علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي - مطالع البدور ومنازل السرور

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب السادس والعشرون
في الحمام وما غزى مغزاه
الحمام بالتشديد واحد الحمامات المبنية وهو مذكر، قال ابن الخباز في شرح الألفية نادرة عن بعض الكتاب كتب يوماً هذه الحمام فقيل له الحمام مذكر فقال أردت حمام النساء وهذا ظريف، وحكى فيه التأنيث أيضاً وأنشد.
وإذا دخلت سمعت فيها رنة وقال ابن عمر
1f642.png
(: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، وروى عن أبى الدرداء وأبي ذر أنهما قالا: نعم البيت الحمام يطهر البدن ويذكر بالنار، وقال أبو هريرة يرفعه نعم البيت الحمام يدخله المسلم يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، وأول من دخل الحمام ووصفت له النورة سليمان بن داود عليهما السلام، فلما وجد حرها قال أواه من عذاب النار، قال الغزالي في الأحياء ومن جهة الطب قيل أن الحناء بعد النورة أمان من الجذام وقيل أن النوره في كل شهر تطفئ الحرارة وتنقى اللون وتزيد في الجماع، وقيل بولة في الحمام قائماً أنفع من شربه وغسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس، وذكر السمعاني في كتاب الحمام باسناده إلى الفضل بن الفضل الكندي قال ذكر في قوله تعالى (ونعمة كانوا فيها فاكهين) أنها الحمام وقت الضحى، وبسنده إلى يونس بن عبد الأجل أنبأها وهب قال سمعت مالكا يقول من ادخل رجلاً الحمام وجب غذاؤه شاء أو أبى وروى عن مجاهد عن على انه كان يغتسل من مس الإبط والحجامة، وعن جابر مرفوعاً نهى أن يغسل البدن بشيء يؤكل، وبسنده قال الحرث بن كلدة أربعة أشياء تهزم البدن: الغشيان على البطنة ودخول الحمام على الامتلاء وأكل القديد ومجامعة العجوز، وبسنده إلى محمد بن عبد الحكيم قال سمعت الشافعى يقول رأيت في الطب عجباً لمن يدخل الحمام قبل أن يأكل ثم يؤخر الأكل بعدما يخرج كيف يموت وعجبت لمن احتجم ثم بادر الأكل كيف يموت وذكر بعض الحكماء أن غسل الوجه بالماء البارد عقيب الخروج من الحمام يبقى طراوته مع كبر السن، قال الشيخ هبة الله أبو المكارم بن جميع الإسرائيلي الطبيب في كتاب الإرشاد.

الفصل: الخمسون في الاستحمام ومنافع الحمام ومضاره وكيفية استعماله
منافع الحمام كثيرة وذلك لموافقتها لسائر الأمزجة من الحارة والباردة والرطبة واليابسة إذا استعملت على ما ينبغي وقد أشار جالينوس إلى ذلك بقوله أن الحمام نافع في الشتاء والصيف ولمن مزاجه حار أو بارد أو رطب أو يابس وقال أيضاً: إن الحمام علاج البدن من الضدين أن أخذه حار المزاج عدله بترطيبه وأن أخذه بارد المزاج أدفأه بحرارته وهي توسع المسام وتستفرغ الفضول وتحلل الرياح وتدر البول وتحبس الطبيعة وتنظف الوسخ والعرق وتذهب الحكة والجرب والإعياء وتلين بشرة البدن وتجود الهضم وتنشط الأعضاء المتشنجة وينضج الزلات والزكام وينفع من حميات يوم ومن الدق والربع والبلغمية بعد نضجها وينفع من وجع الجنب والصدر وينضج الربو ويسمن المهزول ويهزل السمين ويرقق الدم والفضول الغلظة اللزجة بحرارته ويرطب الأبدان اليابسة الخشنة برطوبته وقد قال جالينوس أن الحمام يحلل الكيموس اللذاع ويفيد البدن والأعضاء الأصلية نداوة ورطوبة صافية كل ذلك إذا استعمل على القانون الطبي ولها أيضاً مضار وهي أنها تسهل انصباب الفضول إلى الأعضاء الضعيفة وترخى الجسد وتضعف الحرارة الغزيزية والأعضاء العصبية وتسقط الشهوة وتضعف الباءة، قال وأفضل الحمام ما كان قديم البناء كثير الضواء مرتفع السقوف واسع البيوت عذب الماء طيب الرائحة وكانت حرارته بقدر كزاج الداخل إليه وكان وقوده بما ليس له كيفية ردئة وقد أحسن الذي قال: خير الحمام ما قدم بناؤه واتسع فناؤه وعذب ماؤه وقدر الأتان وقوده بحسب مزاج من أراد وروده، وقد قسم الحمام إلى ثلاث بيوت كل بيت أسخن من الذي قبله لئلا يكون الانتقال من البرد إلى الحر أو من الحر إلى البرد فجأة: فالبيت الأول مبرد مرطب والثاني مسخن مرطب والثالث مسخن مجفف وكذلك أن يكون الانتقال في بيوتها على تدرج، قال بختيشوع إياك أن تدخل الحمام أو خرج بغتة بل البث في كل بيت هنيئة واغسل رأسك بالسدر والطخه بقليل ملح وادخل الحمام كل جمعة مرة فإنك تأمن انتشار الشعر واستعمل المشط فإنه يقوى البصر ويحدث أريحة وزهوا وأخرج إلى المسلخ متدرجاً ثم صب عليك ثوباً نظيفاً طيب الرائحة وتجنب النساء يوماً وليلة، وقال ابن جميع فأما أصحاب الأمزجة الحارة فينبغى أن يقعدوا في البيت الأول قليلاً وفي الثاني دون الأول وفي الثالث دون الثاني وأصحاب البلغم والسوداء بالضد فإن يقصد بالحمام الترطيب أطيل المقام في الحوض ويكثر من رش الماء على أرض الحمام ليكثر البخار فيترطب الهواء وليتمرخ بالدهن ليزيد في الترطيب ويكون الخروج من الحمام قبل أن تلحقه منه مشقة مثل ضعف أو غثيان أو غشى أو شذر أو دوار أو سكتة أو صرع أو ما شابهها مثل هذه الأعراض الردئة فإن كان القصد بالحمام التجفيف أطيل المقام في البيت الحار ويقتصر على هوائه دون مائه ولاستعمال الماء البارد عقيب الحار منافع عظيمة وقال جالينوس: الاغتسال بالماء البارد عقيب الحار يقوى الأعضاء حتى القوى الجوهرية التي في الأعضاء لكن ينبغي أن لا يكون استعمال الماء البارد عقيب الحار بغتة بل بتدريج يستعمل الماء أولاً ممزوجاً بالبارد ثم ينتقل بعده إلى البارد ومن قصد تسمين بدنه فيدخل الحمام بعد تناوله الطعام ومن قصد تهزيله يدخل الحمام على خلو المعدة ويطيل الليث فيه ومن قصد حفظ صحته فيدخل الحمام عند آخر الهضم بحيث أنه إذا خرج منها يكون محتاجاً إلى الغذاء ويجب أن يجتنب الجماع في الحمام والنوم والفصد والحجامة فإن ذلك خطراً بينا وكذلك ينبغي أن يجتنب في الحمام وبعده استعمال الأشياء الباردة بالفعل لأن المسام حينئذ تكون مفتوحة فلا يلبث يندفع البرد إلى جوهر الأعضاء الرئيسية فيفسد قواها وكذلك ينبغي اجتناب استعمال الأشياء الحارة الشديدة الحرارة بالفعل أيضاً وخصوصاً الماء فإن ذلك يورث السل والقوى يصلب الأعضاء ويحلل الرطوبات والمعتدل يجلب الدم إلى ظاهر الجلد وأما التمريخ بالدهن بغير ذلك فيسد المسام ويمنع ما يتحلل وبعد الماء الحار يحفظ الحرارة من التحلل ويسخن ويرطب وبعد الماء يبرد ويرطب، وقال مهذب الدين بن هبل في كتاب المختار: خير الحمام ما كان قديم البناء فإن الحمام قريب العهد بالبناء تكون حيطانه ندية فتكون أراييح صهاريجه مضرة، قال بعض الشراح لهذا الفصل الحمام الجديد البناء يتحلل من حيطانه رطوبات ممتزجة بجوهر الكلس والجص والقار ويتبخر بحرارة الحمام فيضر استنشاقها بالروح والنفس لأنها كيفيات رديئة خانقة يستصحب النفس ويهجم به على القلب فيغير قوام صحته بسبب ردأة الهواء الواصل به بهذه الكيفيات الرديئة الجوهر فأما إذا عتقت الحمام قبل تحليل الأبخرة الرديئة منها ومن حيطانها فيؤمن من الضرر الحاصل منها ومن الواجب أيضاً أن يكون الفناء متسعاً لأن أبخرة الحمام رديئة وكثيرة ومحتبسة لأنها تتحلل من أبخرة أبدان الناس ومن أنفاسهم ومن مجارى الحمام النافذة إلى فضاء الحمام فيكثر ويتراكم ويختلط بهواء الحمام فيزيده رداءة إلى رداءته المكتسبة بحرارة الحمام فإذا استنشقه الإنسان أضر بحرارته الغريزية وأنهكها بسبب خروجه لها عن الاعتدال في كمه وكيفيته أما كمه فهو كثرة الأبخرة المخالطة له وأما كيفيته فرداءات الأبخرة مع سخونة هواء الحمام فإذا كانت الحمام واسعة الفضاء تعلقت الأبخرة بأعالي الحمام وتبددت وتفرقت فتلطف الهواء المستنشق فيها فيكون أقل ضرراً من الحمام الصغير ويجب أيضاً أن تكون الحمام عالية البناء فإن ذلك معين على تقليل ضرر أبخرتها المستنشقة قال: وأما عذوبة مائها فلا تحتاج إلى تعليل لظهوره لن المياه إذا كانت عذبة طيبة ليس فيها شيء من الكيفيات الغريبة عدلت غالب الأمزجة وصححتها فإن كانت كيفية غريبة مثل أن تكون مالحة أو كبريتية أو نحاسية أو حديدية أو لها مرور على معادن رديئة الجوهر أو على منابت أشجار جبيثة أو على مطابخ وأجام مبنية كثيرة الحيوانات الرديئة كأنواع الدود والضفادع والحيات وما أشبه ذلك أخرجت المزاج عن اعتداله إلى حكم هذه الكيفيات الرديئة قال الشارح ومنافع الحمام كثيرة وأعظمها منفعة هو أنها إذا كانت معتدلة الهواء والماء فإنها تفتح مسام البدن فيسهل بذلك خروج الفضل منه ويكسبه رطوبة عذبة يصير بها البدن إلى نشاط وقوة وتفريح، وقال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا رحمه الله في كتاب سماه حفظ الصحة لم يذكر فيه سوى أحكام الأسباب الستة الضرورية لا غير وينبغي أن يكون للحمام ثلاثة بيوت بيت معتدل وهو الذي لا يحسن فيه بحر ولا برد وبيت يحس فيه بحرارة معتدلة وبيت يحس فيه بحرارة زائدة عن الثانية بشرط أن يكون النفس فيه مستقيماً غير متواتر فالبيت الأول يضر كبير مضرة والثاني والثالث فلا يمكث فيهما إلا بقدر ما يتحلل من الرطوبة ما من شأنه أن يتحلل فإن طال المكث بها أكثر من المقدار المعتدل وخصوصاً أن اقترن معه حركات قوية فإنه يوقع في الدق لاشتداد سخونة القلب أو الاستسقاء لتحلل الحار الغريزي فيبرد مزاج الاحشاء قال وينبغي أن يجتنب الحمام على الامتلاء من الطعام فإنه يولد سددا في الكبد والعروق لانجذاب المواد الغذائية غير منهضمة إلى ظاهر البدن فيكون ذلك سبباً لحدوث أنواع الحميات العفينة والإسهال الكائن بأدوار ويجتنب فيه الأشياء الباردة مثال فقاع والماء البارد لأن فيه خطراً عظيماً جداً لأن الشئ البارد السيال إذا حصل في المعدة هجم دفعة على الكبد والقلب فبرودهما وأنهك حرارتها الغريزية وأضعف الاحشاء وهيأها للاستسقاء ويجتنب فيه الجماع أيضاً فإنه يسقط القوة ويوقع في أمراض خطرة واعلم أن الحمام الحار جداً يسيل الأخلاط الجامدة إلى أعماق الأعضاء فيحدث أما سددا وأما أوراما ويصعدها إلى الدماغ ويحدث أما صداعاً شديداً أو برساما، والحمام البارد يحرك المادة التي تحركت بالعرق حركة ناقصة فتنجذب المواد إلى جهة سطح البدن فربما أحدثت شبيهاً بالورم والحكة وربما أحدث الزكام والمغص، ورش الماء البارد أو بله بعد الحمام فإنه ينعش القوة المسترخية من الكرب ومن لهيب الحميات وعند المغشى وخصوصاً بماء الورد والخل وربما صحح الشهوة وآثارها ونصر أصحاب النوازل والصداع وأما سكب الماء البارد على الرجلين فأحكامه أحكام ما تقدم في الرش على الوجه والحمام النافع على سبيل الإجمال وهو الحمام المعتدل في حره وبرده الطيب الرائحة العذب الماء والتي أضواؤه كثيرة مشرقة وفناؤه واسع وفيه تصاوير بديعة الصنعة بينة الحسن مثل عاشق معشوق ومثل رياض وبساتين وطرد خيل ووحوش فإن في تصوير مثل هذه تقوية قوية بليغة لجميع قوى البدن الحيوانية والطبيعية والنفسانية وقال الحكيم بدر الدين بن مظفر قاضي بعلبك في كتاب مفرح النفس وقد أجمع الأطباء والحكماء والألباء قاطبة على أن النظر إلى الصور الجميلة البديعة الجمال يفرح النفس وينشها ويزيل عنها الأفكار والوساوس السوداوية ويقوى القلب قوة لا مزيد عليها بسبب إزالة الأفكار الرديئة عنه ثم قالوا فإن تعذر حصول النظر إلى الصور الجميلة فليكن النظر إلى صور جميلة متقنة الصنعة مصورة في الكتب أو في الهياكل أو في القصور الشريفة وهذا المعنى قد ذكره الحكيم محمد بن زكريا الرازي رحمه الله وبالغ في ملازمة فعله لمن يجد في نفسه أفكاراً رديئة ووساوس فاسدة غير موافقة للنظام الطبيعي وقال فإن الصور الجميلة إذا جمعت إلى صورتها حسن الأصباغ المألوفة من الأصفر والأحمر والأخضر والأبيض مع ضبط نسبة المقادير في أشكالها فإنها تشفى الخلاط السوداوية وتزيل الهموم الملازمة لنفس الإنسان وتزيل الكدورة عن الأرواح لن النفس تلطف وتشرق بالنظر إلى مثل هذه الصور فيتحلل ما فيها من الكدورة قال وتفكر في الحكماء المتقدمين الذين استنبطوا الحمام في مدد من السنين كيف علموا بدقة فكرهم وصائب عقلهم إن الحمام إذا دخله الإنسان يتحلل من قواه شيء كثير فأفيضت حكمتهم أن استخرجوا بعقولهم ما يجبر ذلك سريعا فرسموا في الحمام صوراً بديعة الصنعة بأصباغ حسنة مفرحة وقسموا ذلك إلى ثلاثة أقسام ولم يجعلوه قسماً واحداً لنهم علموا أن أرواح البدن ثلاثة أصناف: حيوانية ونفسانية وطبيعية فجعلوا كل قسم من التصوير سبباً لتقوية قوة من القوى المذكورة والزيادة فيها وصوراً للقوة الحيوانية القتال والحرب وطرد الخيل واقتناص الوحوش وصوراً للقوة النفسانية العشق والتفكر في العاشق والمعشوق وتصوير معاتبة بينهما أو معانقة وما أشبه ذلك وصورا للقوة الطبيعية البساتين وصور الأشجار البهية المنظر مع كثرة تصوير الأزهار والألوان المشوقة فهذه التصاوير وأمثالها هي جزء من أجزاء الحمام الفاضل ولو سألت المصور المصير عن خصوصية أن الحمام لم لا يصور المصورون فيها إلا هذه الأقسام الثلاثة لما علم لها تعليلاً لكن بذكر هذه الصفات الثلاثة لا تعلل وسبب ذلك تقادم السنين على تعليل مبادئ الأشياء فما خلوا شيئاً سدا ولا يجعل شيء هدرا، وقال الحسن المتطبب ورأيت ببغداد في دار الملك شرف الدين هرون بن الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن محمد الجوينى حماما متقن الصنعة حسن البناء كثير الأضواء قد احتفت به الأنهار والأشجار فأدخلنى إليه سائسه وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين علي بن الفجر عيسى المنشى الأربلى وكان سائس هذه الحمام خادما حبشيا كبير السن والقدر ففرجنى في ميائه وشبابيكه وأنابيبه المتخذة بعضها من الفضة المطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض ترمى جميعها إلى بركة حسنة الإتقان ثم منها يخرج إلى البستان ثم فرجنى في خلوة نحو عشر خلوات كل خلوة صنعتها احسن من أختها ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد ففتحه ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج وفي صدر الدهليز مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة انفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانا جالسين أو نائمين ورأيت من العجيب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وخضر ومذهبة وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر فإما الأخضر فقيل أنه حجارة تأتى من الروم والمذهب فهو زجاج مليس بالذهب صوراً في غاية الحسن والحمال وهم على هيئات مختلفة في نومهم وهم بين فاعل ومفعول به إذا نظر إليهم الإنسان تتحرك شهوته قال الخادم هذا صنعوه هكذا المخدومي حتى إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على إعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً فيبادر إلى مجامعة من يحب قال وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي رأيت هي مخصوصة بهذا الفعل إذا أراد الملك هرون أن يجتمع بأحد من مماليكه أو خدمه الحسان أو جواريه أو نسائه في الحمام ما يجتمع به إلا في هذه الخلوة فإنه لما يرى كل محاسن الصور الجميلة مصورة في الحائط ومجسمة بين يديه يرى كل واحد منهما صاحبه على هذه الصفة ورأيت في صدر الخلوة حوضاً رخاماً مضلعاً وعليه مركب في صدره أنبوب من ذهب بفتح ويغلق بلولب يدار وفوقه أنبوب أخر مثله برسم الماء الحار وفوقه أنبوب آخر برسم الماء البارد والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر وعن يمين الحوض ويساره عمودان صغيران منحوتان من البلور يوضع عليهما مباخر الند والعود ورأيتها خلوة شديدة الإضاءة مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة وسألت الخادم عن هذه الحيطان المشرقة المضيئة من أي شيء صنعت فقال ما أعلم فما رأيت في عمري ولا سمعت بأحسن من هذه الخلوة ولا احسن من هذه الحمام مع أنني ما احسن أصفها كما رأيتها فإنه لم تتكرر رؤيتي لها ولا اتفق لي الظفر بصناعتها ومباشرتها وفي الذي ذكرت كفاية، انتهى كلام الحكيم بدر الدين حسن بن زفر الأربلى ومن خطه نقلت هذه الفوائد: وقال بعضهم فيه ملغزا:
ومنزل أقوام إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه
تنفس كربى إذ تنفس كربه ... ويعظم أنسى إذ يقل أنيسه
إذا ما أعرت الجوّ طرفا تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه
وقال العفيف التلمساني:
مررنا بحمام كانا نحجه ... وقد عقدت منا المآزر نحرم
فلما حللنا منه صدرا كأنما ... غدت فيه نيران الصبابة تضرم
بكت منه أجفان الأنابيب بيننا ... كإنا له اللوم وهو المتيم
وقال محاسن الشواء الحلبي:
شدوا المآزر فوق كثبان النقا ... بأنامل حلوا بها عقد التقى
وتجرّدوا فرأيت بأن معاطف ... نشروا ذوائبهم عليه فأورقا
وبدوا فأطلع كل وجه منهم ... بدرا فأضحى كل قطر مشرقا
وتضوّع الحمام مسكا عندما ... فرطوا من الاصداغ نظما معقبا
منم كل أهيف حل عقدة بنده ... وغدا بلحظ عيوننا متمنطقا
وقال جمال الدين يوسف الصوفى في مليح تركى دخل الحمام وبخ ماء ورد:
ولم أنسه لما تعرَّى ثيابه ... وجاء إلى حمامه يتخطر
ولما أفاض الماء فوق قوامه ... وفي وجهه نور من الحسن يظهر
أتانا هلالا تحته غصن فضة ... يلوح عليه لؤلؤ يتحدَّر
فقلت أظبى الترك قد فاح مسكه ... أم الورد من خديه يحمى فيقطر
دخل ابن بقى الحمام وفيه الطليطلى فقال له ابن بقى أجز:
حمامنا كزمان القيظ محترم ... وفيه للبرد برد غير ذي ضرر
فأجازه بقوله:
ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... فالغصن ينعم بين الشمس والمطر
وقال ابن رشيق:
ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... طلاب نعيم قد رضيت يبوسى
ولكن لتجرى عبرتى مطمئنة ... فأبكى ولا يدرى بذاك جليسى
أخذه صدر الدين بن الوكيل فقال:
ولم أدخل الحمام من أجل لذة ... فكيف ونار الشوق بين جوانحى
ولكنني لم يكفنى فيض مقلتى ... دخلت لأبكى من جميع جوارحى
وأنشدنى من لفظه لنفسه الشيخ الورع الزاهد الثقة شمس الدين محمد بن سمنديار الذهبي مضمناً:
لم أبغ بالحمام طيب تنعم ... أفنى البكاء دموع عيني أجمعا
فبكيت فيه أسى بجسمى كله ... حتى كان لكل عرق مدمعا
وأنشدنى سيدي ومولاي القاضي صدر الدين بن الآدمى فسح الله في أجله:
إن حمامنا التي نحن فيها ... أي ماء بها وأية نار
قد نزلنا بها على ابن عين ... وروينا عنه صحيح البخارى
كتب الشيخ صلاح الدين الصفدي في حواشي المقامات عند ذكر ابن سكرة وذكر كافاته هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن المهدي قال دخلت يوماً وخرجت وقد سرق مداسي فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول:
إليك أذم حمام ابن موسى ... وإن فاق المناطيبا وحراّ
تكاثرت اللصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوباً ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا
نادرة: اتفق أن اثنين سبحاً في نهر فلما خرجا صفع أحدهما صاحبه فقال له بعض الحاضرين أين فلوس الحمام فقال أنزلتها في القرعة.
وقال النصير الحمامى:
لي منزل معروفه ... ينهل جودا كالسحب
أقبل ذا العذر به ... واكرم الجار الجنب
ووعده السراج الوراق وتأخر فقال:
وكدّرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر من لذتها صفو مشربي


- مطالع البدور ومنازل السرور
المؤلف: علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي (المتوفى: 815هـ)
  • Like
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى