أحمد بنميمون - من نكسات موفور السعد.. (سرد)

حكى الراوي ذات ليلة شتاء، وقد آذن صبر الأهالي على الانتهاء، من أيام جوعٍ وظمإٍ ، جعلت الأمعاء تفرغ، والنفوس تمتليء اعتزازأ وإباءً، فاضطربتْ الأحوال ولم تهدأ ، كما شهد بذلك ماضي السنين والقرون، قال:
كان أنِ انسحب موفور السعد بعد أمدٍ غير يسير من حضوره، متأكداً من انقطاع ما بينه وبين كل من يدِبَّ أو يطير، بينما ظل صاحبه في إثْره ، لاهثاً بيِّنَ الزحير، وهو في حال تكاد تُشرف به على الاختناق بين شهيق وزفير، فلا هو استطاع استرداد هدوء جأشه العادي، ولا هو انتهى إلى إصلاح حال ما بينه وبين قومهِ من نفور ، فقد ظل تابعُ موفور السعد ، هذا الذي اعتاد أن يجأر بالشكوى ، بأكثر من لسان طليق وعير قليل من الحيل المرئية، فقلِق له جميع من كانوا يلقونه ممن سبق لهم أن عرفوه أوعرفهم هو، أو ممن كانوا يرونه ويراهم على طريق لا تحمله وإياهم إلى نفس الغاية ، وجوهاً من وراء أسوار حسرات، أو قضبان عقوبات، مرعوبة في الحالتين، لكنه كان يراها مصلوبة على كل الجدران، في أي اتجاهٍ سار، وكأن صمت الناس هو ذلك السكوت الذي يسبق العاصفة بالذات، فمتى تراها ستعصف ؟ وبمنَ؟ إن ما يخشاه مثل أي بريء من الناس، أن تأتي نيرانها كعادة النار في جميع الحالات، إذا هي هبّت، على الأخضر واليابس، وعلى كل من يراهم مشدودين إلى الحضيض، حتى ليكاد يضيق بأكثرهم، وخاصة من كان منهم لا يحاول أن يحث الخطى لِلٍّحاق بشيءٍ، ظلاً كان أم لمعة ضوء، إذ يظل يشهق ويتأوه وهو يستعطف ، دون أن يُسرعَ محاولاً العَـدْوَ ما استطاع ، بل يكاد يخلد إلى الأرض، وتتهدد أشلاؤه بالتمزُّق إرهاقاً، قبل أن يصله منهم فحيحُ نداءٍ في ما يشبه الحشرجة :
ـ "نحن مِتنا، منذ وقت لسنا ندري أنهاراً كان أم كنَّا في ليْلٍ بَعيد".
ولا يكاد يهدأ هذا الصراخ ، حتى يأتيه هتاف جماعيٌّ آخر:
ـ " يقتلنا مطبقو الإقصاء، وتدفننا يدُ كل مستبدٍّ جبار ، وتحبطنا لامبالاة القديم والحديث، وكل من غره بنا أن يرانا مصلوبين على أرصفة المقاهي، أو حتى مجرد موتي منسيين بين جدرانها و تحت سقوفها، من هؤلاء المخدوعين أمام عروض صور تذهب بِوَعْيِ كل من شاهدها منهم، وإن كانت كلمات حكاياتي، وصورها المسموعة أروع آلاف المرات، مما يتفرجون عليه، حتى باتوا هم الفرجةَ التي ما خطَرَ مثلُها على قلب بشر، فأيُّ غشاوة أُسدلَت على أبصارهم، أم تراهم مجرد مسحورين مغلوبين على أمرهم؟ وقد يبقون هكذا، ما داموا مطَوَّقين بإشارات تضليل، وتصاريف إشهارات، تجيبها أصوات من شباب ثائر يحتجُّ على سارقي حاجات ضرورية مِنْ أفقر أحياءِ بوادينا المهمشة المنسية، لم يكن في حساب مختلسي حظوظها أن هناك من سيسدّ ون عليهم بصدورهم العارية طرُقَ الفرار بما اختلسوا، وكان فيهم صوت متحمِّس ينادي بضرورة جعل ما أخذوا طعماً للنار ، فأفرح موفور السعد أن يجد بين الشباب من لديه كل هذا الوعي بما تفعله تلك الحاجيات الأساسية ، فقد كان ذلك الصوت يدعو صارخاً بشدة، ضد من يريد إشعال حرائق في المسروقات، ويحرص على انتزاعها سليمة لإرجاعها حتى لا يُحرم الأهالي، من تسخين ماءٍ مثلاً ، أو إضاءة ساعات قارسة البرد من ليل داكن، غارقٍ في ظلمة عمياء ، لكن سرعان ما أتَتِ القائدَ المختلسَ نَجْدةٌ عاجلة، أطبقت على أنفاس من حاولوا اعتراضه، وكل من كان يقف بجوارمكتشفي خيانته للأمانة، ترويهم مرارة مشاهد انكسار حلْمٍ ما كاد يفرحهم ،حتى انجاب عن قساوة لا يُصدَّعون عنها ولا يُنْزَفون.
....
ـ "انْجُ سَعْد، فَقَدْ هَلَكَ سُعَيْدّ"
!!!ـ ما أغربك من أرضٍ يا ألطاف الله، جُعلتْ قُرَّةُ أعْيُنِ حُماتك في اختلاس بنيكِ
لم تنتَهِ هذه الصيحة حتى زُلزلت الأرض بأحذية جندٍ طاروا مسرعين، وملأ الضواحي الهادئة وقعٌها الذي يُطِيرُ النومَ حتَّى من أجفانٍ من لا قدرةَ له على البصر، في غسق الليل ودياجيه الساكنة.
....
شوهد من كانوا الخلصاء من أصحاب موفور السعد، وهم ينهاوون تحت سياط عصي مكهربة، تشل من تدركه لسعاتهأ ، فمن أي أرض جيء بهُجنة مدججين ؟ أليسوا من بني أمنا ؟ ومن دربهم على التنكيل بأبريائنا؟ وكيف تم غسل أدمغتهم؟ ثم بماذا أعيد شحنُها ، حتى لم يعد يحركها إلا استجابة آلية لآمرٍ قاسٍ ، فليس من يحتجُّ أو يتظاهر مجرماً يا أخي.
كانت هراوة تنهال على رأس بريءٍ:
ـ الله يخليك، لا، لا، آآآآآآآآآآآآآه...
ثم ينهار من ينهارمنهم ، طريحاً على قارعة أرصفة العالم ، أو جريحاً يستجدي عيون المارة ، وليس عليها من مارَّة إلا مدججون، مربدو الملامح ، مكشرين، شحنوا قساوةً وعمىً وقصورَ نظرٍ. بل وخوفاً من عقاب عاجل إن لوحظ عليه أدنى تردُّد أو نكوص.

ولم يكن بين عابري السبيل من سمعه مرةً، حتى يتعرف عليه ، متيمناً به، أو يتذكر صوته الذي لا يزيغ عنه كل من وصلَهُ أيامَ مجده التي لم تطل على الأثير، فقد كانت لبازغ السعد أيامُ عِزٍّ سابقة، رغم أنه لم يكن هناك من يقدر على حجب الأضواء عن وجه الجبار القدير، ورغم ذلك كانت هناك فئة قليلة ظلت تجاهد، وتبذل النفْس والنفيس، من مواقع خلايا عمَلِ في الظل والخفاء، كانت تحفر عميقاً في محاولة لإقامة روابط بينها وبين فئة كانت في البدء قليلة، وكانت أخبارُها تصل المتمجِّد الأكبر ـ الذي بلغ منسوبه من الغرور ـ أنه كان كلما قرأ عن معارضيه شيئاً في ما يرفع إليه من تقاريرمفَصَّلةً في السر والعلن،، إلَّا و يتبسَّم ساخراً ، غير قادر على إخفاء حزازات تهيجهه، فينفج منتفخاً مثل طاووس وهو يقول في ثقة لا حدود لها:
ـ "دعوهم يحلمون".
ـ "هم كذلك يا مولاي في كل واد، عدموا السداد وضلوا سبل الرشاد".
فيستريحُ ، رغم أنه يدرك كذب من يزعم ذلك، لكنه يضحك لصعود نجمه، حتى يستلقي مستعجلاً النسيان، فيدعو بشراب سريع الأثر، حتى ينسى ويقدر أن ينام. يعرف كثير ممن حوله إنه واسع الحيلة يتنبه لما تجري به الأحداث، وإن كان يبدي بعض غفلة، إزاء كثير مما يُنْقَلُ إليه منمَّقاً مزوَّراً، في تقارير تمجده وتقدِّسُه، وهو يعرف أنه أنذل من أحط وغد سار في هذه الأرض ، فيهجس لنفسه:
ـ ليرفعوني إلى أعلى ما يستطيعون ، فإنني أرى ما لا يرون، وأعلم من أسرار نذالتي ما لا يعلمون.
ثم ينفجر في صراخ هستيري ،لا يتوقف حتى يؤول إلى نوبة هياجٍ شديد ، يبعث الرعب في القلوب .
لكنه مع استرجاعه لهدوئه كان يتذكر لحظاته آخر النهار مع بهلوانه الذي استجاب وهو في قمة خوفه لطلبه الذي بدا له غريباً، حينما دعاه إلى أن يجعل من سيده الجبار المستبد، موضوعاً لسخريته وقفشاته الضاحكة، وبهلوانه بالطبع على ذكاء خارق في ميدانه، فكان كلما قدم صورة من صوره المخيفة يضحك، ويشاركه الضحك بينا يشير إليه:
ـ أهذا أنت ، يا وجه القرد الذي يخشى بطشه من يراه لا ومن يراه؟ ما أضعفك لو يعلمون، بل ما أمسخك في كل ما تطلب ، و ما تنزل إلى ممارسته بجنون.
فيضحك المتمجد الطاغية حتى يستلقي على قفاه، ثم يضحك طويلاً ، حتى يأخذ التعب منه كل مأخذ، فيطول سكوته حتى يغرق في نوم تتحول رغباته وأستيهاماته فيه إلى كوابيس، ولا يكاد ينجو خلاله من معاناة ، حتى يفيق على ما يملأ الحجرة حوله من علامات نهار جديد.


....
لكن ما أسرع ما استعادت ذاكرة موفور السعد أيام التكوين الغابرة ، وهو يعاني من نيران الغربة الغادرة، وضربات اصحاب المجن من ألوية الشرطة والعسكرالهادرة، وقد كان خلالها يتتبع بدقة، ما كان يقرأه عن تَسَرُّبٍ أتربة من تحت أعمدة نظامٍ كانت تدعم حصوناً قامت لتتستَّـرَ على قصور كانت في الحقيقة أوكار إجرام وخيانات، كم آوت من مفاسد ، لكن ماذا تنفع الهراوات هذه الأيام في التأديب ، وكيف تؤثِّرُ الاختطافات في الرَّدع وبث الرعب والوعيد؟

فها هو ذا يرى ، وقد مست كتفيه عصا مكهربة ، كيف يتهاوى شباب وهم في ميعة يفاعتهم، تجتذبهم أحلام التغيير، فلا يكادون يفلتون من أيادٍ سوداء تتخطفهم، حتى سرت في الناس طرق وأساليب عمل جديدة ، كلها تفضَحُ وتعرِّي، وتكشِف وتَبسط و تشْرح، فاتَّصَلتْ الخطوط بين من كان التقارب بينهم مستحيلاً ، وائتلفت الأرواح، وفرح الناس بالتيار الجديد ، واتفقت الآراء، وانتفت أجواء الخلافات، بإعلان انتشار بشائر ناطقة بكل لغات الخلق، على دُنوِّ صباح يضيء السبيل.
....
تفجرت منابع الجبل ، كما جرت السهول بفيوض دفعت الجدب وبَشَّرَت بالخصب العميم.
وظهرت قوات خصب كانت مضمرة، جاءت من بعد سبع عقود عجاف، دعت كل الناس ألا يفقدوا شيئأ من جوهرهم أمام قسوة الطغاة، وكانت أشياء رائعة تحدث أمام العيون بعد أن انتشر الفرح بينها ببشائر الخصب القادم ، والاستبشار بدعوة موفورالسعد، وإن لم تتراجع أيدي الخطف والرعب أو يفتُر لها إيقاع أو تقل وتيرة نشاطها ، ولا تقهقرت أكف الموت الغادرة، عما كانت تعوَّدتْ عليه ايام الجفاف، لكن مقدم ربيع الشعوب كان علامة على تراجع نسبة الخطف وانسحاب قوات الليل، وقرب انتصار الضياء.
....
حكى لي صاحب موفور السعد ، قال:
لقد كانت عودته بعد سنين عجاف، وقد عاش أشقاؤه ، قبل مجيئه يدعون ويصلُّون، زمنا طويلاً، أن يجعل لهم الله في رجوعه أملاً كبيراً، وقد تمَّ لهُم ذلك، لينطلق من داخل وسطهم العائليّ نورٌ كان محط تطلعت جميع العائلات من حولهم ، وكان أن ازدادت الأحوال سوءاً، فمات كثير من أحبته قبل أن يروه وهو يحقق لهم ما كانوا يرجون، إذ لم يستطعوا أن يتقبلوا ما كان جفاف سابق قد اضطلع به ، عقوداً قبل سفره، وأعواماً من بعده، فكانت الأيام كلها نحساً في نحس، من أعلى الذرى إلى أدنى درك بين الناس، وكل الطرق مقطوعة، حين كان موفور السعد فاقداً القدرة على الكلام ، و كاد الجميع يفقدون معه في نكسته هذه الرشد، لكنهم كانوا يتوقعون أن يؤتى موهبة يستطيع لسانه أن يشق الحجر، وكلامه أن يقنع الصغير والكبير من بني البشر، فلم يتركوا وسيلة لعلاجه إلا وجربوها، حتى إن طارقاً حلَّ بهم ذات ليل ، أفضى إليهم أنه يعرف وسيلة لا شيء أنجع مثلها، في علاجه ، فلا ماء عين منبع مقدس يقدر على شيء ،ولا مجاورة ضريح ولي صالح ، بل لا بد من أن يشرب من ينابيع أرض يتفجر منها ـ أو يجري بها ـ نهر عظيم ، ليتدفق الكلام من فمه مجدَّداً، تدفق العذب الزلال على ضفاف تلك الأنهار العظيمة. وقد كان في بيت الأسرة الشريفة بالفعل من ينوي الحج للدعاء لفلذة كبده، وإحضار ما يكفي من ماء الأنهار الدفاقة بالأنوار ليستعيد صحته وقدرته على الكلام.
وقد كان أن تنبأ الطارق نفسه باقتراب فتنة، وإن كان أمَرَ بكتمان هذه النبوءة عن بعض من في البيت، لكن ما أن انسحب الطارق، حتى أحس الأهل بِنُذُرها ، وكان أن هيَّأوا لسعد الصغير كل لوازم الحياة الجامعية في بلد بعيد، ووفروا له كل شروط السفرإليها، وكان لا بد من انتظار أعوامٍ هي مدة السفر والتحصيل ، ذهاباً وإياباً، قضاها أشبه حال بالأخرس، في انتظار برئه ، ثم ليصدع بما يؤمر، فيفيض بيانه ساحراً أسماع كل من يصافحه.
كانت تلك نكسته الأولى.

إلا أن النكسة الثانية كانت أشد وأدهى، فبعد العودة من سفره الطويل، وجد وليد موفور السعد أنه بموت أبيه فقد من يحميه ، و مع ذيوع خبر ما أصبح يتدفق على لسانه وقد بلغ الحلم، وصوله إلى أسماع أعلى الجهات وأدناها، بدأت المضايقات، وحوصر بكل من له قدرة على استيعاب أو تسجيل بعض ما يلقيه، في أي جمع، فبدأت الحرب عليه، في حاله الجديدة، بل أوحي إليه في البدء أنه إما أن يغادر الأرض، أو يخلد إلى الصمت، وإلا فسيسجن في مكان قصي لن يعود منه أبداً، فلم يعر التهديد أهمية، بل ازداد كلامه انتشاراً وتأثيراً في المعجبين، الذين ازدادوا من ثمَّ تعلقاً بمعجزات ما يقول ، وكان أن قُدر له خروجٌ سلمِيٌّ إلى مدينة بعيدة، واغترب حتى كاد قومه أن ينسوا أمره ، لكنه حين دعاه داع من قلبه إلى العودة، عاد دون تردُّدٍ ، فقد أحس أن ما شربه من أسرار علوم أنهارالعالم الكبرى، قد صار يهتز في أعماقه مباركاً ، باحثاً عن سبيل ليتفجر مرة أخرى، وهو الأمر الذي لم يستسغه من بيدهم الحل والعقد في بلاده، فنصبوا الشراك للفتى حتى أحاطوا به، فابتلعته شراك غياهب أخِذَ إليها ،على حين غرة، زمنا طويلاً، وشهدت جهات كثيرة ومدن شتى ، احتجاجات تندد باختطاف صاحب البيان الرائع العذب ، والحجاج الساطع المُفحم.

ومضت السنون، والفتى ـ منفيٌّ حيث لا يعلم أحد ـ مقيدٌ في سلاسل ثقال، حتى كاد يَنسى بين جدران السراديب لونَ النهار ، لم يَنَلْ عفواً، ولا تنازلَ من بيده الأمر إلا بعد أن وهن عظمُهً وشابَ رأسُه، وتحول السلسال الغزير ، إلى نزر من شذرات حكمةٍ سريعة الانتشارهي أيضاً، تحملها الأنسام مع التيارإلى الديار، فكأن كلماته كانت تبحث عن متنفس، وقد سبقته فانداحت في قوة السحر كالأنوار ، لم تعيها وسيلة ولا حيلة في ذلك، فانهمرت العبارة ، بالتعريض والإيماء ، في أقوال ظاهرها الثرثرة و الهراء، وباطنها اللمحة القادرة على التواصل مع الصدور المتألمة ، والقلوب الموغرة.
فتفجَّـرَتْ ألسنة الناس بفعل الشذرات الساحرة، التي ليس كمثلها فعل اي قول قديم أو حديث، أو أي فتنة أو دعوة عرفتا من قبل ، فكانت ثورة موفور السعد في الأرض التي صاحبتها اضواء حِكَمِه الساطعة، في أشكالٍ بُهِتَ لها رائيها ومستمعيها، فقد نزَلَتْ في شكل جذاب، لترفع عن العيون كل حجاب . فكان أن فَرّجتْ عن كل القلوب ،، وعن كل من أدرك ذلك العصر من أبناء فقراء الناس، في مستهل جيلنا السابق عليكم، أو هذا الذي كان ـ منذ زمان طويلٍ ـ قد لوَّنَهُ اليأسُ.


(للنص بقية)

05/06/2018

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى