محمد الأمين جوب - آخرُ نقشٍ في حضارة كوش

سُودانُ واحْتشَدَ الإيقاعُ واندَلَعَا
هَمَسْتُ فِي أُذْنِ ضِيقِ الوقتِ فَاتَّسَعَا
وَمسَّنِي مَا يُسمّى التِّيهُ فِي الدُّولِ
العُظْمَى أُزَمْجِرُ تَيَّاهًا ومُنتَجِعَا
أَشْتَمُّ عِطْرًا إلهيًّا يُحَاصِرُنِي
مُذْ ذَاكَ خَطْوي عَلَى مِنوالِهِ شَرَعَا
وفِي الحَقيبَةِ أَشْوَاقٌ
تُرَدِّدُ لِي
خُذْنِي إلى النّيلِ فيهِ القَلبُ قَدْ وضِعَا
خُذْنِي إلى جِهةِ الخُرطُومِ مُحْتَفلاً
خُذْنِي إلى رَملِهِ فِي الليلِ حَيثُ سعَى
آتِي إلى مُلتقَى النيلَيْنِ
حَيثُ دمِي بَحْرٌ
وفَوقَ فَمِي بَحرٌ
يهيمُ دُعَا
أقُولُ يا ذَاتُ هُزِّي جِذْعَ أُحجِيَةٍ
أُخْرَى فلَن تذهبِي فاغْرَوْرَقَتْ وَجَعَا
وَفِي المَدَى مَوسمُ الحنَّاءِ قلتُ لَهُ
أَمشِي لدَارْ فُورَ حَتَّى فَزَّ مُندفِعَا
كُلُّ المشِيئَاتِ دُولابٌ يُؤَرِّخُهُ
كَمَا يؤَرِّخُ عُودُ النَّايِ مَن صَنَعَا
هُنَا المَعَابِدُ والفخَّارُ بينَهُمَا
عَلاَقَةٌ مَهَّدَتْ للخُلْدِ أَن تَقَعَا
وَاسَّاقَطَتْ حِكْمَةُ الأَفراحِ فَوقَ يَدِي
بِها أُهدْهِدُ نبضي كُلّمَا فزَعَا
أَنسَلُّ من وحْدتِي حَتَّى أَرَى دُولاً
فِي دَاخِلِي لنغُوصَ المُنتهَى شِيَعَا
أمحُو وأَكتبُ والدُّنيا تُذَكِّرُنِي
بِأَنَّ نَاقُوسَ أَرضِ السُّمرِ قَدْ قَرَعَا
وجَاذَبَتْنِي الأساطير القَدِيمةُ إِذْ
أُصغِي لَهَا مثلَ طفلٍ لَم يزلْ جَشِعَا
أخْتَالُ نَادِهَ صَوتٍ مَن يُجَرِّسُنِي
يَا سَيِّدَ العِشْقِ حَظِّي أَن ندُوخَ مَعَا
عَلى يَمينِي شِبْلٌ ظَلَّ يَسْحَرُهُ
بَيْتٌ عَلَى الهَرَمِ المُمْتَدِّ قَدْ هَجَعَا
بَيْتٌ مِن الخَزَفِ الخُلدِيِّ حِكمتُهُ
ورَبُّهُ من خُمُورِ الخُلدِ قَد رُضِعَا
وَاندَاحَ بِي صَوتُ طفلٍ هَزَّ حَنجَرَةً
وَشَدَّنِي لأَقَاصِي الرُّوحِ مُخْتَرِعَا
وَمَدَّ لِي حبْلَهُ فَارتَحتُ ذَاتَ هَوًى
وَطِرْتُ كَالطَّائِرِ الفِينيقِ مُلْتمعَا
أدُورُ أرْفلُ مَفْتُونًا بخَاطِرَةٍ
لَولاَ مَسَتْ زَندَ نَارٍ بَعَدَهَا خضَعَا
وَكَادَ رَعْدُ سُؤالٍ يَسْترِيحُ عَلَى
بَابِ الجَوابِ ويَزْهُو كُلَّمَا ارتفَعَا
وقَدْ تَجَذَّرَ فِي الأَعمَاقِ أَنَّ غَدًا
أَمشِي وَأَلفُ شُمُوعٍ فِي المَدَى سطَعَا
آتِيكَ كالهائمِ الصُّوفِيِّ
مُبتسمًا حَدَّ البُكَاءِ
ويصْحُو يُجدِلُ الوَجَعَا
آتيكَ من عالَمِ الأرْواحِ مُتَّقِدًا
وبِي مِن الشَّغَفِ البِدْعِيِّ مَا نَصَعَا
حَتَّى انسَحَبتُ مِن الرُّؤْيَا تُظَلِّلُنِي
أَغْصَانُ هجْلِيجَ تُذْكِي فِي دَمِي الطَّمَعَا
حَجَتْ قَوَافِلُ أَفكَارِي إليكَ كَمَا
يَحُجُّ شيخٌ ليُهدِي رُوحَهُ قِطَعَا
هُنَاكَ تَهتفُ بِي سُوبَا فَتُمسِكُ بِي
آثارُ دَنقلاَ قَالتْ نِعمَ مَن سَمِعَا
اللهُ والعَينُ تجرِي فِي حضَارِتِهَا
فَكُلُّ شَيءٍ سيَحْكِي حُسنَ من بَدَعَا

محمد الأمين جوب
2020رباط

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى