كاظم حسن سعيد - البريكان : مجهر على الاسرار وجذور الريادة ج3

(هرم من السماورات اللماعة ، تمتد قاعدته على جانبي الموقد ، ثم يصعد متسلقاً حتى يكاد السماور الذي في قمته أن يلامس سقف المقهى . وأمام قاعدة هرم السماورات يمتد صفّ طويل من الأراجيل بألوانها المختلفة . وعلى مساحة مائة متر مربع تقريباً ، التي هي مساحة المقهى كلها ، تمتد التخوت بخطوط متوازية متقابلة ، وبينها يتحرك { شفتالو } صانع المقهى القزم في حركته الدائبة التي لا تنقطع.
ثمن الجلوس في مقاهي الحيدرخانة <عجمي> عشرون فلساً ، يقدم لك مقابلها شاي عراقي صميم ، باستكان مذهّب ! . بينما ثمن الدخول في البرازيلية خمسون فلساً .. تتناول مقابلها فنجاناً من القهوة التركية،او شاياً بالكوب على الطريقة الأوربية..مقهى حسن عجمي الذي فرشت ارضيته وقنفاته بالسجاد الكاشان وانتشرت حتى على الجدران.. كان يرتادها الغالبية العظمى من الشعراء : رشيد ياسين ، بدر السياب ، محمود البريكان ، أكرم الوتري ، وحسين مردان..ثم الجيل اللاحق من الشعراء : سعدي يوسف ، كاظم جواد ، محمد النقدي ، موسى النقدي ، رشدي العامل ، راضي مهدي السعيد ، زهير أحمد ، كاظم نعمة التميمي ، البرازيليتان يرتادهما بلند الحيدري ، وعبدالوهاب البياتي ، والقاص عبدالملك نوري ، والروائي المعروف فؤاد التكرلي ، والأديب نهاد التكرلي . الوحيد الذي كان يتأرجح بين الجهتين هو بلند الحيدري الذي كان غالباً ما يُرى فيهما معا في اليوم نفسه < مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد >).
تخيل خلافاتهم ..صراعهم مع رافضي التجديد في جو سياسي مشتعل وظروف نقمة جماهيرية تهدأ وتنفجر ...في فضاء عربي ظهر فيه نخبة مميزة من المفكرين والادباء والشعراء فيما كانت الصحافة المصرية واللبنانية الادبية ترفد القراء باهم النتاجات العالمية ..(لقد تمكنت الصحافة اللبنانية من تشذيب اللغة وتجديدها م ).. وكانت اعاصير الحرب العالمية الثانية تجمر الذكريات..في هذا الجو كان البريكان صديقا للجميع..يتحاشى الصدامات..بعيدا عن السياسة ..وهو الراصد الحيوي لمجرياتها
.
.كان البريكان يتعايش بسلام معهم جميعا , بعيدا عن الاحتدامات.. محصنا نفسه بدرع لا يخترق..(في معهد المعلمين كنت احضر المآتم ولا اقصد الاعراس..لكني كنت اساهم بمبلغ تحاشيا للتقولات .. م)... وقد رايته يحتمل من بعض الاصدقاء ما لا يحتمل ..فقد كان القاص <ع> يزورنا كل جمعة تقريبا قبيل الغداء بقليل وبعدما نتاول الطعام ونرتشف الشاي يغط بالنوم جالسا على اريكة الهول... لا انسى في مرة نظرة البريكان الجزعة اليه كان في عمر متقدم ويحتاج لغفوة في الظهيرة كنت احس بارهاقه وهو ينتظر الرجل ان يحس فيغادر ..
( كان بلند الحيدري ياتي الى المقهى وينادى <اكو واحد يلعب داس دومينو).وخلف ذلك الم واعصاب وارق .وربما احس باخرة العمر بذلك : (علينا الان ان نعترف ونسمي الاشياء باسمائها لقد كانت بعض السلوكيات التي احتملناها او حاولنا تبريرها لونا من <الحميرة >نحن لسنا انبياء لننوء باكثر مما نستطيع م )..لكنه ان رد يكون قاسيا ..فقد احتج بعض الادباء على مفردة<الناس > في احدى قصائده باعتبارها جمعا رغم ان البيت مشهور للبيد(وسؤال هذا الناس كيف لبيد)..فارسل من يوصل جوابه : (انا استطيع ان ابعث لهم قاموس المنجد ليتأكدوا)..وكنت حاضرا وقت قصده وفد من الادباء يدعونه لحضور مهرجان في بغداد فاعتذر وتكررت زيارتهم مرات فلم ينجحوا باقناعه ..فحاول احدهم ان يلمح بنبرة تهديد قائلا (وماذا نقول لعدي صدام حسين ان لم تحضر ) فاجابهم بجرأة معهودة (اخبروه باني مريض)..فعادوا ادراجهم ..
<اعترف ان التعامل معي صعب ..فانا بسيط الا بقلمي فهو عصي الا بارادتي م) .(قلت لصديقي يوما <لست لغزا لكن فهمي بالغ التكاليف < )..(كان والدي يصر على ان ادخل كلية الحقوق. فدخلتها مكرها وكان طموحي يتجه للاداب..انه الخيار الذي اثر على حياتي ..لولا اصراره لحصدت الدكتوراه في الادب وتجاوزت المعرقلات ..كنت ادرس في مدرسة واواصل دراستي في الوقت نفسه في الكلية ..فكرة ابي ان التحصيل الدراسي يجعلك تمارس وظيفتك تحت رحمة مروحة ..كنت اتحرج اطلب منه حتى الضروريات..بعد عامين انقطعت عن الدراسة لامارس التعليم تحت ضغط الظروف لقد مر والدي بخسارة في العمل التجاري ..وقلت لاخي ساكمل الجامعة لا حقا فاجابني :(لا يمكن )..سافرت الى الكويت وهناك عشت في غرفة تضم سبعة اشخاص و مارست التعليم في مدرسة قتيبة..تحملت الظروف القاسية ..والتحق بنا رجل هندي يلح بالسؤال (<كجن ..اكو كجن >< مطبخ >..كان يعاني من جوع مزمن ..هناك في الكويت رايت الكادحين وعرقهم و تشربت بمعاناتهم ,تاملت قسوة حياتهم ..وكانت الفئة المتنفذة تضع براميل على مساحات شاسعة لتتحول ملكا لهم.بعد سنوات وصلت دمشق.. ودخلت الحقوق الا ان احداث ثورة 1957 عجلت بعودتي الى العراق.. (كان الجو متوترا في سوريا والانسان عرضة للتساؤل )..فقدمت طلبي الى العميد في البصرة , كان مشغولا باوراق على الطبلة امامه واهملني فخاطبته (استاذ انه مصير انسان )..فقبلت واكملت دراستي..لكني لم امارس المحاماة التحقت في التعليم الابتدائي ثم المتوسطة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
البريكان يرفض ما يسمى <بالاعمال الشعرية> (وهو اذ ينظر لطريقة الكتابة الشعرية ينطلق من التجربة الشخصية فهو لا يكتب الا اذا كان متركزا شعريا, ويرى بان التنقيح كثيرا ما يفسد النص الاصلي (هل تحتفظ بمسوداتك ـ قال لي يوما ـ انها غالبا الافضل .م)وكثيرا ما ندم لاتلافها و فقدانه المسودات,لانه وجد الصدق بالنص الاصلي, هذا لا يعني انه ينكر او لا يحاول ان يضيف او يشطب بل يفعل ذلك بحدود ضيقة ولضرورات صارمة: ((مفردة تداين في قصيدة <انسان المدينة الحجرية>هي الاصل وخشيت من عدم فهمها فاستبدلتها بكلمة <تحاكم البشر>ويرى بان النصوص الشعرية او النثرية او اللوحات او الموسيقى تاتي بؤرة اشعاعها دفعة واحدة ثم تلتحق التفاصيل..نجيب محفوظ مثلا في < زقاق المدق > تصور كلية العمل قبل الشروع بالكتابة ثم توالت الاضافات والمهملات ..< كانت زقاق المدق وهي عمل مهم قد جوبهت حينها بالرفض..وفرضت فيما بعد بصعوبة م >..)).
البريكان يحركه عاملان للكتابة الاول هو العنوان وهو من المهتمين بالعناوين وله قدرة على ابتكارها بتفرد ولقد شهد له زملاؤه بذلك والعامل الثاني هو ذلك الايقاع او الشكل الذي يجري في اعماقه ملوحا ..او غامضا وممهدا لولادة القصيدة..انه لا يقصدها فهي تاتي وتفرض وجودها..ان نظرة متفحصة لفترات الانقطاع في حياته والتي امتد بعضها لست لسنوات توضح الكثير من الابهام لقد كتب في الرجز اهم قصائده نضوجا حتى مطلع السبعينيات ثم واجه نفسه بتحد مرير حتى تحررت من التآلف مع سكتها فولدت له قصائد مميزة تستفيد من بحر الوافر..(في السبعينيات قلت لنفسي : كفاك رجزا يا محمود م)لقد احتل بحر الرجزمكان الصدارة في الشعر العربي الحديث <الحر> بعد قرون من ابعاده من خارطة الشعر...ان اتساع رقعة الرجز في قصيدة التفعيلة تختبيء وراءها اسباب عدة لعل اهمها ضرورة التوسع في رئة الشعر وتجاوره مع الايقاع في اللهجة الدارجة وتسلط انشودة المطر للسياب. لابد ان نشير الى ان البريكان توجه الى التجارب الشكلية في بنية القصيدة ..(في السبعينيات خضت تجارب الشكل في الشعر م) ..كثير من تلك التجارب لم ترالنور وهذا لا يعني الوهن بالمضمون بل احتلال الصدارة بالتشكيل ..ولا يستغرب من هذا من علم بان البريكان كان ناقدا من طراز خاص (ربما لم اقنع باي ناقد في العالم م)..و موسيقيا وسميعا ماهرا وتحتل الموسيقى عالما متسعا في كيانه حتى انه وضع مؤلفا بالموسيقى .. وقد يستغرب القاريء الدقيق للفرق بين التماسك التكويني بين القصائد السابقة ونقاط الضعف في المستوى الايقاعي في قصيدة < جلسة الاشباح > . وربما يمر بهذه المحنة جميع الشعراء الذين ينتقلون من اوزان تمرسوا عليها طويلا الى اخرى ينجزون فيها لاحقا .تتكون لدى الشاعر بحكم المران الطويل على بعض البحور قدرة تحكمية تلك القدرة التي تشكل فخا اذا لم يقاوم الشاعر قوة العادة ومقدرتها على الاستبداد.
لكن قصيدة (جلسة الاشباح )التي اعتمدت الوافر فتحت في كيان الشاعرالبريكان افاقا جديدةعلى المستويين : الشكل والمضمون , فقد تسلط الحوار في هذه القصيدة واقتربت من المجال المسرحي والسينمائي وتوفرت فيها البساطة والعمق.. وسيمضي الشاعر قدما في هذا النهج ويجري ضد التيار الشائع المتمثل بتعمد المفردات المكرورة والايحاء المضلل والزخرفات اللفظية وتترسخ لديه المفردة التي تقترب من الدقة العلمية والطاقة الايحائية حيث يكون الشعر لا ما يقرأ وانما بالسطور التي حجبت ويتركز المضيء في افق الاستنتاج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى