العمياء لأي عادات مكتسبة بشكل خاطئ , لأنه ‏خطر على ذات الإنسان وجوهره عند تقبل ذلك , اما الاساليب ‏الالتوائية دائما تجعل الامور متوترة تدفع باليقين العقلي الى ‏الشك وفقدان الوضوح والابانة الفكرية والهزيمة التي توصل ‏الوعي الى صعيد العجز والاحباط في موقف ضبابي, لكن هل ‏يستطيع الانسان مواجهه احداث ذاته بسهولة وبغير تحد ‏وغضب وتخبط واذى ؟ مؤكد
‏ يعرف ذلك ويتغاضى ..!! ‏
فيجب عليه عدم الخضوع لاحترام العادات الجاهزة والمستوردة ‏والدخيلة وهنا تنشأ ازمة مستعصية تتجلى عندما يجد ‏الانسان نفسه بين شكلين متناقضين من الفضيلة, الاولى في ‏فكره وهو النواة الاساسية للواقع الذي يعمل له, والثانية في ‏المجتمع الذي يقسره على تبني الأحداث والأحوال غير الملتزمة ‏وان يظل الانسان في موقف متأرجح فان اخلاقية موقفه ‏واصالة تفكيره يقرره زيف ادراكه واهماً ودوافع توقه ‏واتصاله في عالم حي, وبالعكس قد يكون موقفه المتذبذب ‏امتحانا له ولقدرته في المواجهه, وتطلعه الى قول الحق ‏والعمل والتعامل الصحيح والصريح, تلك قاعدة ترسخ ‏علاقاته بجوهر قضاياه وتصهر كل ما بذاته من تحديات ‏وتجليات في صخب ملحوظ يدفعه الى التأرجح في كل ‏أقواله ولربما افعاله, قد يبدو هذا متناقضا لأول وهلة . ‏
لكن ترى هل الانسان من ذوي التطلعات الحادة الصحيحة ولا ‏سيما حين يطلق عنان نفسه ببكاء وتقلبات
لا داعي لها .. ؟ ‏
لذا فأنه سيعاني حالة من الخوف والارهاق والارهاصات وازدياد ‏عادة التأمل الباطني من دون نتيجة حتمية وفقدان الايمان ‏وانتشار الشكوكية والتملصية والعناد كمقومات ‏للهروبية والصمت اللذان اصبحا ملجأ الكثيرين ممن لديهم ‏هذه العادة السيئة التي اضحت مبعثرة بسبب تعرضها للكر ‏والفر والردود والاجابات والكذب والتمرد والعصيان في ‏النواحي الادراكية والذاتية في قلق مستمر لربما يتفاعل ‏معه ويتلذذ بذلك . والغريب ان الواقع اخذ يبرز الزجر الذي ‏حل محل التسامح والالفة, وهذا يقتصر على عدم وجود رادع ‏يأبه بالدوافع الحقيقية ان طبيعة العصر الراهن اعطى ‏مكاناً لهؤلاء الذي باتوا متمردين على الواقع بسبب اقتناعهم ‏المزمن بالموروث الخاطئ , اذ ان العالم الحديث لم يعد نظامياً ‏متزناً في اشكالية معقدة ولهذا فان سيلا من القرف لدى ‏الانسان حينما نرى هذا التمرد والعصيان وبعد موجة التطور ‏التكنولوجي التي شخصت الملامح الحقيقية لصور الحياة ‏ووضوحها ووضعها ضمن ادلجة البحث والتحليل والتناول ‏الحقيقي للمعاني في موروثنا ضمن حكم معياري صحيح ‏لكل ظاهرة او حدث والذي بات يدل على انتعاش ذاتي ‏والسخرية وعدم الالتزام بروحية التعامل الحقيقي وحتى ‏الهدم والرفض السوداويين اضحت وسائل تكشف عن مغبات ‏فكر الانسان نحو حقائق وتعامل ارحب . ‏
لا ريب في ان المجتمعات الراهنة قد اوقعت الفرد في احابيل ‏التكنيك الآلي الذي احاط الالتزامات بهالة من الغلو والتعالي ‏والتصعلك وهكذا تناقصت فرص الاختيار الصحيح في ‏نواحي هامة من العلاقات الحياتية الجادة واصبح الانسان ‏الذي يعيش في مثل هكذا مواريث مستهلكة في نفسه ‏يخاف الحرية الوحيدة الصعبة التي لا يستطيع مواجهتها في ‏ما لو اراد ذلك لأنه تقوقع على ذاته الصريعة وعدم تبني ‏الاحداث والتشتت الفكري من دون اي التزام حقيقي يخرج ‏منه منتصراً .. ويبقى الفرد الذي يبحث عن ماهيته ويبحث في ‏الوقت نفسه عن ماهية الآخرين ضمن جدلية واقعية تضمن ‏التركيب البنائي الانساني ثقافيا هو جدير بانبثاق حي في ‏عالم يمتهن الافكار والتصرفات والسلوكيات التي تنادي بتبني ‏الواقع من خلال الذات والتجربة الانسانية في تعامل حقيقي ‏صريح


مازن جميل المناف
.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى