أحمد الحسين - أدب الفئات الهامشية في العصر العباسي

من يمعن النظر في الدراسات والأبحاث المعاصرة التي صدرت على مدى نصف قرن وأكثر يخرج بانطباع راسخ أن هذه الدراسات لم تتعامل مع الأدب في عصوره المختلفة برؤية شمولية تنطلق من اعتبار أن الأدب والحياة صنوان وأن الأدب شئناً أم أبينا ثمرة من ثمار التفاعل المهادن أو المشاكس بين الأدب والمجتمع.
وبعيداً عن هذا التفاعل يذوي الأدب، ويختنق الأدباء.
ولمسوغات جمالية ونقدية واجتماعية وقعت عشرات الدراسات والأبحاث في مطب الانتقائية المكررة فلم تقدم لنا بانوراما تستوفي كل مظاهر الأدب التي كانت سائدة في عصر من العصور بل اهتمت بجوانب وأسقطت أخرى وأبرزت أسماء وأغفلت سواها أو رفعت من قيمة تيارات وحطت من شأن أخرى وفي ظل نظرة متحيرة لفنون الأدب الرسمي وما دار في فلكه. وكذلك الأمر بالنسبة لأدب الإعلام وما يسمى بأدب القمم فإن الغبن كان من نصيب التيارات والظواهر الأدبية التي نشأت في بيئة العامة وترسبت في أرضية القاع الاجتماعي. ولتقريب هذه الصورة إلى الأذهان نأخذ من بين عصور الأدب العصر العباسي الذي كان يمور بكل ما هو جديد في الحياة والأدب.
ولكن الموقف المتعالي نفسه أو المنحاز حال دون اكتشاف ما كان يجري في ذلك العصر. ويأخذنا العجب حين نقارن بين موقف مجموعتين من الأدباء قديماً وحديثاً في رصد مثل هذه الظواهر الشعبية فلقد كان الجاحظ وبديع الزمان والحريري والثعالبي والتوحيدي أكثر معاصرة من بعض أدبائنا المحدثين و أوسع أفقاً وأعمق رؤية في عنايتهم بتيارات عصرهم. وبذلك عبرّوا عن نزعة شعبية وواقعية باهتمامهم بأدب الفئات الدنيا أو برصدهم للظواهر المنبوذة وهذا ما نلمسه في مؤلفاتهم التي تعد مصادر لا غنى عنها لكل باحث وأديب.
وأين هذا الموقف من مواقف كثير من الباحثين المعاصرين ومؤرخي الأدب الذين ظلوا بعيدين عن تيارات أدب القصاص، والشطار والطفيليين والحمقى والمغفلين وسائر فئات الشحاذين والمتسولين المكدين، والمفلوكين.
ويأخذنا العجب أكثر من تلك الدراسات التي لم تعد تضيف جديداً، وهي تجتر الآراء المعادة، والأفكار المطروقة في الوقت الذي لا نصادف فيه دراسة جادة تلم بملامح الوجه الآخر للأدب والحياة، الوجه المعبر عن التشرد والاغتراب والمسكون بهواجس القلق ونوازع الاعتراض.
هذا الأدب الذي أقصد هو أدب الفئات الهامشية أو المهمشة وهو أدب من طراز يخالف ما هو سائد، أدب له سماته وخصائصه ومضمونه المعبر عن حياة البسطاء المهمشين، وأحاسيس المعدمين المنبوذين، وأصواتهم الساخطة المتذمرة، ومواقفهم الناقدة الرافضة.
ومعلوم لدينا أن ظاهرة التهميش تنشأ إثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنمو في أطراف المدن. وهي ظاهرة قديمة وجديدة لا يمكن تجاهل وجودها في تكوين المجتمعات.
ويشير د. اسماعيل قيرة إلى أن الهامشيين هم "أولئك الأفراد الذين يعيشون على هامش أية فئة أو طبقة اجتماعية. وفي التراث السوسيولوجي استخدم مفهوم الرجل الهامشي ليشير إلى الفرد الذي ينتمي إلى ثقافتين أو مجتمعين دون أن يندمج في أحداهما اندماجاً كلياً، وربما شجع ذلك بعض الدارسين على القول بأن هنالك ارتباطاً بين الهامشية والشعور بالغربة أو العزلة الاجتماعية"(1) .
والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا يرتبط بمضمون أدب الفئات الهامشية كما يرتبط بالقضايا التي أثارت أولئك الأدباء. وربما يرتبط من ناحية أخرى بالدوافع التي أدت إلى انخراط تلك الفئات في عالم التسول. والتحامق، والتجانن، والتطفيل وسواها. ولا شك فإن الإجابة عن تلك التساؤلات لا يمكن أن تستوي في وقت قصير وبحث موجز، ولهذا سنكتفي بإشارات سريعة تكون مفاتيح للدخول في عالم ذلك الأدب المنبوذ. والمرفوض. وستكون وقفتنا بشكل أساسي عند أدب الحمقى والمتحامقين وأدب المتسولين والمكدين.
*بين الحماقة والتحامق.
وإذا كان الحمق باتفاق المعاجم نقيض العقل فإن التحامق بإجماع الآراء نقيض ذلك وخلافه فهو لا يرجع إلى تكوين ينشأ عليه المرء ولكنه ينطلق من تطبّع مقصود بخلاف الحقيقة، فالمتحامق شخص يرتدي لباس الأحمق لأسباب إذا ما عرفناها أمكننا أن نفسر انجراف الكثير من الأدباء والعلماء والمتصوفة إلى سلك الحماقة ونهج الرقاعة.
ولعل القراءة الدقيقة لنصوص أولئك المتحامقين، وتحليل اعترافاتهم الشخصية تمدنا بأكثر تلك الأسباب وفي مقدمتها يبرز دافع العمل والتكسب، بالإضافة إلى أغراض أخرى منها النقد الاجتماعي، والتخلص من المآزق، والتحرر من سلطة الرقابة، والهرب من الواقع إلى دنيا الوهم والخيال.
وهذه الأسباب أوالدوافع تشكل مادة أدب الفئات الهامشية، كما أنها تكشف عن الأرضية التي صدرت عنها مواقف أولئك الأدباء.
ولكي تتضح لنا هذه الجوانب نرى أن نمر على كل منها مروراً سريعاً فماذا سنجد؟
* التكسب بالتحامق، والتسول:
في البداية نشير إلى أن الأزمات التي يمر بها الأدباء والمثقفون ليست واحدة، كما أنها ليست مطلقة. والصورة المشرقة التي نقرأ في جوانبها عن شاعر أو أديب كان ينعم بأسباب الحياة الهانئة لعطاء أصابه أو جائزة فاز بها، هذه الصورة تقابلها صورة قاتمة عن بؤس أدباء وشعراء وعلماء كانوا لا يجدون قوت يومهم، ورزق عيالهم(2) .
وفي المجتمع العباسي أخذت صورة البؤس تتسع ولا سيما في مرحلة التفكك والضعف وبروز الاضطرابات. وقيام الزعامات، وما نجم عن ذلك من خلل اقتصادي أو نزاع سياسي، واجتماعي.
وفي هذه البيئة انحدرت مكانة العلم، وانحطت منزلة العقل، وكسدت بضاعة الأدب مما دفع الكثيرين إلى التشرد والاغتراب والجنوح إلى دنيا التسول، والتطفل، ومن هذا المنطلق صار التحامق وسيلة لكسب القوت والثروة أيضاً(3) .
ويبدو أن أخذ دور المهرج المتحامق يؤدي إلى تحقيق هذه الغاية بأسرع أو أضمن من دور الجِد والعقل ففي محاورة "ابن أخي رامو" لديدرو نجد المهرج المتحامق المتجانن يخاطب الفيلسوف قائلاً: "كنت سأصير مثل جميع المتسولين الذين أثروا. كنت في السابق أسرق الأموال من تلاميذي، أما الآن فإني أكسب هذه الأموال على الأقل مثل الآخرين.
إن أهالي التلاميذ كانوا يغصون بثرواتهم المكتسبة الله يعلم كيف، لقد كانوا من رجال الحاشية ومن رجال الأعمال والبنوك، وكبار التجار، فإذا كانت كل الأنواع تتصارع في الطبيعة فإن كل الأوساط تتقابل في المجتمع، إننا كنا نقيم العدالة على طريقتنا من غير تدخل القانون"(4) .
هذا النص يضيء جوانب هامة ليس في زمن ديدرو ومجتمعه. ولكنه يضيء جوانب مشابهة في كثير من المجتمعات. ولعل ذلك مع بعض فروقات الزمان والمكان هو ما أحاط بأدباء الفئات الهامشية.
وعلى هذا الأساس كانوا يكسبون المال كالآخرين، لقد أرهقهم طريق العيش بالعقل والجد فوجدوه بالتحامق والتجانن، والتسول والاستجداء، يقود إلى الثروة ومجالس الجاه، ومراكز السلطة فكانوا المهرجين والمضحكين الذين استطاعوا بهذه الطريقة انتزاع المال الذي يعلم الله بأية طريقة جمع وكسب.
هذا شاعر اسمه أبو العِبَر قالت مصادر التراجم إنه حافظ لكل عين. جيد الشعر، ولم يكن في الدنيا صناعة إلا وهو يعملها بيده"(5) ورغم ذلك كان معدماً في "نهاية النصب واللعنة"(6) وكان الموقف أنّ هجر أبو العبر العقل وسلك درب التحامق لإدراكه كما يقول ابن المعتز: "أن الحماقة والهزل أنفق على أهل عصره"(7) فكسب بحماقاته كما يقول الأصفهاني: "أضعاف ما كسبه كل شاعر في عصره بالجد"(😎 .
وكان يرد ذكره في بعض المجالس، وتذكر حماقاته، وسقوطه فأراد يزيد بن محمد المهلبي أن يقف على حقيقة أمره، فأجاب عن ذلك محمد بن مُدْرك بالقول: "والله ما كان إلا أديباً فاضلاً، ولكنه رأى الحماقة أنفق، وأنفع له فتحامق"(9) .
وشاعر آخر اسمه ابن صلوة كان جيد الشعر، صائب الرأي، ولكنه محروم لا يؤبه له "فنبذ العقل جانباً، ومال إلى التحامق، وأخذ في الهزل والعبث، فحسنت حاله، وراج أمره، حتى إن الملوك والأشراف ألعوا به"(10) .
وهذا أبو العجل الشاعر المتحامق يدافع عن تحولاته في عالم الحماقة بالمقارنة بين ما كانت عليه حياته زمن العقل والجد، وما صارت إليه في عهد الحماقة والرقاعة فيقول:(11)
اكففْ مَلاَمكَ مُحسناً = أو مُجملاً متطولا
أعلى الحماقة لُمتني = قد كنْتُ مثلَك أوّلا
فدخلْتُ مصَر وأرضَها = والشامَ ثم الموصِلا
وقرى الجزيرة لم أدعْ = فيها لحيٍّ منزلا
إلا حللْتُ فناءَهُ = بالعقل كي أتمولا
وإذا التعاقل حرفّة = فعزمْتُ أنْ اتحولا
فانظرْ إليَّ أمَا ترى = حالَ الحماقة أجملا
مَنْ ذا عليه مُؤنبي = حتى أعودَ فأعقلا
ونقرأ هذا الاعتراف مرة أخرى في قول ابن قادم(12) :
ولقد قلْتُ حيَن اغرَوْا بلومي = أيَّها اللائمونَ في الحُمْق مهلا
حَمَقي قائمٌ بقوت عيالي = ويموتون إنْ تعاقلْتُ هزلا
تلك هي مأساة الأدب والعقل والجد كما عبر عنها أكثر من شاعر كان الشاعر الأحنف العكبري، الشاعر المكدي، واحداً منهم إذ قال:(13) .
قد قسّم الله رزقي في البلاد فما = يكاد يدرك إلا بالتفّاريقِ
ولسْتَ مكتسباً رزقاً بفلسفة = ولا بشعر ولكنْ بالمخاريقِ
والناسُ قد علموا أني أخو حيل = فلسْتُ أنفق إلا في الرّساتيقِ
ومن هذا المنطلق كان اعتراف شاعر آخر بتظاهره بالجنون لأنه الوسيلة على ما يبدو لكسب القوت إذ يقول:(14)
جننْتُ نفسي لكي أنال غنى = فالعقل في ذا الزمان حرمان
* النقد الاجتماعي:
والنقد الاجتماعي لمظاهر الخطأ والفساد هو المنطلق الآخر لأدب الفئات الهامشية فالمتحامقون يسيرون على خُطا نيتشه في رفضهم التسليم بظواهر الأشياء وتجاوز ذلك إلى الأعماق والخفايا ويرون في نقدهم "أن الإيمان بالحقيقة هو الجنون بعينه"(15) .
وفكرة هؤلاء الأدباء أن الإنسان ما دام مستسلماً لنفوذ الظواهر المكرسة وخاضعاً لسلطتها فإنَّ العقل لا يكفي لاكتشاف بطلانها إذ تبرز أمامه سدودٌ صارمة رادعةٌ زاجرة. وعندئذ فإن التجانن أو التحامق هو السبيل لاختراق تلك الحواجز وهو المنهج لتقويض سلطة ما هو سائد ومفروض وذلك على غرار ما يقول فوكو في تاريخ الجنون: "لقد علمتنا التجارب أنه غالباً ما نستطيع التوصل إلى الحقيقة عن طريق اغتصاب العقل واختراق حدوده القاسية"(16) .
والمقصود أن العقل ضمن منطق الحسابات قد يُؤْثُر السلامة فيتآلف مع الواقع القائم في حين أنَّ التحامق أو التجانن إذ يسقط مفهوم الحسابات فإنه يتجاوز حدود المنع. وتظاهر المتحامقين بالجنون أو الهلوسة أسقط عنهم عقاب المجتمع بذريعة غياب العقل وهذا ما جعلهم اكثر قدرة من الأدباء الآخرين على ممارسة النقد الجارح والعميق لمظاهر الفساد والخراب والقرائن كثيرة في الدلالة على عجز العقل في مواجهة سلطة الاستبداد أو الجهل المتنفّذ. وكتب التراث تزخر بحوادث الاغتيالات وأصناف التعذيب وأشكال المطاردات والنفي والسجون.
ونقد المتحامقين أسلوب ذكي أو هو مواجهة ذكية للواقع بالوسائل التي تنسجم مع منطق ذلك الواقع وبالطريقة الممكنة التي تحقق غرض أولئك الساخطين المتذمرين.
لقد تناول الحمقى والشحاذون كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية بالنقد والتقريع ولهم في ذلك جولات طالت مظاهر التسلط والظلم والتمايز والاستغلال. وتبرز بين أيدينا المحاورات المشهورة بين سعد المجنون والمتوكل وبين بهلول المُوَسْوَس والرشيد وبين عليان والهادي(17) .
فهل كان سعدون المجنون قادراً على مخاطبة الخليفة ونقده لو لم يكن مجنوناً أو متظاهراً بالجنون إذ يقول:(18) .
يا مَنْ بنى القصر في الدنيا وشيّدهُ = أُسَّسْتَ قصرك حيث السيلُ والغرقُ
لو كنْت تَغْنى بذخر أنت ذاخرُهُ = اسَسْتَهُ حيثُ لا سوسٌ ولا حرقُ
والموت مصطبح منكم ومُغْتَبِقٌ = فاحتلَ لنفسِكَ قبلَ الوردِ يا حَمِقُ
ولنتأملْ هذا الموقف الذي اعترض فيه صبّاحُ المُوَسْوَس موكب صاحب شرطة ابن هبيرة وبادره بالقول أمام الناس: "يا بن أبي الزرقاء أسمنْتَ بِرْذَوْنَكَ وأهزلْتَ دينك أما والله إن أَمامك عقبةً لا يجاوزها إلا المُخّفُ.. فوقف ابنُ أبي الزرقاء. فقيل له: هو صباح الموسوس. فقال: ما هذا بُموَسْوَس"(19) .
وفي الجانب السياسي المعبر عن التناقضات والاضطرابات والفوضى وتنازع الزعامات أظهر المتحامقون معرفة دقيقة في فهم ما يجري فجهروا بالنقد الكاشف الذي لا يجامل ولا يتستر ولا يداري ومن ذلك أن سيبويهِ المجنونَ تعرّض في الأسواق لموكب جعفر بن الفضل بن الفرات ناقداً وهازئاً إذ قال: "ما بَال أبي الفضل قد جمع كتابه ولفّق أصحابه وحشد بين يديه حجابه وشمم أنفه وساق العساكر من خلفه؟ أبلغه أنَّ الإسلام طُرق وأنَّ ركن الكعبة سرق؟ فقال له رجل: هو اليوم صاحب الأمر ومدبر الدولة. فقال عجباً: أليس بالأمس نهب الأتراك داره ودكدكوا آثاره وأظهروا عواره وهم اليوم يدعونه وزيراً ثم صيروه أميراً. ما عجبي منهم كيف نصبوه بل عجبي كيف تولى أمر عدوهم ورضوه"(20) أليس على هذا النحو يعين الخلفاء والوزراء ثم يكون عزلهم أو خلعهم؟
والنقد بإظهار الجنون أسلوب عرفته الفرق والطوائف والأحزاب فقد أشار أبو دلف الخزرجي إلى الممرور في قصيدته المشهورة:(21) .
ومنا كلُّ مَمْروُرِ = غدا غيظَ بني البظر
وجاء في شرح ذلك أن الممرورين "قوم يلبسون الثياب الممزقة ويحلقون لحاهم ويوهمون أنهم موسوسون وأن المرار غلب عليهم فيشيدون بفئة ويذمون أخرى وينسبهم الناس إلى الجنون فلا يؤاخذونهم بما يقولون".
وفي مقام النقد يبرز صوت الأحنف العكبري المكدي وهو شاعر استطاع أن يكتشف خلل عصره وسبب سوء حاله وحال أقرانه من الأدباء المهمشين فوجد علة ذلك في النهب والاستغلال والتمايز والتفاوت الطبقي والاجتماعي وفي ذلك يقول:(22)
رأيْتُ في النوم دُنيانا مزخرفةً = مثلَ العروسِ تراءَتْ في المقاصيرِ
فقلْتُ جودي. فقالتْْ لي على عجلٍ = إذا تخلصْتَ من أيدي الخنازير
وفي إطار نقده السياسي يصور لنا بتورية ذكية شخصيات السلطة ورموزها في عصره ليدل على أن سوء الأمور نتيجة منطقية لتصرفات أولئك المغفلين الساذجين من الولاة والحكام فيقول:(23)
قالَ: رؤيا المنام عندكَ حقٌ = قلْتُ: هيهاتَ كلُّ ذاكَ بخارُ
ليتَ يقظانَهم يصحُّ لهُ الأمرُ = فكيفَ المُغِطُّ والنَّخارُ؟
هنالك جوانب أخرى من نقد الأخلاق والعادات ومظاهر الرياء والتملق لم تكن بعيدة عن اهتمامات أدب الهامشيين يمكن أن نصادف نماذج كثيرة تكشف عنها في بطون كتب التراث.
* التمرد الذاتي
ويبدو أن الجنون كما يرى فوكو ذو طبيعة كونية حين يرتبط بحدود الحرية التي تسمح بها ثقافة ما فالحرية "لها حدود سواء في مجال السياسة والأخلاق والدين والجنس والتعبير"(24) ويبدو أن لكل "عصر ولكل ثقافة قوانين قسرية" ومن يتمرد على سلطة هذه القوانين ويخترق حدودها يُواجِهُ غضبَ المجتمع ونقمته.
والقانون بحد ذاته لا يمكن أن يحقق مصلحة كل الفئات ولا أن يلبي رغبات الجميع ومن هنا تبرز المقارنة بين التوافق والتضاد.
ولعل أكثر الأدباء الهامشيين كانوا يحسون في أعماقهم نزوعاً إلى التمرد والتحرر من سلطة المجتمع باشكالها المختلفة. وعندما لم يكن هذا الأمر ممكناً في الظروف المألوفة اتخذوا التحامق أو التجانن وسيلة للخلاص من سلطة المجتمع والتمرد على نواظمه وقيمه وثقافته وتقاليده.
وهكذا عبرَّ أدب الهامشيين عن تمرد غير مباشر اتخذ شكل اختراق السائد والمألوف في السلوك الفردي ذي الاتجاه الواضح في الفوضى والعدمية كأسلوب في تقويض أسس ما هو قائم في إطار الصراع غير المتكافئ بين الطرفين.
فقد كان أبو العبر على سبيل المثال يأتي بكل ما يصدم المجتمع فهو يصطاد عارياً وقد ربط في كل عضو من أعضاء جسده آلة من آلات الصيد(25) دون أن يقيم وزناً لسلطة المجتمع ويصر على أن يأتي من الأقوال والتصرفات والحركات ما يناقض قيم مجتمعه وأعرافه بل نجده وفي كثير من المواقف يتمرد على طبيعة اللغة ويهزأ من الشعر ويقيم علاقاتٍ جديدةً بين الألفاظ والتراكيب تشكل تمرداً سريالياً يهشم فيه اللغة وعلاقات المعنى مع ولع خاص بالخرافي والعبث واللامعقول إذ كان يعقد مجالسه في الأسواق والساحات العامة في هيئة غريبة فهو يرتدي في رجليه قلنسوتين ويعتمر على رأسه خفاً وقد جعل سراويله قميصاً. وقميصه سراويل(26) ومن حوله جوقة تدق بالهواوين حتى إذا ما اجتمع الناس واشتد الصخب بدأ المشهد بطرح الأسئلة من الحاضرين فيرد عليهم أبو العبر بطريقة تثير الضحك دون أن يكون هناك ترابط بين السؤال والجواب.
وقد وصف لنا ابن المعتز أحد مجالس أبي العبر وما كان يدور فيها قائلاً: سأله أحدهم: يا أبا العبر لم صار دجلة أعرض من الفرات والقطن أبيض من الكماة؟ فقال لأن الشاة ليس لها منقار وذنب الطاووس أربعة أشبار.
وقال آخر: لم صار العطار يبيع اللبد وصاحب السقط يبيع اللبن؟ فقال لأن المطر يجيء في الشتاء والمنخل لا يقوم به الماء. وقال آخر: لم صار كلُّ خصي أمرد والماء في حزيران لا يبرد؟ فقال لأن السفينة تجنح والحمار يرمح"(27) .
إن ولع أبي العبر بالمُحال من الكلام يكشف عن نزعة واضحة في العبث والنيل من مكانة اللغة والبلاغة في الإطار الرسمي الذي يجري على أساسه تقريب الشعراء إلى مجالس الخلفاءء والأمراء. أمّا هو فقد اختلق نمطاً خاصاً به وجد له سوقاً رائجة في القاع الاجتماعي ونال به إقبالاً واسعاً وقد كشف عن سر طريقته في الكلام قائلاً:
"كنت أبكر فُاجلس على الجسر ومعي دواة ودَرْجٌ فاكتبُ كلَّ شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين حتى يملأ الدَّرْجَ من الوجهين ثم أقطّعهُ عرضاً وألصقه مخالفاً فيجيءُ منه كلامٌ ليس في الدنيا أحمقُ منه"(28) .
وربما يتضح لنا تمرده على الأدب الرسمي في قصائده التي يقيم فيها علاقاتٍ لغويةً أو دلالاتٍ معنويةً تتسم بالتفكك وعدمِ الترابط وكأنه يثور على اللغة والمعنى والصور والألفاظ والقواعد في نزعة تحطيمية سريالية ومن ذلك قوله(29) :.
أقرَّ الشعراءُ أني = ومروا في الحرمرمْ
فقطعْتُ الرأسَ منهم = ثم جلدَ القدِ دمدمْ
فعملنا منه طبلا = من طبول الخدِ دمدمْ
فضربنا به دمدمْ = ثم دمدمَ ثم دمدمْ
عجباً يا قومُ مني = كنتُ معكم كالمُلَمْلَمْ
ولنتأمل هذا القول:(30)
الخوخُ يعشقُ وُكنةَ الرمانِ = والطيلسانُ قرابةَ الخَفانِ
يا مَنْ رأى قلبي فعرقبَ أذنَهُ = فشمْمتُ منه حُموضةَ الكتانِ
* خلاص واسترخاء
ويكشف أدب الفئات الهامشية عن استحالة الخلاص الجماعي ولهذا مثّل لنا هذا الأدب الدعوة إلى الخلاص الفردي وهذه سمة غالباً ما نجدها في مواقف الأفراد عندما تمر المجتمعات في تحولات صعبة أو تواجه أخطاراً كبيرة.
وفي ظل الإحباط أو اليأس والعجز يعتقد الفرد أن الخلاص يكون حين يدير المرء ظهره للقيم الجماعية ويبحث عن منفذ فردي.
وهذا ما نجده في أدب الحمقى والمتحامقين وهو ما يبرز في أصوات الشحاذين والمتسولين والمتطفلين الذين اكتشفوا أن المواجهة غير المتكافئة بين سلطة الثروة والفقر وبين بطش الحكام وعجز العامة وقد دفعت بهم إلى ضروب من أنماط السلوك والانحرافات فارتضوا ذلك ما دامت أسباب التغيير مستحيلة.
ولهذا نجد بين المتحامقين من يقول بالتحامق ويدعو إليه كالغنوي إذ يقول:(31)
الروحُ والراحةُ في الحُمْقِ = وفي زوالِ العقل والخُرقِ
فمَنْ أرادَ العيشَ في راحةٍ = فليلزمِ الجهلَ مع الحُمْقِ
ويفهم من ذلك أن هذا المسلك التهميشي الذي تتخذه النخب المتنفذة تاريخياً يعبر عن سياسة مقصودة في محاصرة تيارات المعارضة أو شرائح الساخطين والمتمردين إذ تدفع بهم إلى اليأس والإحباط والاستسلام في قبول ما هو مفروض عليهم. ويسوق أكثرُ من أديب رأيه أو شهادته في التعبير عن هذه الحالة فقد كان صالح ابن علي النصيبيني يقول: "جددْتُ فشقيْتُ ثم تحامقت فأرحتُ واسترحت"(32) .
وهكذا يصبح الاستسلام واقعاً يستحيل التخلص منه إلا بالقبول به فما جدوى العقل في زمن مجنون وما نفع العلم في زمن جاهل. وباختصار فإن المعقول وما يجب أن يكون هو الخاسر أو المغيب أمام قوة اللامعقول وما يجب ألاّ يكون. وهذه المحاكمة هي التي تجعل شاعراً متحامقاً يقول في دعوة تمثل العجز والتحول والاستسلام:( 33)
إذا كانَ الزمانُ زمانَ حُمْقٍ = فإنَّ العقلَ حرمانٌ وشومُ
فكنْ حَمِقاً مع الحمقى فإني = أرى الدُّنيا بدولتهم تدومُ
ويكاد خطاب تلك الشرائح يتفق في هذا الجانب فأنت تجد لدى المتطفلين تأكيداً أن حياة التطفيل هي الخلاص من المعاناة وفيها راحةَ البال من عناءِ المتاعب وصعوباتِ الحياة وتقرأُ ذلك في خطاب المتسولين فهذا أبو دلف الخزرجي يرى على لسان الشحاذين أن الكدية بطقوسها وأساليبها هي الباب إلى الخلاص وفيها تتحقق حرية المكدي ويجد الراحة والنجاة وفي ذلك يقول:(24) .
فطبنا نأخذُ الأوقا = تَ في العُسْر وفي اليُسْرِ
فما ننفكُّ من صمي = وما نفترُ من مَتْرِ
فأحلى ما وجدنا العيشَ = بين الكمد والخمر
وفي ذلك نلمس انحراف الفئات الهامشية وسقوط الكثير من أفرادها قديماً وحديثاً في حياة الجنس والمخدرات والإدمان للأسباب التي يمرون بها ويعانون تأثيراتها المختلفة.
عزلة واغتراب؟
ولكن تلك الأصوات التي تجد في ذلك الاستسلام خلاصها كانت من جانب آخر تفصح عن المصير الذي دفعت إليه في سياق آلة التهميش حيث تنتهي الحياة بأصحابها إلى تجرع مرارة الاغتراب والحرمان والانزواء في دهاليز الوحدة والعزلة وبذلك تتعمق مظاهر التأثير فيصبح الفرد غائباً مغيباً صامتاً لا شأن له في كل ما يجري من حوله وبذلك يفقد وجودُه معناه ويخسر إنسانيته إذ يصبح شيئاً منبوذاً لا يكترث به ولا يسأل عنه وبذلك يبدو كائباً محبطاً عاجزاً عن الفعل أو المشاركة في تحمل المسؤولية.
هذا ما كان يشعر به الأحنف العكبري من اختناق وضياع واغتراب بمرارة الانسحاق إذ يقول:(35)
عشْتُ في ذلةٍ وقلةِ مالٍ = واغترابٍ في معشر أنذالِ
ولعل ذروة المعاناة تكمن حين يفقد الإنسان روابط الإخاء والانتماء التي تشده إلى أبناء جنسه ومجتمعه فيشعر أنه منبوذ معزول ووحيد وهذا مصير صعب كان شاعرنا من خلاله يحسد الحشرات والدواب لأنها لم تبلغ ما بلغ من مظاهر الانكسار والإحباط والحرمان حيث يقول:(36)
العنكبوتُ بنت بيتاً على وَهَن = تأوي إليه ومالي مثلَه وطنُ
والخنفساءُ لها من جنسها سكنٌ = وليس لي مثلها إلفٌ ولا سكنُ
والوقع أن أدب الفئات الهامشية يطرح قضايا أخرى كثيرة قد لا نلحظها في الأدب الرسمي وهي على غاية من الأهمية إذ تكشف على نحو مباشر أو غير مباشر علاقة المثقف بالسلطة أو علاقة القاع بالقمة.
فهذا الأدب نقل لنا صورة القاع الاجتماعي للفئات المسحوقة ورسم ملامح الواقع بقتامتها ودون تزويق أو تنميق.
وقد يأخذ البعض على ذلك الأدب مستواه اللغوي أو الفني فينبذه من حظيرة الأدب الراقي وهذا يعني تكريس سلطة فنية مستمدة من مفهوم سلطة النخب المتنفذة فذاك الأدب استمد لغته وشكله ومضمونه من خلال مفردات البيئة التي تكوّن فيها لأنه كان تعبيراً عنها ولم يكن موجهاً إلى تلك النخب ليخاطبها وفق المعايير التي ترغب وترتضي.
وإذا كان كامو يرى أن السريالية (37) "تمرد مطلق وعصيان كامل وتخريب منظم ووضع كل شيء موضع الاتهام" فإن أدب الهامشيين غيرُ بعيد عن ذلك. وإذا كان السورياليون يصفون أنفسهم بأنهم "دعاة الهزيمة في كل مكان"(38) فإنّ أدباء التهميش كانوا دعاة هزيمة كبرى وشهود انكسارات فجائعية عبّر عنها الكتنجي المتحامق بالقول: "نحن في زمان رأى العقلاءُ قلةَ منفعةِ العقل فتركوه ورأى الجهلاءُ كثرةَ منفعة الجهل فلزموه فبَطُلَ هؤلاءُ لما تركوا وهؤلاءُ لما لزموا فلا ندري معَ مَنْ نعيش"(39) ويبقى السؤال الجوهري: هل من الممكن أن تبلغ الأمور إلى هذا الحد الذي عبَّر عنه الكتنجي؟
وهل من المعقول أن تبلغ المأساة ذلك الدرك العميق من التهميش والعدمية والضياع لو كان المجتمع سليماً لا تنخر في كيانه الأمراض والأزمات والهزائم والانهيارات؟
وبمعنى آخر هل كان لتلك الفئات من الأدباء والمؤرخين والفلاسفة والشعراء أن تختار المصير الذي صارت إليه لو كان مجتمعها ينهض على أرضية متينة من العدالة والحرية والمساواة؟
قد تطول التساؤلات وتتباين وجهات النظر وتختلف الآراء ولكنّنا نعتبر أنَّ أدب الهامشيين يحمل إجاباتٍ شافيةً وعميقة اتسمت بقدر كبير من الأهمية في هذا المضمار.




الهوامش
(1) كتاب جدل: العدد 4 سنة 1993 مقال: نحو رؤية جديدةة لدراسة فقراء المدن د. اسماعيل قيرة ص15.
(2) الامتاع والمؤانسة: أبو حيان التوحيدي، تصحيح أحمد أمين، وأحمد الزين نشر مكتبة الحياة بيروت 3/226 ويمكن الرجوع إلى كتاب (الفلاكة والمفلوكون) أحمد بن علي الدلجي، مطبعة الشعب، مصر 1322هـ
(3) أدب الكدية في العصر العباسي: أحمد الحسين، نشر دار الحوار 1986 وفيه دراسة وافية عن انخراط الأدباء في عالم التسول والاستجداء
(4) عالم الفكر الكويتية المجلد 18، العدد الأول: مقال الجنون في الأدب الفرنسي، محمد علي الكردي ص39.
(5) الفهرست: ابن النديم، تحقيق رضا تجدد ص169، وتاريخ بغداد: الخطيب البغدادي طبع مكتبة الخانجي (القاهرة) والمكتبة العربية (بغداد) 5/40.
(6) الفهرست ص169.
(7) طبقات الشعراء: ابن المعتز، تحقيق عبد الستار فراج، دار المعارف، مصر ص342.
(😎 الأغاني: أبو الفرج الأصبهاني، بولاق، نشر صلاح يوسف الخليل، ودار الفكر، بيروت 20/90 وأشعار أولاد الخلفاء: أبو بكر الصولي، نشر دار المسيرة، بيروت ط3 ص343 ومعجم الأدباء: ياقوت الحموي، تحقيق أحمد فريد، مطبعة المأمون 9/123.
(9) الأغاني 20/92، وأشعار أولاد الخلفاء ص320.
(10) عقلاء المجانين: النيسابوري، تحقيق محمد زغلول، نشر دار الكتب العلمية ص35.
(11) طبقات الشعراء ص342.
(12) عقلاء المجانين ص41.
(13) يتيمة الدهر: الثعالبي، طبعة الصاوي 3/105.
(14) عقلاء المجانين ص35.
(15) عالم الفكر الكويتية المجلد 18، العدد الأول مقال: الجنون في الأدب رشا الصباح ص3 وكذلك مقال: العقل واللاعقل أو خطاب الجنون عن ديدرو محمد علي الكردي ص22.
(16) مجلة الكرمل، العدد الثالث عام 1983 مقال (فيلسوف القاعة الثامنة) هاشم صلاح ص26.
(17) عقلاء المجانين: ص53-66.
(18) عقلاء المجانين: ص61.
(19) العقد الفريد: ابن عبد ربه، تحقيق أحمد أمين ورفقاه، القاهرة 1949، 6/150.
(20) معجم الأدباء 4/168.
(21) يتيمة الدهر: الثعالبي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة 3/166.
(22) يتيمة الدهر 3/123.
(23) يتيمة الدهر 3/124.
(24) مجلة الكرمل العدد 3 ص22.
(25) الأغاني 20/92.
(26) جمع الجواهر في الملح والنوادر: القيرواني، تحقيق محمد علي البجاوي. ص82.
(27) طبقات الشعراء ص343.
(28) الأغاني 20/91.
(29) طبقات الشعراء ص242.
(30) جمع الجواهر في الملح والنوادر ص81.
(31) عقلاء المجانين ص36.
(32) عقلاء المجانين ص36.
(33) عقلاء المجانين ص37.
(34) يتيمة الدهر 3/358.
(35) يتيمة الدهر 3/123.
(36) يتيمة الدهر 3/123.
(37) فلسفة السريالية: 67.
(38) فلسفة السريالية: فردينان آلكية، ترجمة وجيه العمر، منشورات وزراة الثقافة ص74.
(39) الفهرست ص170.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى