إلياس فركوح - علاقة الأحزاب بالمثقفين والفنانين

استهلالٌ واستدراك:

ما يتم إيراده بـ"الأحزاب" تالياً، إنما المقصود بها تلك المؤسسة على أيديولوجيات أو ما يجاورها من أفكار، مكتملة أو قيد الاستكمال والمراجعة. وكذلك، تلك التي باتت جزءاً من التاريخ السياسي في الأردن، ضمن المعارضة تأسيساً، وباتجاهاتها المختلفة: قومية، يسارية، إسلامية، إلخ.

* * *

أرى أنه من المناسب، وفقاً لطبيعة تجربة ليست قصيرة نسبياً بالعمل الحزبي وما يقتضيه من تداخلات وعلاقات تتراوح بين السلب بتدرجاته حتّى نقطة المطلق، والإيجاب بتنوعاته حَدّ التواطؤ والخضوع فالموافقة بلا تحفظ.

وكذلك، بناءً على ما أنا منخرطٌ فيه ضمن الأوساط الثقافية منذ ما يزيد عن خمس وثلاثين سنة، كتابةً وأنشطةً متنوعة تبدأ بالأفراد مارّةً بالمجموعات لتصل إلى الهيئات الممثِّلة؛ أقول: وفقاً لكلا البُعدين الآنفين أرى أنّ السؤال الابتدائي المناسب لي، ولهذه الورقة، يتمثّل في الآتي:

* هل اختلفت، من حيث الجوهر، علاقة الأحزاب بالمثقفين والفنانين عن تلك الكائنة بينهم وبين السلطات؟وكما هو واضح، فإنّ سؤالي هذا إنما يتّجه نحو الأحزاب والسلطات في كيفيّة تعاملها مع المثقفين والفنانين أوّلاً، وليس العكس؛ إذ نحن حيال بُنى ومؤسسات قائمة تملك تاريخاً وتقاليد، وإرثاً بالتالي، وتتصف بوجود مراتب وتدرجات بين أعضائها والعاملين الناشطين فيها، ما يقتضي مجموعة ضوابط ينبغى أن تُراعى.

يأتي هذا التكثيف لماهيّة كُلٍّ من الأحزاب والسلطات للتنبيه إلى أننا بصدد معاينة علاقة/ علاقات بُنيت وتُبنى بين هياكل تنظيميّة تعمل بانضباط قوانينها وأنظمتها ولوائحها الداخلية – ما يعني أننا بصدد ما يمكن لي وصفه بـ"بُنيان جَماعيّ تراكمي" قد يكون مرصوصاً وقد لا يكون، غير أنّ أهميّة المسألة والفارق الأساسي فيها يتجلّى بـ"اللانِديّـة الثابتة" الواسمة لطبيعة تلك العلاقة. فما دامت الأحزاب، مثلها مثل السلطات، تملك بناها المتماهية بالضرورة مع مفهوم "المؤسسة"؛ فكيف لنا تخيُّل مكانة المثقف والفنان، بوصفهما "فَرْديَن"يتحليان بتاريخين شخصيين، في العلاقة التي تُنْسَج بينهما وتلك المؤسسات؟

ولكي لا يُساء الظَّن في سؤالي أو المغالطة في فهمه؛ أستدركُ موضحاً أنّ "اللانِديَّة الثابتة" المقصودة هنا لا تُعنى بالعَدَد، أو الكَمّ، أو الاتجاه الفكري الخاصّ بهذا المثقف أو ذاك الفنان، بقدر ما تُعنى، في الصُّلْب من المسألة، بالتنافر البنيوي الطبيعي بين مؤسسات خاضعة لشروط تأسيسها، ولزومات تاريخها وإرثها، وسِمات قياداتها، ومجموعة ضوابطها المكَرَّسة– تلك المُلْزِمَة لأعضائها من جهة، وأفرادٍ يتحلون بمواصفات شخصيّة خاصّة ويملكون، حتماً، أحلاماً وتصورات وطموحات لاجتراح مشاريع ذات بُعد فرديّ خالص لن تخضع لأيّ ضبط، أو توجيه، مهما كان.

إذَن؛ نحن حيال جهتين، أو قُلْ بنيتين لا تمتثلان غالباً (إنْ لم يكن دائماً) أو تستجيبانللمؤثرالواحد على نحوٍ واحد، إنْ كان هذا المؤثر يتمثّل في وقائع سياسية هنا، أو حَدَث ثقافي وفنيّ هناك.

وهكذا تراني أعاينُ حالةَ الـ هُنا والـ هُناك.

هُنـاتنتصب المؤسسة/ الحزب، وهناك يقف الفرد/ المثقف والفنان.

حين التدقيق في الجوهر الممثِّل لكلا الطرفين سنجدُ، وبلا عَناءٍ كبير، تناقضاً محتوماً بالمنطق، يؤدي عند نقطةٍ ما، في وقتها المناسب أو متأخرة، إلى افتراق وشَرْخ في العلاقة بينهما. فطبيعة المثقف والفنان الأصيلين (بوصفهما فردين خالصين) تأبى الخضوع لِمْا يمكن الإشارة إليه بـ"الوجوبات والمقتضيات"، بحسب المفاهيم التي كرّستها الأحزاب بين أعضائها، والتي تتجلّى بأعراف "عدم الخروج على خطّ الحزب ومبادئه." وهذه الأعراف عامة، وتكاد تترسخ كظاهرة محسومة لا تقتصر على حزبٍ دون غيره. وإذا ما استعدنا أدبيات جميع الأحزاب ومحطّات التحوّل التي مرّت بها، في الأردن والوطن العربي والعالم، فلسوف نقع على حالة واحدة بوجوه متعددة تعدد المجتمعات التي تتحرك فيها، غير أنها تنحصر في وقائع الانشقاقات والانشطارات الضاربة للحزب الواحد – وجميعها بلا استثناء ما كانت إلّا تحت ذريعة "التصويب" بالمقابل من حُجّة "التحريف"! أما سؤال: تصويب أو تحريف ماذا؟ فإنّ إجابته تبدأ وتنتهي بـ"خطّ الحزب ومبادئه."

وهكذا نكون، وفي جميع الحالات، حيال خطٍّ أساس يكاد يتصف بتابو القداسة، بحيث يُنظر إلى مَن يُسائله أو يقوم بفحصه ومراجعته نظرة المؤمنين الواثقين لمهرطقٍ مدسوس يجوز رجمه بأقرب التُهَم وأسهلها..ألْا وهي: التآمر!

ليس بمقدور المتمعِّن الهادئ والمحايد لظاهرة الانشقاقات داخل الحزب الواحد، بصرف النظر عن المواقف المعلنة لأطراف الظاهرة ومبرراتها التنظيريّة، إنْ كانت صحيحة أم لا، سوى الوقوف عند سؤال الديمقراطية: ديمقراطية فحص الأفكار ومراجعتها، والتحاور المفتوح بين الأعضاء، دون اللجوء إلى تلك الضوابط، واللوائح الداخلية، والتراتبية الراسخة التي غالباً ما يُستعان بها في منع "المضي بعيداً" بالاجتهاد! فهذا المضي بعيداً، مثلما هو مألوف في جميع الأحزاب، لا يعني عند قياداتها "التاريخيّة" إلّا الابتعاد عن الخطّ الأساس. عن "الثوابت" والانحراف بها. والثوابت، كما خبرها كثيرون، تعني رسوخ تفسير أو اجتهاد أوّل ووحيد غير قابل للمراجعة – فكراً أو/ ومسلكاً أو/ وموقفاً. وما هو بمنجى من المراجعة وإعادة النظر يعني أنه يتحلّى بالعِصمة. والمعصوم غير خَطَّاء بالضرورة ومقدَّس بحكم التراكم. وكلّ مَن يُسائل المعصوم البالغ حدّ القداسة إنما يُجْمَع في زمرة مُحدثي الشِّقاقوالفِتنة.

إذَن، وعبر هذه المتوالية المتوالدة من ذاتها ومن تلقائها – كأنها كينونة مزدوجة الجنس -، نكون نعاينُ أزمةً بالغة العمق. أزمةً ناتجةً عن فشل الأحزاب في تحمُّل مسؤولية وثمن أبسط شِعاراتها الداعية للحرية ابتداءً. أزمةً تنتهك مصداقية الأحزاب في مبادئها المرفوعة كأهداف، فتعمل على تآكلها، كمؤسسات، لتنتهي بها مستحيلةًإما إلى هياكل متكلَّسة جامدة تجافي الحِراك الداخلي وحيوية التفاعل. عندها، تشرع بالخطو صوب الموت، ولا يتبقى منها سوى أصنام "القيادات التاريخية"(*)،واسمها الملوّن المطبوع في نشرة (سِريَّة أو عَلَنيّة) لا يقرأها حتّى بقايا الأعضاء، ويافطة معلّقة على شرفة بناية. أو تنفجر من داخلها وتتشظّى في صورة انشقاقات، بسببٍ من التخندق بين اجتهاد قديم راسخ لـ(الخطّ الأساس)، وآخر يبتغي طرح إجابات جديدة مغايرة. وهذه حالةٌ مُرتجاة مأمولة نادراً ما عِشناها (أعني الاجتهاد المغاير الفكري الخالص)؛ إذ غالباً ما تتشح الانشقاقات بإعادة التمركز حول "قيادة تاريخية" جديدة يمثّلها شخص أو مجموعة أشخاص، سرعان ما تثبت فشلها في الخروج من "الهيكل الجامع"، أو تتحلل إلى زمرةٍ هنا وأخرى هناك!

* * *

أين هو المثقف والفنان داخل هذه البنى المؤسساتية؟

كيف ومَن هو في نَظَر هذه البنى المؤسساتية، وماذا يُنتظَر منه؟

سؤالان أحاول اجتراحَ إجابةٍ عنهما، ولعلّي أكتفي بها بوصفها مجرد اقتراح إجابة يتطلب الحوار.

إذا ما "مضينا بعيداً" في الحفر داخل ما سبق؛ فلسوف نَلقى حالةً في غاية الخطورة، كما أعتقد. حالةً مُستَلَّة من مفهوم "الثوابت" – فكراً وموقفاً ومسلكاً. فمدلول الثبات يشير إلى نفي الحِراك، وغياب المراجعة، والخوف من إعادة النظر،وتحريم التغيُّر عن كل ما هو ثابت، أو وجوب تجنّبه. بل يصل، في كثير من الحالات، إلى تأنيب مَن يحاول القيام به، وتخطئته بقسوة، وتأثيمه، ومطالبته بالاعتذار وإبداء أفعال الندامة. ولا يحدث هذا كلّه، في غير واقعة، إلّا بعد حملة تشهير وتخوين ونَبْذ تبلغ درجة اغتيال للشخصيّة! وإنها لظاهرةٌ متفشّية تستوجب التأمل فعلاً. فثمّة تداخل يبلغ درجة التماهي بين ثوابت الأحزاب من جهة، ويقينيات الأديان من جهة أخرى، بما يضعهما معاً على مستوى المقدَّس وما يتعالى على البَشَريّ، ذاتاً وموضوعاً.

فإذا كان هذا دقيقاً كواقعٍ نسبيّ أزعمُ بتوفره، موارباً متوارياً مخاتلاً أو مباشراً صريحاً واضحاً؛ فإنَّ جوهر المثقف أو الفنان سيكون في حالة تناقض فصدام حتميّ معه. هذا الجوهر المتمثِّل فيديمومة طرح الأسئلة، وعدم التسليم بالإجابات المعطاة. وللتركيز على هذه النقطة تحديداً، أستطرد في حفري لأقول: إنَّ أسئلة المثقف أو الفنان، عادةً، لا تنتظر إجابات حاسمة، قاطعة مانعة، تهبط عليه من حزبٍ أو مؤسسة أو حتّى من "حكيمٍ موثوق"؛ بل يعمل هو على استجلاء ملامحها عبر فعله الثقافي والفني، وبأدوات بحثه هو المتعلقة بمجال تخصصه، ومن خلال تأمله ليومياته الواقعية المعيشة. قد يشكِّلُ الحزب، في لحظةٍ ما، مرجعاً يعود إليه هذا المثقف أو ذاك الفنان لمعرفة "وجهة نظر وموقف" أو الاستئناس بهما– وهذا في أجمل الوجوه. غير أنّ مسألة الالتزام بوجهة النظر والموقف، بوصفهما منارةً وبوصلةً ومرشداً، تحتاج منه المراجعةَ والتمحيص لا التسليم المجرد، وإلّا سيكون قد دخل دائرة المُريدين "الباصمين" في أسوأ الأحوال. أو المتواطئين الساكتين على خِلافٍ كامن مطمور في أفضلها، متذرعاًباتقاء أفعال التشهير المشار إليها سالفاً، أو حرصاً على مكتسبات صغيرة هنا أو هناك. وبذلك؛ يصير لنا وصفه بالمرتدّ على ذاته وجوهره كمثقف تخلّى عن رؤيته الخاصّة،وفَرَّطَ بحرية اجتهاده المفارِق.

وهنا، ضمن هذا السياق، تحضرني حالتان شخصيتان علّهما تشرحان المسألة على نحوٍ محسوس.

الأولى: عام 1979. عندما آلت جميع مواقع العراق السيادية والحزبية في قبضة صدام حسين، ثارت زوبعة عصفت بحزب البعثسُميت حينها بـ"المؤامرة"، حيث اتهم عدد كبير من كوادر الحزب بالتآمر لصالح النظام السوري وحافظ الأسد، وتمت محاكمتهم وإعدامهم على نحوٍ متعجِّل غامض. وكان الدكتور منيف الرزاز، الأمين العام المساعد لحزب البعث حينذاك، ضمن "المتهمين" بالتآمر – أو التواطؤ بالسكوت عن الأمر؛ فأُودع بيته في إقامةٍ جبريّة حتّى وفاته عام 1986. حينها كنت ما أزال عضواً في الحزب. من جهتي، شككتُ بالواقعة إذ وجدتها غير مقنعة ولا تستقيم مع تاريخ معظم الرفاق المعدومين ونضالهم، إضافةً إلى ما رأيتُ في طريقة الاستجواب والإعدام "مَسْرَحَةً مُرْتَجَلَة" لم أطقها. غير أنّ القشّة التي "قصمت ظهر" بعيري تمثَّلَت باتهام الدكتور منيف بالتآمر أو السكوت عن المؤامرة والمتآمرين، إذ شكَّلَ لي مِثالاً وقدوةً في الصدق، والصمود على الموقف، والنُبل في التعامل حتّى مع الخصوم السياسيين،والمناقبية الأخلاقية، والعمق المعرفي الثقافي! ولذلك، لم يعد لديّ أدنى شك بوجود ما يُريب، فصارحتُ مسؤولي الحزبي بذلك دون أن ألقى منه إجابات تُقنعني، فواجهته برغبة الاستقالة. أذكر أنه انتفضَ معلّقاً: "الحزب ليس شركة تستقيل منها، يا رفيق!"

هذا صحيح. ولكون الحزب ليس شركة، فإنه، والحالة هذه، "مؤسسة ذات بنيان جَماعيّ تراكمي" لا ينبغيللفرد هُنـاالاعتراض على سياساتها وخطواتها المفاجئة، أو التساؤل عمّا يحدث هنـاك لدى القيادات العُليا،التي اختُزِلَت هذه المرّة في شخصٍ واحد صاحب سطوة بلغَت بمن تبقّى من أصحاب المراتب العليا(بسببٍ من الانبهار والرهبة واجتناب الشُبهة) حدّ أن يعتبروه من صِنف القادة "التاريخيين"! وبالتالي الرضوخ للتفسير الواحد الوحيد، وتصديق الرواية كما نزلت من "الفوق" للأعضاء في "التَحْت"!

وهكذا كان أن خرجتُ بهدوء، محتفظاً بتوازني وانسجامي مع نفسي بما تملك من قناعات.

أما الحالة الثانية، فهي التالي: أواخر عام 1989، وافقتُ على ترجمة قصة قديمة لي لتُنشر في كتاب باللغة الإنكليزية يتضمن عشر قصص لعشرة كتّاب في سياق مشروع دار نشر بريطانية خاصّ بالمدن. موضوع الكتاب قصص عن مدن في الشرق الأوسط بأقلام كتّابها المنتمين إليها. ثمانية منهم من العرب، والتاسع تركي (نديم غورسيل)، أما العاشر فكان "الإسرائيلي" إسحق ياؤور الذي وردَ ذكره في اللحظات الأخيرة قبل الطباعة، وقد نَوّه الناشر إلى كونه صاحب موقف معاد للصهيونية والاستيطان، ويمكن العودة لكتاباته المنشورة باللغة الإنكليزية في أكثر من موقع للتأكد. وهذا ما كان. قرأت، ووثقت، فوافقت.

نُشر الكتاب، غير أنّ المسألة لم تمرّ بـ"سلام"؛ إذ هوجم في غير جريدة عربية، واتُهِمَ الكتّاب العرب بـ"التطبيع" كون عاشرهم "إسرائيلي". سنتها، شُنَّت حملةٌ شرسة عليَّ من قِبَل أعضاء في رابطة الكتّاب الأردنيين(ينتمي بعضهم لأحزاب وتنظيمات،وآخرون كانوا كذلك)،يتهمونني خلالها بالتطبيع، أو تخفيفاً بـ"شُبهة التطبيع" لدى البعض. ثم طالبتني الهيئة الإدارية بالاعتذار، دون المبادرة بإجراء حوارٍ معي أو حتّى الاستيضاح الأوّلي! لم أعتذر بالطبع، مبدياً أسبابي (كتابةً)واجتهادي في كيفية رؤيتي للتطبيع الذي أرفضه من حيث المبدأ والأساس، داعياً في الوقت نفسه لورشةٍ تناقش التطبيع كـ"مفهوم" قابل للتأويل وتعدد القراءات بناءً على الحالات نفسها، وليس سيراً في ظلال الشعار. غير أنّ التشهير زاد واتسعت الدائرة، فشُكِّلَت لجنةٌ أسموها "لجنة الحكماء" لتنظر في المسألة و"تحكم"! وبعد عدة اجتماعات "أصدرت حكمها" بـ"براءتي"؛ فخرجتُ على إثرها مستقيلاً من الرابطة.. وبهدوء، هذه المرّة أيضاً.

ما أريد الوصول إليه، بإيرادي الحالة الأولى، هو أنّ مبدأ "الثبات" الذي تتسم به الأحزاب/ المؤسسات يتطلّب، في سياقها التعاقدي البدهي، قبولاً من أعضائها لِمْا يأتيها من الأعلى ضمن مبدأ التراتبية. قبولاً يتحوّل، مع الوقت، إلى رضوخ وشبكة تبريرات. وما يأتي من الأعلى لا يُتَرْجَم، في جوهره الحقيقي، إلّابوصفه إملاءً ينتظر الامتثال! ولنا أن نتخيَّل كيف ستتحوّل آلية هذه التراتبية عندما ينتقل الحزب من المعارضة للسلطة. ففي موقع المعارضة يُواجَه الاجتهاد الفردي المفارِق بمنطق أنّ الاختلاف تَرَفٌ وضعضعةٌ للصفّ حيال السلطة الغاشمة! وفي موقع السلطة تُصادر الآراء المخالفة بحجّة تَرَبص الدول العدوة بالتجربة ابتغاء تدميرها!

كما يمكن الاستنتاج، وفقاً للحالة الثانية، أنّ الحزبَ يتعدّى المؤسسةَ كمفاهيم مغلقة الأُطر حادة الحواف، ليصبحَ ضرباً من التفكير يطبع الشخصيّة بطابعه، حتّى وإنْ لم تنتمِ هذه الشخصية لأيّ حزب. ناهيك عن كمون طبيعة استجابات التفكير الحزبي وتقييماته داخل الأطر التنظيميّة غير الحزبية، النقابية والهيئات التمثيلية المتنوعة، وثقله البالغ عند استنفاره وتهييجه، حتّى في الأوساط الثقافية الداعية للحوار سبيلاً وغايةً، ومراجعة الأفكار والمواقف عنواناً للمعرفة.

فرابطة الكتّاب، وربما بسببٍ من ظرف تأسيسها إبّان الأحكام العُرفية عام 1974، سادَتْها الأحزابُ بممثليها،وصراعاتها، وتناقضاتها، وتفكيرها المشتمل منطق "التنافس النقابي والاستحواذ"، كل ذلك بحجّة الحيلولة دون هيمنة السلطة عليها و"تحصينها"بـ"الملتزمين التقدميين والوطنيين"؛ فكان أن حُشِدَت بأفواجٍ من الأعضاء الرفاق والأصدقاء الذين أجيز لنفسي أنأطلق عليهم صفة "كُتّاب بالشُبهة والتشبُّه". ثم باتَ الأمر عادياً بمرور السنوات ليتحوّل، في نهاية المطاف، إلى تقليد اتبعته جميع الأحزاب لإدخال ما يمكن إدخاله عضواً هو رصيدٌ محسوبٌ، بالصوت، ليوم الانتخابات الحاسم! وبهذا المسلك الضمني، بات العدد الغالب داخل الهيئة العامة لرابطة الكتّاب يتشكّل من أعضاء ليسوا بكُتّاب. أما حين تقدمتُ بمسودة إعادة النظر بالعضوية على أساسالكتابة مبدأً وأصلاً متواصلاً وعُرض على اجتماع الهيئة العامة الاستثنائي (بصفتي عضو الهيئة الإدارية المنتخبة عام 1990، إثر إبطال إغلاقها عام1987 بأمر من الحاكم العسكري)؛ كان أن قوبل بالرفض من قبل غالبية مَن حضرَ من أعضاء "هذه الهيئة العامة"! ولِعَمْري؛ إنه ناتجٌ حتميّ. وهكذا تشوَّه جوهرها القائم على أنّ الثقافة جُهْدٌ فرديّ واجتراحٌ شخصيّ يتمثّل في سِجالات وحوارات لا تمتثل لقراءة واحدة.

باختصار وتكثيف: إنّ علاقة المثقف أوالفنان بالحزب (إنْ هو عضوٌ ينتسبُ إليه ويتحرك في إطاره، أو متعاطف يلتف حول إطاره، أو فرد يتعامل معه بحكم السياق الثقافي/ الاجتماعي) إنما هي علاقة دائمة التوتر والصدام فوق أرضٍ مهتزَّة، لأنها، ببساطة الأشياء، تقوم على قاعدة أنّ الحزب/ المؤسسة هو مصدر الرؤية ومرجعية الموقف ليس لأعضائه فقط؛ بل للمجتمع وصالحه أيضاً،أي أنه منتج الإجابات الصحيحةوصاحبها.بينما المثقف أو الفنان (أعود للتأكيد على شرط الأصالة فيهما) لا يستريح مطمئناً إلى أيّ إجابة لم يجترحها بنفسه، وبأدواته التحليلية هو، بعيداً عن ثوابت/ يقينيات الحزب(أي حزب) في زمنٍ باتَ التغيُّر علامتَهُ الأولى، والتساؤل رمزَ حيرة إنسانه المطحون بمُطلَقاتٍ تستمد شرعيتها من سماءٍ مدّعاة تارةً، ومُستَخرجاتٍ مستلّة من مجلدات أغلقت دائرة الاجتهاد واحتمال النسبية، تارةً أخرى.

إجابتي عن سؤالي الأوّل الخاصّ بمكان المثقف أو الفنان داخل الحزب/ المؤسسة:

* تائهٌ يفقد كينونته المستقلة كلّما تأصَّلَ فيه ليذوبَ، في نهاية مطافه، عضواً مسطحاً متعصباً للحزبَ متخلياً عن حلمه الخاصّ. أو متمردٌ حريصٌ على جوهره الحُرّ، يُنبذ بالتدريج ويُطرد بشكلٍ أو بآخر. وهذا إنْ أفضى إلى أمر؛ فإنه يفضي للسؤال عن "مكانة" المثقف أو الفنان أوّلاً لنتعرّف، بالتالي، على مكانه.

وإجابتي عن سؤالي الثاني المتعلّق بكيف يُنظر إليه داخل الحزب، وما المطلوب منه:

* عُضوٌ له امتياز الثقافة كحيازةٍ ينبغي أن تُوَظَّف لصالح الحزب وتبرير رؤيته ومواقفه من ثَمَّ، أو التنظير للدفاع عن ديمومة "القيادات التاريخية" فيه! وبتشبيهٍ يبدو ساخراً: وردةٌ يُزيِّنُ بها الحزبُ ياقته كلّما احتاج إليها.



27/1/2014



(*) حدث ذات حزبٍ يساريٍّ عتيد، وفي زمن المعارضة السريّة، أن جرت انتخابات في صفوفه لم يفز بها أحد ركائزه من "القيادات التاريخية"؛ فما كان من اللجنة المركزية إلّا أن فرضت إعادة العملية ليفوز عندها، بوحيٍ وتدبير، ذاك الشخص/ الركيزة!



قُدِمت هذه الورقة في "المركز الوطني لحقوق الإنسان"، عمّان، في 28/1/2014

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى