المقاهي أحمد أبو درويش - المقاهي العربية: ملهمة المبدعين ومنشأ المدارس الأدبية

لعبت المقاهي دورًا كبيرًا في إثراء الحراك الأدبي في الوطن العربي خلال القرن العشرين، فمنها بزغت عشرات الحركات الأدبية، واكتلمت مواهب عدد كبير من الشباب الذي أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات الإبداعية، بل كان المقهى أنيس المبدع وصديقه المقرب، حين يجلس وحده ساهمًا يفكر وهو يمسك بيده «لَيّ الأرجيلة».
نجيب محفوظ يُخلِّد مقاهي القاهرة

المقهى يلعب دورًا كبيرًا في رواياتي، وقبل ذلك في حياتنا كلنا. لم يكن هنا نوادٍ، المقهى محور الصداقة. في البداية اتسع لنا الشارع، حتى تجرأنا على المقهى. عرفتُ المقهى في سن مبكرة، وأشهر مقهى جلسنا فيه «الفيشاوي» ثم «عرابي» ومقهى «زقاق المدق» و«الفردوس» و«ركس»، و«لونا بارك» افتتحناها.

كان فيه شيشة مُعتَبَرة، كنا نشرب الشيشة، ونحتسي بعض كؤوس الويسكي، ونستمع إلى أم كلثوم، آه.. ذكرتني بمقهى «أحمد عبده» الذي ذكرتُه في الثلاثية، وكان «كمال» يلتقي فيه بصديقه «فؤاد الحمزاوي»، هذا المقهى كنت أحبه، الحقيقة أنا سميته قهوة «أحمد عبده»، لا أذكر اسمه الحقيقي.

كان هذا جزءًا من حديث نجيب محفوظ إلى جمال الغيطاني، الذي دوَّنه في كتابه «المجالس المحفوظية».

إذا كنا سنتحدث عن علاقة المقاهي بالمبدعين في المنطقة العربية، فلا بد من ذكر العلاقة الخاصة التي جمعت محفوظ بالمقهى، لا سيما أن بعض رواياته حمل أسماء مقاهٍ تَعَلَّق قلب محفوظ بها، مثل «الكرنك» و«قشتمر» و«زقاق المدق»، وبعضها خلدها في أعماله، بل دارت أحداث كثير من الروايات بين كراسي المقاهي و«كركرة الشيشة».

كان المقهى بالنسبة إلى محفوظ عالمًا كاملًا، فيه الخير والشر والمكيدة والرحمة والبغاء والإحسان والحب والبغض والمنافسة. دنيا كاملة، نابضة بالحياة. ورواية مثل «الكرنك» مَثَّل المقهى نقطة الانبعاث الحقيقية لفكرتها.

يروي الغيطاني أن أحد أهم الروايات التي كتبها نجيب محفوظ، «الكرنك»، واتته فكرتها في المقهى، حين رأى «حمزة البسيوني» (قائد السجن الحربي، قبل أن يعزله جمال عبدالناصر ويحاكمه) يدخل المقهى في خشوع وانكسار دون حرس.

لم يكن محفوظ آخر الأدباء في التأثر بالمقهى، بل تأثر به كثير من «الحرافيش» محبيه، ومن ذلك ما كتبه الشاعر والمسرحي نجيب سرور في ديوانه الذي أسماه «بروتوكولات حكماء ريش»، و«ريش» مقهى كان يرتاده المثقفون والأدباء وأرباب الفنون.

في القصيدة، يوجِّه سرور نقدًا لاذعًا وساخرًا إلى الطبقة المثقفة في مصر، وبعضٍ من مدَّعي الثقافة، وينتقل منهم إلى نقد المجتمع، وكل ذلك من خلال مقهى «ريش»، الذي يتخيَّل أنه أصبح مجتمعًا كاملًا له حكماء وبروتوكولات.

في كتاب «الجلسات المحفوظية»، يكشف نجيب محفوظ سر تعلقه بالمقهى، فيقول إنه «المكان الذي كنت ألتقي فيه بأصدقائي الخصوصيين، وبعد ذلك مكان التقاء المثقفين والأدباء بعد أن اشتغلت بالأدب. وأيضًا المكان الذي قد أجلس فيه لأتأمل من يمرون في الشارع أمامي، وفي بعض الأحيان المكان الذي كنت أدخن فيه الشيشة، التي لا أستطيع تدخينها في المنزل. وقد كان بإمكاني أن أمكث مع الشيشة يومًا بأكمله. ففي الحالة الأولى كان رفيقي في المقهى هم الأصدقاء، وفي الحالة الثانية كان الأدباء، وفي الحالة الثالثة كان المارة في الشارع، وفي الحالة الرابعة كانت الشيشة. وفي بعض الأحيان كانوا يجتمعون في جلسة واحدة».
مقاهي تونس: مولد الحركات الأدبية

مصر لم تكن متفرِّدة بكل هذا الجمال، ففي كتابه «مقاهي الأدباء في الوطن العربي»، يقدم الكاتب التونسي رشيد الزوادي تعريفًا بعدد من المقاهي التي شهدت حركة رواج ثقافي في المنطقة.

«القشاشين» من المقاهي ذائعة الصيت داخل تونس، التي في الحركة الثقافية. يقول الزوادي عنه إنه مثَّل الريادة في هذا الشأن، فارتاده أعلام الأدب والثقافة، ومن بينهم محمد الشاذلي والبشير الفورتي والمختار الوزير وعبد الحميد المنيف ومحمد العروسي المطوي. وكذلك مقهى «العهد الجديد»، الذي كتب الشاعر التونسي محمد العربي الكبادي في أحد أركانه: «في هذا الركن، كان شيخ الأدباء يعقد جلساته الأدبية التي كونت جيًلا من أهل الأدب والفن».

يشير الزوادي إلى أن مقاهي تونس تحولت إلى منتديات ثقافية أثرت بشكل واضح في الحركة الثقافية والأدبية التونسية. فمقهى «تحت الدربوز» شهد عدة شخصيات أدبية، منهم محمد المرزوقي وجلال الدين النقاش ومصطفى خريف والسعيد الخلصي وأحمد خير الدين ومحمود بورقيبة وعبد المجيد بن جدو والطيب بسيس. ويوضح أن أصداء هذا المقهى ونتاجات رواده نجدها في عدد من الدوريات التونسية، وانعزلت عنه «جماعة الدوعاجي»، وعن انعزالها تولدت حركة أدبية في تونس استوعبها مقهى «خالي علي» بداية ثلاثينيات القرن الماضي.

يذكر الزوادي أسماءً عدة لمقاهٍ لها فضل على الوسط الثقافي، منها «الأندلس»، الذي تحول بعد ذلك إلى بنك، فرثاه الروائي والناقد الحاصل على البوكر شكري المبخوت، وكذلك مقاهي «العياري» و«الهناء» و«زمارة» و«المرابط» و«تحت السور» و«المغرب»، وغيرها كثير.

مقاهي الجزائر: نشاط أدبي مقاوم للاستعمار

لعبت مقاهي الجزائر دورًا كبيرًا في تطور الحركة الأدبية والثقافية، ودورًا أكبر في النضال السياسي ضد المحتل الفرنسي.

يوضِّح الزوادي ذلك الدور قائلًا إن «الحياة الأدبية في الجزائر قبل الاستقلال كانت شبه محاصرة من الاستعمار الفرنسي، لأن فرنسا كانت تفسر كل نشاط أدبي أو فكري بأنه نشاط سياسي، ووصل بها الحد إلى مراقبة كل النصوص والمسرحيات، وحتى العروض الموسيقية». وفي ظل هذا، كان المكان الوحيد الذي يمكن أن يلتقي فيه الفنان بزميله الفنان هو مقهى «طانطافيل»، المعروف الآن بمقهى «الجزائر».

من المقاهي التي ذُكِرتَ في الكتاب أيضًا، مقهى «النهاية»، الذي كان مركز اتصال للمقاومة، وفيه اختيرت قصيدة «قسمًا بالنازلات الماحقات» لتكون النشيد الرسمي للبلاد. وهناك أيضًا «المقهى الجديد»، الذي ضم في الخمسينيات جيلًا من الأدباء الذين يكتبون بالفرنسية، منهم مولود معمري.

أما مقهى «الوداد» في وهران، فقد خُصص فيه جناح للسياسيين والمناضلين تحت الأرض، وجناح للمبدعين من الكُتاب والشعراء، وآخر للصحفيين.

مقاهي العراق: موطن الصراعات الثقافية

في كتابه «فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق»، يُفرد شاكر حسن آل سعيد مساحة لهؤلاء الأدباء، ويذكر منهم بلند الحيدري، ونزار سليم، وغيرهما. وصدر لهذه المجموعة عدة أعمال بين دواوين ومجموعات قصصية.

شهد المقهى صراعات ثقافية وهجومًا ضاريًا على أدباء آخرين يجلسون في مقاهٍ أخرى، مثل بدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم ممن اعتادوا ارتياد مقهى «الرشيد»، أي أن المقاهي تحولت إلى تحزبات أدبية ومنصات للصراعات الثقافية في ذلك الوقت.
الأدب الشعبي وأغاني المقاهي

في مصر وسوريا والعراق وغيرها من بلدان العالم العربي انتشر نوع من الأدب الغنائي هو «أدب السِّيَر»، الذي أسهمت المقاهي في انتشاره وبقائه مع مرور السنين.

في مصر تنامت ظاهرة «شاعر الربابة» لعشرات السنين، وهو لقب أُطلِق على المطرب الذي يغني أشعار السير على الربابة، والذي كان كثيرًا ما يضيف إلى تلك السير فصولًا وأبياتًا وربما أحداثًا من تأليفه. يدور الشاعر على المقاهي، حيث يجلس الناس في الليل يتسامرون، ويظلُّ بينهم يغني «سيرة بني هلال» إلى ساعات متأخرة من الليل، وربما كان أداتهم الوحيدة للسَّمَر قبل اختراع الراديو، الذي أحدث ثورة اجتماعية وثقافية كبرى.

في دمشق، يروي رشيد الزوادي في كتابه أن «الحكواتي»، وهو الاسم الذي يُعرف به حكَّاء السِّير في بعض البلدان العربية، كان يجلس في المقهى بين المغرب والعشاء ليحكي للناس ما لذ وطاب من مغامرات السير الشعبية، يتخذ مكانه على أريكة مرتفعة، وحوله الأضواء والألوان والزرابي المزركشة.

كان رواد المقهى يدفعون قرشين، واحدًا للحكواتي والآخر لصاحب المقهى. وللحكواتي زِيٌّ خاص بالعمل، فهو يرتدي «طربوش» أحمر، ويروي سيرة عنترة والظاهر بيبرس. ولا بد من إجادته الإلقاء. وعادةً ما يبدأ حديثه بقول «يا سادة يا كرام، صلوا على النبي خير الأنام».

من أشهر المقاهي الدمشقية التي استقبلت مغامرات الحكواتي، «السروي» و«الشاغور» و«النوفرة».


مقاهي الوطن العربي لم يقتصر دورها على كونها مجرد مكان للترفيه، ليست مجرد كوب من الشاي ونفسَيْ أرجيلة، بل لعبت دورًا في إثراء الحراك الأدبي ونبوغ جماعات أدبية، لدرجة أن تصنيف بعض الأدباء ومدارسهم جاء وفقًا للمقهى الذي يجلسون فيه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى