جميل جبر - أديبة من القبيات منى جبّور (1942-1964) كما عرفتها

قلما انقضى يوم في السنوات الثلاث الاخيرة، ولم ار فيه لمنى جبور وجها او اسمع صوتا اللهم الا في فرصة الصيف. فقد كانت ساعدي الايمن في مجلة "الحكمة" وفي نادي القصة واخيرا في المنظمة العالمية لحرية الثقافة.

عرفتها في اوائل سنة 1959 عندما جاءت الى مكتبي مع عادل مالك تعرض علي للنشر في "الحكمة" بعض قصائد منثورة يصرخ فيها التمرد على الوجود. اعجبني اسلوبها الكتابي على طراوة عوده، لكني خفت عليها من عنف التمرد. نشرت لها هذه القصائد في صفحات ادبية مختلفة في الجرائد البيروتية وطلبت اليها "للحكمة" خواطر اقل اسودادا مع اني الى هذا اللون اميل.

وانقطعت عني فترة كانت في اثنائها تبعث الي ببعض نتاجها مراسلة. وسألت بعض اصدقائها ذات يوم عنها فاجابوني انها محكومة بالاشغال الشاقة. فهي تستقل الاوتوبيس عند الساعة السادسة صباحا لتذهب من بيروت الى طبرجا حيث بدأت تمارس التعليم في المدرسة الرسمية ثم تعود ليلا لتنصرف الى اعداد شهادة الباكالوريا. وقيل لي انها تستطيع ان تأتي الي في يوم جمعة – يوم عطلة – فقط، فانتظرتها ذات صباح فجاءتني والحيوية تملأ عينيها، على حياء وجهها الطبيعي، وهي تحمكل بعض فصول من باكورتها " فتاة تافهة". سألتني رأيي فيها بعد ان قرأنا معا شيئا منها فاثنيت على زخم تعبيرها وغرابة صورها واخذت عليها ركاكة الاسلوب وضعف التركيب والتركيز واشرت عليها بالتريث واعادة النظر فقالت انها لن تكتب باكورتها من جديد بل تفضل ان تنشرها وتكب على كتابة غيرها. وهكذا كان. وأثارت الرواية اهتمام اوساط الادب اما تحبيذا واما استنكار ورجعت الي منى ذات صباح جمعة كئيبة على غير عادة، مع ان الكآبة صفة ملازمة لها تخفيها ببسمة تحد قاهرة- فسألتها ما بها قالت "الحياة تافهة" اجبتها: هل هذا عنوان رواية جديدة. فردت علي بعنف: الحياة اتفه من ان تستحق كتابا عنها.

فهمت ان من اسباب تمردها ونقمتها ذلك الجهد الذي كانت تبذله في الانتقال اليومي بين طبرجا وبيروت. فقلت لها: السنة القادمة لن تذهبي الى طبرجا. فاما ان تنتقلي الى بيروت واما ان ادبرك لك عملاً اخر.وكان ان نالت شهادة الباكالوريا فقدر صديقي الاستاذ فؤاد صوايا مدير عام وزارة التربية الوطنية وضعها الخاص فنقلها الى مدرسة فرن الشباك على خطوات من بيت اختها حيث كانت تقيم.

وهكذا بدأت منى حياة جديدة في بيروت. فكانت تعلم وتدرس وتكتب في مجلة "الحكمة" كسكرتيرة تحرير وتشترك في نادي القصة بحيوية اذهلت جميع عارفيها.

وابدت نشاطا غريبا في هذه المرحلة فكتبت سلسلة ابحاث نقدية ومجموعة قصصية نشرت بعضها في "الحكمة" و "حوار" وخواطر اجتماعية في "الانباء" وأعدت رواية "الغربان والمسوح البيضاء" فضلا عن الخواطر الشعرية والتعليقات والمطالعات وبين ليلة وضحاها اصبح اسم منى جبور على لسان مرادفا للعصامية الاصيلة.ومع هذا ما كانت منى لتستقر. كانت تحس دائما انها غريبة عن العالم، عن نفسها، عن اقرب الناس اليها. فقالت لي ذات يوم: آه لو استطعت ان اسكن وحدي فأحس فعلا ان لي بيتا.

استغربت امنيتها تلك لا سيما وانها قالت اكثر من مرة ان اختها التي تساكنها تبذل المستحيل لاسعادها وان لها جارة شديدة الوفاء لها – تيريز خويري- استغربت الحاحها على الانتقال فقالت لي: ان اختي كبرت عائلتها ولا استطيع في جوها ان انصرف الى الكتابة. حبذا لو نقل اخي مفيد الى بيروت اذا لاستطعت ان أستأجر بيتا أعيش فيه معه. وتحققت رغبتها بفضل الصديق الكبير واذا هي في اوائل سنة 1964، اي ثلاثة اسابيع قبل غروبها، تسكن واخاها بيتا مستقلا قريبا من بيت اختها واذا بها تعنى بتأثيثه بحمية الطائر يبني عشه.

ولشد ما كانت دهشتي يوم قالت لي – قبل ايام من غرابها- سأدعوك في الاسبوع المقبل الى منزلي الصغير لنرى كيف اعيش حتى اذا كتبت سيرتي ذات يوم لم تعوزك الوثائق. فأجبتها بتعجب: أنا اكتب سيرتك. هل سأعيش اكثر منك يا منى. فاجابت بلا مبالاة: من يدري.

والواقع كانت فكرة الموت مسيطرة عليها في الاونة الاخيرة، وكانت تشعر بانقباض مستمر مع انها كانت زاهية اكثر من المعتاد في الظاهر. فهي للمرة الاولى مثلا في حياتها تخيط فستانا احمر وتختار له حذاء احمر وتعنى بافراط في تسريحتها. فهل شعرت بدنو اجلها فحاولت ان تعيش حتى الطفاف؟.....

عشية غروبها كانت في مكتبي تكتب تقرير جلسة هاني ابي صالح في نادي القصة فانجزته وبدأت تصحح معي مسودات هذا العدد من "الحكمة" وكنت حينئذ اشعر بحمى فقالت اذهب ونم وسآخذ المسودات الى بيتي فاصححها وأعيدها اليك غذا.

وبقيت المسودات تنتظرها على طاولتها... وبقيت انتظرها... حتى صدمني النبأ فكان اشد وقعا علي من نعي شقيقة لي توارت هي كذلك في زهرة العمر.

نعيها الساحق

تحت وطأة الحمى بلغني نعيها. ما صدقت الخبر. حسبتني اهذي. نعم أهذي. منى ماتت! مستحيل.. بشحمها ولحمها سأراها غدا. ستعودني في مرضي. وينطوي الغد ويجر امثاله ولا اسمع الصوت الحيي ولا ارى الوجه الكئيب. بل المس الفراغ عنكبوتا معششا في كل زاوية لمنى فيها اثر.

هذا المقعد الخالي وكان يهتز تحتها كلما تحدثت في ندوة القصة.

هذه الاوراق التي دونت عليها مسودات مقالها الاخير لمجلة "الحكمة".

وتلك الكدسة البيضاء التي تتثاءب بانتظار قلمها. والسكون المفزع والانقباض.

كل هذا يعلن غيابها. لكن حضورها اقوى انها لم تمت. مثل منى لا يمكن ان يموت الا اختناقا او ما يشبه الاختناق. ..

اتصورها قد دوختها والصدمة وخنقها الغاز تدوس حقارة الاشباح بكل ما في التحدي من كبرياء وتبصق على الدنيا.

تسألني لماذا اكتب. اسمح لي اولا ان أسألك لماذا تتقيأ. فانا ان لم الفظ كلمتي اختنقت. نعم اختنقت منى والكلمة في حلقها تتلعثم بها:

"خائنة ايتها الحياة!".

منى تموت والحيوية في كل ذرة من كيانها والزخم الخلاق يتفتق حتى في اظافرها.

هذه التي كتبت "فتاة تافهة" ما عرفت فتاة ابعد عن التفاهة منها. ويا ما اكثر التفاهات في محيط عبد الطاووس وقدس المومياء.

شاهدة جيل

كانت منى جبور تجسيدا صادقا لنفسية جيلها المتمرد، الرافض، الهاذي. فقد شاءت ان تكون شيئا ما في هذا الوجود، ان يكون لها بعض كيان مستقل. ان تكتب اسمها بغير الماء على صفحة الحياة. فاحست بالتفاهة تقصم ظهرها النحيل في كل ميدان: تفاهة ما تقوم به المرأة من عمل وما تثبت من وجود. وتفاهة العقلية البائدة المهيمنة التي تلجم كل نزوة وانطلاقة وعنفوان.

تمردت منى على الحياة لانها أكتوت بجمرات بؤسها فعملت بكد اربع عشرة ساعة في يومها بقيت الطمأنينة الى الغد مع هذا حلما يرتجى بالنسبة اليها.

تقول منى في خاتمة "فتاة تافهة": انني افتش عن رجل يطرد غربتي ويترك لي حرية تحطيم كدسة صحون في مطبخ يكون لي، في بيت يكون لي".

لا ادري هلة وجدت رجلا يطرد غربتها. لكنها استطاعت بعد جهد مستقتل ان يكون لها مطبخ، وان يكون لها حمام وان تحطم فيه رأسها بدل كدسة الصحون.

موتها وجودها فقد ملأته حتى الطفاف. تمردت منى جبور على الحياة لا لان التمرد زيا من الازياء. بل لانها تركت نفسها تولول على سجيتها. تركت قلمها يستمد حبره من دمها المكهرب.

كان اسلوبها في البدء رجراجا على رغم عنفه، وكان فيه افتعال اجواء مثيرة عن طريقة اختيار الكلمة المبتذلة. فتصغي على الايام ومال الى الصرامة والايجاز والى شيء من الدقة والتركيز.

أما الغرابة فهي عندها عفوية مئة بالمئة. تماماً مثل التنفس الطبيعي. فلا هي وليدة شعوذة. ولا حصيلة ايهام بعمق قصي. بل هي تعبير عن نفس غريبة في عالم غريب تسير فيه وحدها لا تعرف الى اين ولا كيف تسير.

شاهدة مخلصة على عصرها في روايتيها، في اقاصيصها، في خواطرها، في مسامراتها. انها على حق ابنة جيلها الضائع المخدر على نغم الجبار السكَر ان من دمه وعرقه. ولكنها تجاوزت جيلها في سعيها الى تأصيل الجذور في تربة من زال للقيم فيها مدلولها. فهي مثلا كانت وفيه ومحبة في جيل فاخر معظم ابنائه بالجحود والحقد. وهي تؤمن بتعداد المذاهب في القول في حين يدعي اكثر مجايليهم انهم البدء والنهاية في دنيا الكلم. وهي انسانة. حتى في ساعات تنكرها لا سمى ما في الانسان. في جيل كاد يصبح مفهوم الكائن البشري فيه مزيجا من الة وحيوان.

لقد كانت من عصرها ومن كل عصر على قلة ما اعطته وكثرة ما كانت تؤمل به.

اذ تغيب منى جبور عن عالم الادب يغيب معها اكبر امل في الادب النسائي العربي المعاصر.

ولدت منى في القبيات في 20 أيلول سنة 1942 ابوها اسمه يوسف وامها اسمها ليلى – ولها اخوان وثلاث اخوات. وبدأت دراستها في القبيات ثم في مدرسة الراهبات في طرابلس ثم في المدرسة النموذجية في فرن الشباك في بيروت. فكانت مثال الرصانة والاجتهاد، بارعة في جميع مواد التعليم من الحساب الى الادب مرورا بالعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا والرسم. الا انها كانت متفوقه خصوصا في الانشاء. وقد عرفت بميلها الى العزلة والتأمل وبقوة الارادة.

بدأت تنشر في "النهار" و " الرسالة" خواطر وجدانية وشعرا منثورا.

كانت متحفظة جدا قلما تبوح لاقرب الناس اليها بشؤونها الخاصة. وكانت حياتها العاطفية غامضة الى حد ما. في حياتها مواطن لها ربيت معه واحبته على اختلاف طبيعتيهما. وكانت تميل الى عدد من الاصدقاء ميلا يغلب عليه طابع الزمالة والصداقة البريئة.

أشياء عنها

سألها صديق لي يسيطر عليه هاجس الانتحار: مارأيك بالانتحار:

جبن! جبن لن افكر ابدا بمثل هذه النهاية.

كانت على عدميتها تستنكر الانتحار وتأبى الا ان تتحدى الحياة على تفاهتها وان تسجل اثار اقدامها على صفحة الوجود.

كانت تطالع قبيل غروبها " حوار الكرمليات" وقد قالت لتيريز خويري صديقتها الاولى لا تتعجبي ان رأيتني صرت راهبة ذات يوم.

كانت غريبة الاطوار شديدة الحساسية متقلبة الرأي عن اقتناع. وكانت سريعة الانفعال حادة الذكاء. دقيقة الملاحظة، لطيفة النكتة على خفر. كبيرة الطموح. عميقة النظر الى الامور.

طفلة كبيرة كانت الحياة بالنسبة اليها لعبة خطرة. في ادابها وجوه متكاملة: الشاعرة والناقدة والروائية.

اما الشعر فقد تململ في قصائدها المنثورة الاولى خيالا مجنحا يعوزه الايقاع المنسجم ثم تطور على الايام واكتسب شيئا من الموسيقى الداخلية لكنه استمر متقلقل الشخصية.

واما القصة، رواية واقصوصة، فقد تميزت فيهما بخلق الجو الغريب العجيب الآهل بالاطياف والاحلام والاشباح. فهي كانت بعيدة عن الواقعية حتى في اوصافها. كانت تكتفي احيانا بشحطة كاريكاتورية او لا تتوقف عند اي توضيح مادي. لذلك كان اشخاصها الى النماذج اقرب. وهل في اقاصيصها اي شخص معين؟ ان هي الا انعكاسات لذاتها الشفافة. فقد اوتيت طاقة نادرة على الدخول في اهاب الغير والتعبير عن مشكلاته من خلال نفسها الطرية. الا ان هذه الطاقة كانت لا تزال على طريق التبلور رغم تطورها المدهش.

واما النقد فقد تميزت فيه بموضوعية محبة. فهي رغم حرصها على الدقة والامانة كانت تحاول ان تبرز قدر الامكان الوجه الافضل وتلمح الى السيء تلميحا. كانت تحلل وتدرس وتستنتج فيأتي حكمها حصيلة تقرير طويل.

اما اسلوبها الكتابي فكان يختلف باختلاف اللون الادبي. فاذا هو دقيق بسيط في النقد ومواج شديد الايحاء في الشعر والقصة.

كانت منى جبور نسيج وحدها في ادبها كما في حياتها.

لقد توارت برعما في اوج نضارة الوعود.


للدكتور جميل جبر


Mouna Jabbour

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى