كاظم حسن سعيد - البريكان مجهر على الاسرار وجذور الريادة.. (ج1)

(ج1)

مقدمة:
((لست لغزا لكن فهمي بالغ التكاليف :محمود البريكان))
شرعت بوضع مسودة هذا الكتاب سنة 1992وكان مصمما ان يتضمن ثلاثة اجزاء : مختارات من شعرالبريكان .. وتسجيل ارائه ومواقفه ونقد لشعره .وخلال اكثر من عشرين عاما مر الكتاب بمحطات توقف وتشذيب وتطوير حتى وجدت حلولا فنية للكتاب .ولا يسندني الا ما اسميته <دفتري > وهو مسودة سجلت فيها ملخص ارائه بعد كل لقاء ..ولقد راعيت ان تكون الاراء<التي ادلى بها البريكان > بلغة بسيطة كما كنا نتحاور ووضعتها بين هلالين مهمشة بحرف <م> اشارة الى اسمه ..وعلى القارئ ان يتوقع من شاعر مفكر عميق الثقافة لو عبر شخصيا عن تلك الاراء لاتت بلغة رصينة واكثر دقة .اتقبل من الاخرين ان ينظروا للمؤلف باعتباره كتابا خام ..لقد دفعني خوف مقلق من ضياع المعلومات ان اعجل باصداره ..وادرك مدى التشكيك الذي سيوجه لدقة المعلومات ..وما ستثيره من اعتراضات ..الاهم من هذا كله اشعر اني كتبت بضمير لا يؤرقني ..وعلى النقاد والقراء حرية الاختيار
كاظم حسن سعيد \البصرة
اب .. 2016
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(البريكان مجهر على الاسرار وجذور الريادة)
حين توجهت الى الفقيد الشاعر والمفكرمحمود البريكان لم تكن قد ظهرت مختارات من شعره او نقد لاعماله ولا فكرة عن سيرته الا اشارات مختزلة..ودراسة كتبها الشاعر عبد الرحمن طهمازي في العدد الثالث في مجلة شعر 69 بعنوان (الاحتكام الى الاسرار) .قصدت المكتبة العامة وطلبت مجلدات من مجلة الاديب اللبنانية..حيث نشر بواكير اعماله في عمر مبكر..وقرات هناك (وتمنيت في انتحاب على الاقدار لو ابّدت علي الطفولة ) كنت انسخ القصائد في دفتر..ذات يوم كانت قاعة المكتبة مقفرة الا مني فقلت للموظفة <ممكن مجلدان معا من المجلة > فلمت نفسها بالعباءة وحدجتني بنظرة استغراب ثم عادت بمجلدين قائلة بتوتر (اخي ساغادر القاعة ..القصف ينهمر عن قريب) .. وقتها كانت المدافع الايرانية تدك منطقة الجزائر ومحيطها.فرحتي باقتناء واكتشاف القصائد انستني رعب الانفجارات.
بعدها صدفة قرات له هذا المقطع(جردت من خواتمي جزت ذؤاباتي
دحرجت من قاعدتي
نقلت من مكان
الى مكان
حاورتني البوم والعقبان
تسلقت اصابعي الصبيان
جرب فاس ما
في جسدي يوما
ربطت بالحبال
سحبت ممدودا على وجهي
وراء زوجين من البغال
حرست سورا مرة
ومرة اخرى
وضعت في مدخل قصر ما ).
كان مثل هذا المقطع الشعري كافيا لادرك اني امام شاعر عظيم .وتملكني لوم واسف لكوني لم اقرأ له من قبل .ولم اكن ادرك حينها بان المقطع اعلاه هو جزء من قصيدة كتبت بعد جهد تواصل لربع قرن..لقد مر الشعر العربي الحديث بتحولات وتجارب < منذ قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة وهل كان حبا للسياب>تكفي لخلق مثل هذه القصيدة ..بعد قراءتي لجزء من قصيدة <قصة التمثال من اشور).. شرعت برحلة البحث عن هذا الشاعر البصري ..وجمعت معلومات شحيحة عنه.. منها تلك المقابلة الخالدة معه في مجلة الاقلام .... وقبل ان التقيه سالت الشاعر حسين عبد اللطيف في اتحاد الادباء <هل المقابلة بقلمك >..فاجاب نعم ..اما انه لم يفهم سؤالي او انه تغاضى ..وحين سألت البريكان فيما بعد اجابني < الاجوبة في المقابلة بقلمي م>.والتقطت اشارة نقلا عن اذاعة عالمية تلفت الى ان البريكان سيرحل يوما دون ان نعرف حقيقة سيرته ..عندها قلت لنفسي <لماذا كل هذا العناء ... وقررت ان التقيه .>.وتم اللقاء في معهد اعداد المعلمين في البصرة ..كان في وضع متازم لكني لم انتبه لان من طبعه ان يخفي خصوصياته.هكذا بدات رحلة التعرف عليه..وهكذا أنبثقت صداقة لصيقة ستستمر لسنوات.ونصحني صديق بان اسجل ملخص حواراتنا بدفتر واخذت بنصيحته ..واخبرت البريكان بذلك واريته الدفتر فقرأ منه والتفت الي قائلا (اشكرك هذا دليل الاهتمام وعليك ان تثبت,, بان ارائي فيه هو ما فهمته من كلامه,, .. واضاف <ربما انا احيانا يتعذر عليّ التعبير بدقة عن عدد من افكاري م )..وها انا هنا اقر بنصيحته عن قناعة .وذلك لانه حدثني يوما بمرارة وهو يعتني بشتلات من حديقة المنزل الصغيرة (هناك مشكلة باللغة تجعل الجسور عصية بينك والاخرين لانك تعني بالمفردة شيئا ويفهمها البعض بشكل اخر.)قال ذلك بحزن عميق .لقد مرت فكرة كتابي عن البريكان بتوقفات وتحولات وتازمات حتى وصلت الى قناعة بان اسرع بوضعه قبل ان تضيع المعلومات والافكار التي سجلتها عنه عبر ليال طويلة من السهر حتى الفجر قضيناها معا ولقاءات متواصلة امتدت لسنوات.

كاظم حسن سعيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى