أ. د. عادل الاسطة - الشخصية الفلسطينية المرحة في الرواية

هل ظهرت الشخصية الشعبية الفلسطينية المرحة صاحبة الدعابة والفكاهة في نصنا الروائي؟
التفت دارسون عرب إلى تاريخ الضحك والفكاهة والمرح في الآداب العالمية والعربية ومنهم د.شاكر عبد الحميد في كتابه الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت في العام 2003 تحت عنوان "الفكاهة والضحك" ونصر الدين بحرة في كتابه الصادر عن مجلة دبي في العام 2015 تحت عنوان "الضحك: تاريخ وفن".
في أدبنا، كتب غسان كنفاني عدة مقالات عن الأدب الساخر، ومع ذلك خلا أدبه من السخرية ومن ظهور شخصيات شعبية أو غير شعبية مرحة.
مثل كنفاني جبرا إبراهيم جبرا، فلا حضور للمرح ولا لأية شخصية فكاهية مرحة في أعماله الأدبية القصصية والروائية. ومثل غسان توقف الدارسون أمام السخرية في الأدب الفلسطيني: ياسين فاعور وفراس حاج عمر وفاروق وادي.
وأزعم أن الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 خلت من روح الفكاهة. فلا "الوارث" ولا "الحياة بعد الموت" ولا "مذكرات دجاجة" أظهرت شخصية شعبية تميل إلى المرح والدعابة.
هل اختلف الأمر بعد النكبة؟
أعتقد أن الحياة التي عاشها الفلسطينيون، بخاصة اللاجئين، كانت حياة يغلب عليها القسوة وشظف الحياة، والنصوص الأدبية التي أنجزت كانت في أكثرها تعالج المأساة الفلسطينية وغلب عليها طابع الجد، وهو ما نلحظه في روايات كنفاني وجبرا، وروايات الأخير هي روايات تنتمي شخصياتها إلى الطبقة المتعلمة المهمومة بالنكبة وبالمجتمع العشائري المتخلف؛ مجتمع البداوة، على الرغم من أنها تقيم في بغداد أو دول الخليج بخلاف شخصيات الأول التي تنتمي في أكثرها إلى اللاجئين، ومثل كنفاني وجبرا ناصر الدين النشاشيبي. لقد كتب روايتين تصوران المأساة الفلسطينية بقسوتها وذروة فجائعيتها.
لم نقرأ قبل العام 1974 أي نص روائي أو حتى قصصي ظهرت فيه شخصية فلسطينية شعبية أو حتى برجوازية تمتلك الدعابة وروح المرح. وكان توفيق زياد في "حال الدنيا" أول من كتب عن شخصيات فولكلورية تميل إلى الدعابة والمزاح، ولم يكن يفتعل الكتابة، فالشخصيات التي كتب عنها كنا نلتقي بشبيه لها في حواري وأزقة قرانا ومخيماتنا ومدننا، عدا أن زياد اهتم بالأدب الشعبي وتنقل في القرى ليجمع قصصها وتراثها ويحافظ عليه من الضياع وليرصد روح المقاومة فيه.
في سيرتها "رحلة جبلية.. رحلة صعبة "تأتي فدوى طوقان على ما يمتاز به النابلسيون: السخرية الجارحة والتهكم. والطريف أن الروائية سحر خليفة التي أنجزت عشر روايات تجري أحداث أكثرها في نابلس لم تكتب كتابة لافتة عن شخصيات تميل إلى الدعابة والمزاح والسخرية والتهكم، والطريف أن من كتب عن هذه الشخصية النابلسية هو الكاتب جمال أبو غيداء في روايته "خابية الحنين"، ولم يقم جمال في نابلس ولقد استلهم روح الشخصية النابلسية من عدة شخصيات نابلسية تقيم في عمان.
مؤخرا، قرأت رواية د.بسام أبو غزالة "عبر الشريعة"، وهو من نابلس ويقيم في عمان، ولاحظت ميل بعض شخصيات روايته إلى المرح والمزاح والابتعاد عن الصرامة. والكاتب أخذ يكتب الرواية وهو في سن السبعين.
في الوقت الذي أصدر فيه زياد قصصه أصدر اميل حبيبي روايته "الوقائع الغريبة" والشخصية الرئيسة فيها، وخلفها يختفي حبيبي نفسه، شخصية تتمتع بروح الدعابة والسخرية والتغابي، وشخصية مثل هذه شخصية لها حضور في الواقع وحضور في الأدب العربي.
لقد قرأ حبيبي قبل كتابة روايته "بخلاء" الجاحظ و"مقامات" بديع الزمان و"رسالة غفران" المعري، وهذه كتب تحفل بالسخرية وخلط الجد بالهزل.
المشكلة في رواية حبيبي تتمثل في لغتها التراثية الكلاسيكية. حقا إنها لغة فصيحة وعالية الجودة، ولكن قراء الرواية ليسوا كلهم فصيحين فصاحة حبيبي، ما يؤدي إلى صعوبة الإلمام بالمعنى وفهم القصد واستيعابه.
لم أكن من قبل التفت إلى هذا الجانب في روايتنا وأنا أقرأها وأكتب عنها. كانت شبه غائبة أو شبه ضعيفة، وظل الأمر على ما هو عليه في 90 القرن 20، ولسوف تلفت كتابة سعاد العامري "حماتي وشارون" الأنظار. كما لو أنها استثناء، فكتاب الرواية المعروفون في الضفة الغربية وقطاع غزة، مثل أحمد حرب وأسعد الأسعد وآخرين ممن قرأت بعض أعمالهم، لم يكتبوا أدبا على هذه الشاكلة. ربما كانت هناك بعض استثناءات مثل بعض كتابات جميل السلحوت.
في هذه الأثناء، كتب محمود شقير قصصا قصيرة حاول أن يتمثل فيها الشخصية الفلسطينية المرحة الفولكلورية "صورة شاكيرا" و"ابنة خالتي كوندليزا". وفيما بعد، في السنوات الأخيرة نشر المقدسي عارف الحسيني روايته "كافر سبت" وتعد مثالا جيدا للروايات التي تثير الضحك وتبعث عليه، ولامس رشاد أبو شاور في روايتيه "وداعا يا زكرين" و"ليالي الحب والبوم" روح الدعابة ملامسة عابرة، ولا تخلو رواية يحيى يخلف الأخيرة "اليد الدافئة" من مواطن تظهر فيها روح المرح والمزح الأبيض.
لقد تلبستني الشخصية الفكاهية وأنا أكتب "حزيران الذي لا ينتهي" وتتلبسني الآن، وربما لهذا أكتب هذا المقال ولسبب آخر، علما بأن لي صديقا يتميز بروحه المرحة وبدعابته.
مؤخرا، طلب مني الكاتب أسامة المغربي أن اقرأ له مخطوط روايته الأولى التي كتبها في السجن قبل ربع قرن. ويبدو أسامة نفسه جادا، ولقد بدا لي كذلك منذ عرفته طالبا في الصف الخامس الابتدائي، علما بأنني لم أدرسه وإنما درست أخويه: عيسى ووليد.
شخصيات رواية أسامة شخصيات شابة هي التي فجرت الانتفاضة في العام 1987 وشاركت فيها وعانت بسببها وتعرضت للملاحقة وسجن قسم منها واستشهد قسم آخر، وعلى الرغم من كل ما سبق كانت شخصيات الرواية تخلط الجد بالهزل وتميل إلى الدعابة وتنفجر بالضحك، والرواية مثل رواية أبو غزالة "عبر الشريعة" تظهر جانب المرح والدعابة لدى بعض الفلسطينيين وتعكس روحهم.
هل ثمة أصوات روائية أخرى اتسمت نصوصها بهذه الروح؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى