هشام ناجح - الأشجار الخمس تأبى أن تسكت

"حالما اكتشف الإنسان النار،
أعلنها القانون الزجري الذي يحيق بأولئك الذين يخالفونه،
سواء على الأرض أو في السماء".
(هـ. ن)


لا أحد سيصدق في البداية الخبر الطارئ عن الباحة الخلفية لكنيسة "انتقال السيدة العذراء" ببلدة زوكاراموردي؛ حيث ثمة خمس أشجار مختلفة الفواكه تصدر أنينا، حين تتثاقل أغصانها قبيل موسم القطاف. بل يتضاعف الأنين الموجع متسربا كنصال حادة تشرخ أفئدة الكل، وذلك في أتون الليل الحالك. وسيتكرر الأنين كل عام في موسم القطوف الدانية، لما تميد الأغصان من فرط الثقل. ويرسم الهلع المبين أشكاله الذهنية في العقول المتوجسة آنفا من لعنات العقاب، خاصة لما يتعطل القمر عن وازع البزوغ.
يمسح الأب دييغو دموعه، بعد أن تتداخل الكلمات في حلقه، مفرزا بعينيه الضيقتين كل كلمة صامدة على الورق البالي المحفوظ زهاء ثلاثة قرون في أرشيف الكنيسة، بنية تقويمه من عوائد ترميمات المواد الأولية التي تمكن من حفظه إلى حد ما، متقدما بطلبه المؤثر إلى عمدة لوغرونيو: "لا يمكن للنساء الخمس المتهمات بالسحر أن يحرقن في سالف العهد من حياتهن، ونمدد اللهيب في ذكراهن المكتوبة أيضا. عجلوا، بحق المسيح، بإعادة ترميم خراب روح التاريخ أيها العمدة! فليسعد الرب بحسن صنيعكم".
ولا يكاد منتصف شهر أكتوبر، من كل عام، يمر دون أن يفتح الأب دييغو الكتاب الحافظ الذكرى، والمعنون حسب المشيئة المرسومة سلفا بــ"الأشجار الخمس تأبى أن تسكت"، كما لو أنه يحرص على بعث دواعي الكتاب بإعادة قراءة بعض فقراته، التي تضمن الاستجابات الخفية بالتواصل مع أرواح النسوة الخمس، اللواتي تحولن إلى شجرات يدارين براءتهن ولو بعد أمد بعيد. يجمع أنفاسه ويدمدم بصوت فيه خنة من جراء التأثر، بعد أن يرفع الكتاب قبالة الجمع: "ثمة من يزعزع يقين الكنيسة الداخلي أحيانا ويكتب في الخفاء، راكنا المقيد إلى حيز المصادفات التي ترنو بعين اللطف إلى التبيين المؤجل؛ إنها المجازفة البحت، أو لنقل إنه النقص الذي يعتري الكمال، ويبعث بالنقيض الذي يندلع من الحروق نفسها، فيطفق بردا وسلاما على وجه التاريخ".
ويحمحم مصفيا حلقه نافلة ليعلن عن التلاوة أمام الزوكارامورديين بنوع من الحماس المبجل، منسجما مع الفقرات الذاعنة لحدوسه بأن تلقي بالمستمع إلى جلال الذكرى وفق ما يسمى بالتصعيد المروحن: "طالما تردد اسم السيد كازيكا، على كل ألسنة بلدة زوكاراموردي، بأنه الوحيد المنذور، بوصية من الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا ونافارا، مفوضا من الرب في الكشف عن الساحرات، اللواتي تسئن طريق الرب من فرط أعمالهن الشنعاء، حيث تجلبن الأوبئة الحائقة بالناس والحيوانات معا، وتنشدن بطلان سبل الخصب. إن الشيطان يقطن بينهن، ويرشدهن إلى إقامة طقوس "أكيلاري" في كهف الماعز على رأس الجبل.
قد يشعر بالرعب كل من أوكلت له هذه الوظيفة، لكن ما دامت أنها تمثل حظوة السماء، وحظوة الرب بالتفويض، فإنني سأكون يد الرب التي يبطش بها بكل ساحرة سليلة الشيطان، بكل ساحرة أخرت مواعيد الرب عن إبانها".
هكذا يدلي السيد كازيكا، متطلعا إلى الرؤوس المجتمعة قبالة الكنيسة، حتى يبرهن على أداء هذه الوظيفة بإقدام لا يقبل التخاذل، أو إنه يرغب عن سبق إصرار في اقتسام الشعور مع الآخرين، فيحرك الجميع رؤوسهم استحسانا ووجلا في الآن نفسه. ثم يشير بإيماءة من رأسه إلى أوير، أن أدل بشهادات تؤكد العزم المرغوب فيه. فيتراجع أوير خطوتين حائما ببصره على الجمع مداريا عنصر المباغتة، حيث يدرج على وجه السرعة واقعة إريبار الذي كانت الخنانيص تأكل أذنه وهو لا يدري، أو حالما تحول إيفان إلى حمار ينهق ساعات القيلولة ويطلب من زوجته غوركا أن تمتطيه وتشحطه في سادية مقرفة، حتى يرتد نهيقه من قمة الجبل.
وتلطف أوير بعد أن حك جبهته في أن يحكي عن زوجته أويانا هي الأخرى، حين حاق بها المس فيؤول وضعها في الليل إلى بقرة، حيث تلتهم ما يعادل عربة من الكلأ. لكنه يعدل عن ذلك حفظا ماءَ الوجه أمام الجمع، الذي سيلوك الحادثة ويكني أويانا بــ"البقرة الجائعة"؛ فمن السهل أن تلتصق بك كنية أو لقب في هذه البلدة، التي تلتقط على وجه السرعة مخلفات الحوادث.
كما لو أن أوير سيفوق المبتغى بعد أن رفع عينيه صوب كازيكا بألا يعلن عن الحماس الفياض، وأن يحرك رأسه في حسرة مستحضرا البلدة لما ظلت سنين طويلة تنعم في الخير المشترك. فصفق بيديه ملتفتا من مخبوء الحدس الذي يستدعي أن يصمت قليلا؛ ذلك الصمت الممعن في المحاسبة والخوف معا. لكن، سرعان ما اعتمر قلنسوته عن قصد محسوب حين صاح رافعا صليبه في الهواء: "حق الرب عاجله. لا بد أن الرب والروح والابن يتطلعون إلى استرداد حقهم. ماذا ننتظر إذن؟ إن الخلاص يستلزم أن نعاين الحالات المشكوك فيها حتى لا نبخس الرب حقه. ويتعين على الممارية في أمرها أن نلقيها في نهر "أولابيديا"، فإنه كفيل بأن يبين المراد. حتى إذا نجت لم تكتب من الساحرات المغضوب عليهن، وإن غرقت فذلك ما نبغي إثر أفعالها التي أخرت رضوان الرب على البلدة. وحينها سيئيض النهر إلى جحيم الرب المعلن".
من الطبيعي أن تغرق كل النساء المتهمات، بحكم قوة المجرى ومن فرط الارتطام غير الرحيم، الذي يسوق الأبقار والدواب في انجراف كاسح.
ومن أجل أن يتملص كازيكا ويحافظ على هيبته فقد أرجأ المحاكمات الأولى ببعثها إلى لوغرونيو، وهو يعلم مصيرها الذاعن للعبرة ولو عن طريق الخطأ؛ إنه يلم بالدفوعات الأولية التي لا تأتي على كثرة الرد، وثمة يكمن المراد الذي سينسخ كل المقترحات الممعنة في النتيجة الواحدة، التي تتحصن في فكرة العقاب المندلق من كل صوب بشأن وجود الرب.
وتقبل كازيكا كل المقترحات بنوع من الحماس الناقص، فقد ظلت روحه ظامئة للنيران، كما لو أن الإنسان مقدود من اللهيب الزاهر في روحه حتى يضرم هذه اللفحات، محدثا قيامته من جراء الطقطقة التي يمددها عنفوان السعير. وانتظر اليوم السابع ليعلن عن أن هؤلاء النسوة الخمس، المربوطات من أيديهن وأرجلهن، الساحرات: الشريرة إنارا والوضيعة أمونة والسافلة إيرانتسو والخسيسة ميليا والدنيئة هيرون.
ثم تقوت الكلمات الزاعقة في الحلوق بدافع من أوير، حتى تحدث المحاكمات بقرب الكنسية ما دامت هي الراعي الموكل بالنيابة عن الرب. فيرفع كازيكا بصره إلى العذراء من أجل الدعم المرغوب فيه، ويقول في خشوع: "إنها تبدو غير راضية عما آل إليه الوضع. ماذا يمكننا أن نفعل حتى نرضيها يا جماعة الرب؟"
وقرص أوير بعينه محمسا كازيكا، الذي بدا متأثرا بحق الرب المعلن والخفي. ونظر إلى النسوة الخمس بعين التشفي، وأكد: "إن الرب نادم على الشر أبدا، وباسمه يستدرج العقوبات التي هي من جنس العمل. واقتضى حكمه أن يلزمنا بحرقكن أيتها السافلات، حتى تحرق شياطينكن التي تقد من ثوب الرذيلة كسواتكن النتنة".
وانتفضت إنارا ووجهها عرضة للشمس، حيث سال العرق على جبهتها اللامعة بنوع من الصلابة المعهودة فيها، وهي تعلم سلفا أن كازيكا لن يغفر لها حبه إياها أيام التصريحات الخجولة، حيث فضلت عليه أدور الراعي القوي. وسيتدبر مكيدة قتله خفية، فازداد حنقها على كازيكا نافلة، ولم تفضل سوى تلك العظمة المنهزمة مداراة للخوف والتشفي.
ومن العادي أن تعبر كل دواعي الانتقام، بسبب أو بآخر، ذهن باقي النسوة الأربع. صاحت إنارا: "إن الخوف هو العدو الحقيقي أمام الأوغاد. لكن، لنا رجاء واحد: أن تأخذوا ما تبقى من أرمدتنا وتدفنوه بشكل متفرق وراء باحة الكنيسة. هذا ما تبقى لنا من حلم، ولا عزاء للشامتين".
أقفل الأب دييغو كتاب "الأشجار الخمس تأبى أن تسكت"، ماسحا دموعه ومتطلعا إلى أشجار التفاح والرمان والإجاص والتين والبرتقال، في النصف الثاني من أكتوبر الذي بدا مذنبا على الدوام. بينما كان الرب نادما على الشر الذي لحقه من طرف سفرائه إلى بلدة زوكاراموردي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى