د. أحمد الحطاب - في غياب سلطة مضادة لكم، أزكمتم أنوفَنا

في الدول التي تحترم نفسَها وتسود فيها مبادئُ الديمقراطية، لا تستقيم الأمورُ إلا حين يكون المشهد السياسي متوازنا كي لا تطغى سلطةٌ من السُّلَط وتفرض نفسَها على الغير. وبعبارة أخرى، يكون المشهد السياسي متوازناً حين يحتوي هذا المشهدُ السياسي على سلطة وسلطة مضادة لها. بمعنى أنه كلما تحرَّكت السلطةُ تجد أمامها سلطةٌ مضادة لها تحدُّ من تجاوزاتها ومن استحوادها على السلطة باتخاذ القرارات وإصدار الأحكام وتخطيط البرامج…

وهذا هو ما نلاحظه فعلا في البرلمانات الراقية حيث سلطةُ الأغلبية تُقابلها سلطةُ المعارضة. بل المجتمع المدني قد تُتاح له الفرصة لِلَعِب أدوار السلطة المضادة في العديد من المناسبات. وخير مثال يمكن سياقُه في هذا الصدد، هو الدور الذي لعِبته حركة السترات الصفراء les gilets jaunes حين استاءت من أداء الأحزاب السياسية وشكَّلت سلطةً مضادةً لمناهضة سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أما عندنا، فالسلطة التَّنفيذية، أي الحكومة، تكاد تكون هي السلطة الوحيدة التي تصول وتجول في المشهد السياسي دون أن تعترضَها سلطةٌ مضادَّةٌ. لماذا؟ لأن أحزابنا السياسية المتموقعة في المعارضة أحزابٌ ضعيفة أو تمَّ إضعافُها، وبالتالي، فهي غير قادرة على تحمُّل عِبءَ السلطة المضادة، وخصوصا أن بعضَ أحزاب هذه المعارضة تعوَّدت، طوالَ عشرات السنين، على تواجُدها في الأغلبية الحكومية والبرلمانية.

اعتمادا على هذا الوضع السياسي غير المتوازن وعلى غياب سلطة مضادة، فإن السلطة التَّنقيذية، أي الحكومة، لم تتوقَّف، منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأُكرانيا، عن طمأنة المواطنين الذين رأوا ويرون قدرتَهم الشرائية تتلاشى شيئا فشيئا نتيجةً لارتفاع أسعار المحروقات وأزمة تصدير الحبوب انطلاقا من هذين البلدين المتحاربين. وقد تكرَّرت هذه الطمأنة بعد انتهاء أشغال المجالس الحكومية على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة.

وعند اقتراب شهر رمضان الكريم، زادت الطمأنةُ إلى حدِّ أنها أصبحت تُزكِمُ الأنوفَ إلى أن ظن المواطنون أن هذه الطمأنة ستُتَرجم إلى انخفاضٍ في الأسعار مع حلول شهر رمضان المبارك. لا شيءَ من هذه الطمأنة تحقَّق. بل استمرت الحكومة في إزكام الأنوف باللَّغو واللّغط المفرطين. من حين لآخر، يستمر إزكام الأنوف بمراقبة الأسعار وخروج اللجان المتخصِّصة لهذا الغرض للأسواق وحجز أو إتلاف بعض السِّلَع غير القابلة للاستهلاك… لكن الاسعارَ بقيت مرتفعة رغم ما صدر عن الحكومة من لغط وكذب أزكما أنوفَنا ولم يُغيرا في الواقع شيئا… إلى أن ظهرت في الساحة سلطتان عموميتان مضادتان لسلطة الحكومة.

السلطة الأولى هي ببنك المغرب، مُمَثَّلة في شخص والي gouverneur هذا البنك. والسلطة الثانية هي المندوبية السامية للتَّخطيط Haut Commisariat au Plan، مُمَثَّلة في شخص المنذوب السامي haut commissaire. كلاهما وضعا المواطنين أمام الأمر الواقع أو الواقع المُر الذي، بموجبه، يجب على هؤلاء المواطنين أن يُدركوا أن ارتفاعَ الأسعار ليس ظرفيا وأسبابُه داخلية ولا علاقةَ لها مع حرب روسيا/أوكرانيا وأن هذا الارتفاعَ سيستمر إلى ما لا نهاية.

ومن هنا، يظهر جليا الفرق الشاسع بين ما هو سياسي وما هو تقني وعلمي. ما هو سياسي ليس إلا ذرُّ الرماد على العيون يُراد منه ليس طمأنة المواطنين ولكن جعلهم يعيشون في دوَّأمة انتظار شيء لن يتحقَّق مهما كانت الظروف. أما ما هو تقني وعلمي، فهو مبني على الغوص في المُعطيات الاقتصادية محلِّيا، إقليميا ودوليا.

ما هو سياسي يصبُّ في مصلحة الأغلبية الحكومية لضمان بقائها في السلطة. وإن تظاهرت هذه الأغلبية بالاهتمامِ بشؤون المواطنين، فهذا نفاقٌ يُراد منه كسبُ ثقة هؤلاء المواطنين. أما ما هو تقني وعلمي، فإنه يصُبُّ في مصلحة البلاد والعباد.

هذا هو حالُ مشهدنا السياسى الذي، في غياب سلطة مضادة قوية تناهض الأغلبةَ الحكومية والبرلمانية، لا يُتقِن إلا إزكامَ الانوف بنفاقِه ولغوه ولَغَطه. "كُنْ كانْ لخوخ يداوي، كُنْ دوى راسُو شحال هادي". بمعنى أن الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام، لو أرادت فعلا وصمَّمت على أن تأتيَ بالتَّغيير، لتحقَّقَ هذا التَّغيرُ منذ عشرات السنين مضت. الحكومة الحالية لا تختلف عن سابقاتِها من حيث التَّمسُّك بالسلطة وممارسة النفاق والكذب ودرِّ الرماد على العيون للبقاء في هذه السلطة. لماذا؟ لأنه، إن تغيَّرت الوجوه والمناصب، فالعقليات بقيت جامدةً ومُتمركزة حول الوصول إلى السلطة من أجل السلطة.

مرةً أخرى، يتأكَّد للمواطنين أن أحزابَنا السياسية ليست في المستوى المطلوب منها. ليست إلا مجموعة من أصحاب المصالح الخاصة، الذين لا يهمُّهم في ممارسة السياسة إلا تحقيقُ هذه المصالح، من خلال الوصول إلى السلطة. وبعد الوصول إليها، فلتذهب مصالحُ المواطنين إلى الجحيم. بل، فليذهب هؤلاء المواطنون أنفُسُهم إلى الجحيم. أحزابٌ سياسيةٌ أصبحت عالة على البلاد، بمعنى أن وجودَها أصبح عائقا يسيرُ ضد مصالح البلاد والعباد. أحزابٌ سياسيةٌ تغرِّد خارجَ السرب لأنها منشغلةٌ بالبقاء في السلطة أكثرَ من انشغالها بما يفرضه عليها قانونُ تأسيسها، الذي يُلحُّ على أنها تنوب عن الشعب وتهتم بمصالحه. لك الله يا وطني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى