عبدالجليل حاكم - تلاقي ثقافي بين مجموعات سودانية من خلال قرابة لغوية

في فسيفساء السودان الثقافية، تتناثر الشواهد التي تدل على تلاقٍ عميق بين المجموعات الإثنية واللغوية، لا يقتصر على الجغرافيا أو العادات، بل يمتد إلى الجذر اللغوي والرمز الثقافي. ومن أبرز هذه الشواهد كلمة "مرتا"، والتي تعني "الحصان"، وتُستخدم بذات اللفظ والدلالة في ثلاث من لغات السودان القديمة: البرتا في منطقة الفونج، والفور، والنوبة في كردفان.
المعجم المشترك وعبق الأصل.
إن تكرار كلمة "مرتا" في هذه اللغات الثلاث، يشير إلى قرابة لغوية، قد تعود إما إلى أصل مشترك ضارب في القدم، أو إلى تواصل حضاري ولغوي مستمر بين هذه المجموعات. ووفق علم اللسانيات، فإن الكلمات المتطابقة في اللفظ والدلالة تُعد قرائن قوية على وجود طبقة معجمية مشتركة بين الشعوب، وهي غالبًا ما تتعلق بالمفردات الأساسية للحياة (مثل الحيوان، الطبيعة، الأسرة).
الحصان: أكثر من وسيلة تنقل
لكن ما يلفت الانتباه، ليس فقط اللفظ المشترك، بل الرمزية العميقة للحصان في ثقافات هذه الشعوب الثلاث. فالحصان لم يكن مجرد وسيلة تنقل أو أداة حرب، بل كان رمزًا للقوة، والوجاهة، وربما الرابط الخفي بين الأرض والسماء.
في ثقافة البرتا بمنطقة الفونج، كان الحصان يرتبط بالمكانة الاجتماعية، ويُعدّ جزءًا من طقوس الزواج والاحتفاء بالفرسان.
أما في ثقافة الفور، فالحصان ظل حاضرًا في تشكيلات الممالك، كأداة سيادة وهيبة، ويظهر بجلاء في أغاني المديح والبطولة.
وفي ثقافة النوبة، خاصة في كردفان، ارتبط الحصان بالفروسية والعشائر المحاربة، واحتل مكانة مرموقة في الشعر الشعبي والرقصات الجماعية.
الكلمة كبوابة للهوية المشتركة
إن هذه المفردة – "مرتا" – تُثبت أن التلاقي الثقافي في السودان ليس مجرد شعار سياسي، بل حقيقة لغوية وتاريخية تؤسس لرؤية جديدة، تُعلي من المشتركات بدلًا من التركيز على الفوارق. ويمكن لمثل هذه الشواهد أن تُغني مناهج التعليم، وتُلهِم مشاريع الوحدة الوطنية، وتُثري الأدب والفن السوداني برؤية تعزز التمازج لا التنازع.
صولة أخيرة:
"مرتا" ليست مجرد كلمة، بل هي شاهد لغوي على أننا، في عمق تنوعنا، نعود إلى جذر ثقافي واحد، نمت فروعه في تربة مختلفة، لكنها بقيت متشابكة. وربما آن الأوان لنقرأ اللغة كجسر، لا كسور، ولنُعيد كتابة تاريخ السودان من زواياه المنسية – من قلب ا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى