أبو بكر العوض إدريس عثمان - موت على الجدار

مدخل:

«ﻣﺼﻔﻮﻓﺔ ﺣﻘﺎﺋﺒﻲ ﻋﻠﻰ ﺭﻓﻮﻑ ﺍﻟﺬﺍﻛﺮﺓ
ﻭﺍﻟﺴﻔﺮ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ ..
ﻳﺒﺪﺃ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻃﺮﺓ !»
اللوحات ، أمل دنقل

عندما سرتُ داخل الشوارع ذات الموت الرمادي ، منحشراً في الأزقة القديمة للمدينة ، استوقفتني الصدفة لأتأمل اللوحة المرسومة على أحد الجدران بالفحم والحزن .. كانت لوحة تبدو في بداياتها ، لأمراة عارية. لم أكترث كثيراً ووددت لو أن أمضي ، فما الشيء الجديد الذي ستحمله جدارية في بلاد كل أهلها أشبه بمسوخ الرسم. لكن قدميّ لم تساعداني على مواصلة الطريق .. كأنَّ اللوحة كانت تنادي عليّ .. وبيدٍ خفية توجه وجهي نوحها ، وحين اقتربت بدأت اللوحة بالوضوح ، جسد أم واهن وهي ترضع طفلها ، وعند اقترابي أكثر ، كان في قلبها رصاصة دم.
كيف تقاس المسافات ؟! إن المشوار الذي قطعته بعد ذلك بيني وبين اللوحة على الجدار هو بالتقريب يساوي رحلتي الأبدية نحو عمق الذاكرة. فاللوحة بدت لي كأنها تجسيد لما عشته في الحياة. كأن مَن رسمها كان يقرأ ذاكرتي وﻳُﺌﻮِّلها في لوحة جسد رضيع ميت.
يُدعى ”آندرو“ ، كل أزقة السوق الشعبي تعرفه ، فهو قد زانها بالمئات من الرسومات واللوحات ..أحياناً تكون لوحاته لنساء متفحمات بسبب قصف الحرب. وتارة أخرى لإنسان يهرب من رجال الشرطة والقضبان. كان يجيد رسم العربات وحاملات المدافع والدبابات. وكان دائماً ما يجعل رصاصة واحدة تضل طريقها ، لتسكن جسد امرأة وبجانبها وليد خائف ، ومن ثديي الأم يدلق شلالات اللبن المخلوط بالدم.
أشردت تلك الرصاصات وأصابتني ؟
في الليالي المرهقة يغدو لي الموت كائن بطيء ، لكنه يقترب مني رويداً رويداً ، حتى إذا ما جاء الصباح اندثر خلف لعنات الغياب. أمضيت الليل وأنا سجين بين القهوة والسجائر وآندرو ..
وبهدوء كوني أشرق ضوء الصباح ولامس كل الأقبية ، منتشراً إلى كل شيء عدا اللوحة في داخلي ، فهي ماتزال معتمة بغموضها الغاتم الكئيب ... إن الحزن لون أنيق ، يختار أن يقترب منا وإن كنا لا نختاره ، نجده يهذب ذواتنا بالصمت والتأمل. ودون أن أدري كيف ، وجدتني قد توجهت إلى أحد الأزقة ، حيث الحياة منسية. وتوقفت عند بائعة شاي ، سألتها حين باغت صحو ابتسامتها ذاتي : ”أين أجد آندرو ؟“
لم تندهش ، ضحكت وقالت : ”آندرو حكاية نبحث عنها ولا تبحث عنا!“
تعجبت لتلك الفلسفة العميقة ، وأخذت أتأملها إن ما كانت حقيقية أو مجرد رسمة على الجدار ، سألتها : ”هل لك أن تحدثيني عنه؟!“
وضعت القهوة أمامي ، دون أن أطلب ، وقالت لي اِجلس. كانت اللوحات على الجدران تتخذ طابعاً أكثر حدة ، أيمكن للإنسان أن تأسره النقوش ؟ أم أن الأمر فقط عندما ننصت إلى نداء أرواحنا . وتذكرت تلك النداءات التي كتبتها ذات انقسام للوطن ، كصراع الروح والجسد. وعندما أصبت بما يشبه النزع ، قالت لي بائعة الشاي أخيراً : ”لا نعرف عنه شيئاً غير أنه يأتي في آخر الليل يرسم ثم يمضي .. لنتفاجأ في الصباح بها“
تساءلت كيف يعرف أن هذا الجدار عبارة عن محيط غض بداخله كل هذه الحيوات ، ليخرجها بقطعة فحم وحنين قلب .. أحياناً تشعر بأنه صريع لعنات الحرب.. وأحياناً أخرى تجده العاشق المجروح.
قالت لي حين سألتها عن مكانه :”إذا ما أردت آندرو فستجده قرب أسوار المستشفى “ وحين اعتلتني الدهشة قالت : ”ستعرفه بسهولة ، هو يمتهن علبة ورنيش“
انطلقت أبحث عنه هناك ، وقضيت ثلاث ساعات بدت لي كأنها سنوات طويلة ... ثم كان انشداه اللقاء به أجمل من لقاء حبيبة طالت رحلة أسفارها ، كان يشبهني في تركيبة الجسد ، نحيل اخترق الحزن قلبه ، ونبتت له شعيرات بيضاء في قلبه
حتى اشتعلت الابتسامة على شفتيه. اقتربت منه وألقيت عليه السلام ، علّها تكون برداً على روحه الممزقة بين حنين أرض الأمة وسماء الرصاص .. قلت : ”عذراً يارفيق ، أحتاج أن أرتق حذائي، قد أصابه فتق من شدة ما راودته الأرصفة عن نفسه“. وحاولت الدنو إليه عبر اللغة. لكن ما أذهل ظلي وجعله يخرج ويجلس بقربنا وهو يردد آيات التسامي لهكذا إنسان وهكذا روح أنه قال:
- ”الروح نافذة الشتاء ياسيدي ،
وما الدموع إلا مطر ..
تغزل للقلب معطفاً ،
علَّه يخفف إيلام الشتاء“.
- ”أرسامٌ وشاعرٌ أيضاً“
ضحك وعيناه غارقتان في الحزن ، في محاولات للهروب من الدمار.
قلت :
- ”تلك اللوحات التي رسمتها يا آندرو ، قتلت ذاكرتي“
شدَّ آندرو الحذاء بين أصابعه :
”أنا لا أجيد الرسم ياصاحبي ، فمنذ لحظة تكويني أنا ابن ضال لهذه الشوارع ، حتى أنني لا أعرف من الذي أطلق عليَّ اسم آندرو ولا أعرف شيئاً عن أمي .. ولا إذا ما كنت ابناً لها عن طريق رباط مقدس أم مجرد دنس. كل ما أعرفه هو أن الحروب والمخاوف طاردتها وعصفت بها ، لتتركني أواجه لعنة الرصاص في هذه المدينة .. الجوع أحياناً يجعل مني وحشاً ، فالإنسان أشبه بالوحش عندما تتغلب عليه شهوته ويصبح العقل خاوياً ، يبحث عن سبل الاشباع ... فعندما يأتي الشتاء تجد أن الأزقة باتت فارغة من الرحمة إلا تلك التي تمنحك الدفء. إن الأحلام ليست سوى ذكريات مصفرة تحاكي الموت ، وإن كان الموت يعاف أطفال الشوارع ...“
حاولت أن أقاطعه ، شعرت بأن آندرو لو باح بذاك الوجع للماء لخدشه ، ولأصبح الشرخ فيها جُبّاً يكتم أسراره. مازحته خجِلاً .. واجتهدت أن أرسم ضوء ضحكة في عينيه ، لكن الحزن كان شيئاً هلامياً أكبر منه ومني.
قال :
- ”لا أدري ما الذي جعلني أبوح لك بهذا الوجع ، فأنا لا أحب أن أبصر في عيون العابرين الشفقة ، لأنها تقتل الإحساس بالأمل ، فإذا كانت هذه الحياة علبة ألوان فإن لون الحضور هو لون الأمل. لكن لا عليك ، إن الإنسان في النهاية هو ابن شهوة ما ، لرجل تجرد من العقل وأفضى كل حيواناته في رحم الأرض. وإذا غفل القدر لحظة واحدة كان أحد ما على ظهر هذه الدنيا حضور“.
- ”إن تلك اللوحات المعلقة على الجدران ، كأنها تقويم للإنسانية ، ربما تبدأ منك ، لكنها تنتهي عندنا“
- ”أحياناً أفكر بأن رسوماتي تطير ، تحلق نحو أبي وتحفه .. ليقرأها بإحساس الأبوة ، ويترجم توقيعي إلي كلمة أحبك. نعم ، أنا أحب أبي وإن لم أره. لكن روحي أبصرت إليه في عوالم أشبه بالغيبيات. ففي كل مساء أتخيل بأنني نائم في أحضان أمي ، وأن أبي يجدني ويضع على جبيني قبلة. قبلة مسروقة ، أشعر بها فقط في أحلامي ، وأتحسس أثرها عند الصباح . حين أجد نفسي قرب قسم البوليس... هه ، خذ حذاءك يا رفيق ، أصبح جاهزاً الآن“.
تملكت الرهبة كل جسدي ، روحي اصبحت ثقيلة عليّ ، شعرت بشلل لحظي ، فهذا الإنسان الذي بحثت عنه كان قلبه ينزف بشدة جعلته كأنه وردة في عمق غابات الصبار ، إن حاولت استنشاق عبيرها أدمتك الأشواك. إنه تماماً كالموت الذي يتربص بنا.
مضيت مسرعاً ، وكانت كل خطوة مني صلاة ودعاء لصديقي من أن يُشفى جرحه النازف. كانت لحظة خروجي منه هي لحظة خروج الفكرة من لوحته ، مجرد طور سنين .. عندما وصلت إلى المنزل أغلقت غرفتي وجلست أرتعد .. جعلتني التداعيات أطرد الضوء من غرفتي ، معتزلاً العالم الخارجي في عزلة قسرية ، علني أجد فيها شيئاً من الخلاص الذي أبحث عنه منذ ولدت ..
جاءني صوت ما ، من هلوسات اضطرابي ، ضرب مسمعي وأنهكني :
- ”الخلاص يا هذا لن يكون خلف الحسرة أو إشعال لفافات السجائر وارتشاف القهوة .. انهض وامضِ حيث تمضي“.
نهضت بعد ثلاتة أيام كنت فيها سجين العتمة والحزن ، وكانت رسومات آندرو قضباني ، هو يحتاج أن يخرج من التابوت الذي أوجدته له الأيام ، وأنا أحتاج للخروج من شرنقة الوحدة التي وهبني لها الشك. سرت متهادياً ، داخل الأزقة المزركشة بالرسوم. قادتني قدماي لرسمة الأم المقتولة قرب بائعة الشاي ، كنت أشعر بخنقة ، ويداي ترتجفان ، وحين تخطيت قلقي وابتسمت للحياة. كانت اللوحة تبدو لي أكثر صدقاً من أي وقت مضى ، كأنها تتنفس ... وحين استغرقت فيها مطولاً قالت لي بائعة الشاي : ” أيُّها العابرُ لا أدري ما الذي سأقوله لك ، ولكني سمعت بأن آندرو التحق بالحرب ...“
شعرت بوخزة في قلبي ، جف ريق الحياة من شفتي ، كأنني غبت عن الإدراك .. فكيف تُسرق الأحلام قبل اكتمالها ، وكيف لفنان أن يقتل ويُقتل ، لماذا نهرب عندما نجد أنفسنا عراة أمام الحقيقة ، ووسط هذا الزحام وجدت لوحة أخري ، رسمها آندرو على ما يبدو حديثاً ؛ لجسد مبتسم يحتضن لعبة عروس صغيرة وحولة تتناثر محتويات صندوق الأورنيش.
صرخت فزعاً باسمه ، أطبقتْ عليَّ اللوحات والجدران ، ضاقت الأزقة ، ناديته علّه يرد ويودعني ، لكن كيف له أن يأتي من غيابات العتمة .. بكيت كما لم أبكِ من قبل ، انهرت تماماً لحقيقة أن الحياة بلا معنى .. وفي ذهني حاصرتني اللوحات والبنادق والدم.
×××××××
” أتدرين يا أمي ،
كبرتُ ...
ولم أسمع يوماً ابتهالاتك ..
ولم تطرق مسمعي ”أحبكَ صغيري“،
وبدلاً عنك ،
احتضنتي الشوارع والأزقة ،
ففي كل مساء ،
مع الأحلام التي هي أنتِ..
كنت افتقد دفئك .
وأتمرق في حضن البرد.
وعند الصبح ،
أرسمك .. وأرسمني ، جنباً لجنب ،
علّنا نلتقي في لون ما .. .
لا شئ هنا ،
قلبي معلق علي الجدران ،
الفراغ يسد المسافة بيننا ..
إلي أين نهرب ؟!
والعيون ما عادت تحتمل ،
خذي مني البوح ودقي مسماراً آخراً علي الجسد ..
علي نعشي ،
واصلبيني علي قارعة الطريق.
قُم أيها المارد ..
ومُت في كبتك ،
وصلِ علي هذه الروح ،
صلِ صلاة الغياب.!“

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى