عبدالكريم كاصد - صورة مرّاكش (2017)

1- حسن البوّاب:

كلمّا مررتُ به وجدتُهُ مستغرقاً في أفكاره، أو أحلامه، أو ذكرياته، حتى أنني أحسبهُ أحياناً نائماً، فلا أدري هل أحيّيه أم أمرّ به صامتاً لئلاّ أوقظَهُ؟ غير أنّ "حسن" الصامتَ المستغرقَ في نومه أبداً.. الذاهلَ دوماً، فاجأني بحيويته وابتسامته المرحّبة وإقباله من بعيدٍ إليّ حين عدتُ إلى مرّاكش ثانية، لذلك لم أدهشْ حين عرفتُ أنه كان بحّاراً يجوب البحار، لينتهي به المطاف إلى الجلوس عند بوّابةٍ هي بوّابةُ جحيمٍ لا يغادرها أبداً، وإنْ غادرها فإلى غرفته، التي تعلوها بحيطانها الحجرية المائلة التي لا تشرف على بحرٍ ولا برّ ولعلّها بلا نفعٍ.
من يدري؟
حين قلتُ له مازحاً: سمعتُ أنك كنتَ بحّاراً، أجابني: وأجيد لغاتٍ عديدة. وحين كلمني بالروسية، تفاجأ أنني أعرف الكثير من ألفاظها.
كم يبدو هؤلاء البسطاء أرقاماً للذين يمرّون بهم. ولكن ما أرحبَ حيواتهم وما أعمقها!
ولأنّ لكلّ شيء نقيضه في الحياة مثلما لكلّ إنسان نقيضُهُ في الحياة، فإنّ نقيضَ حسن البوّاب أو البحّار هو صاحب المبنى الذي يحرسه.
ولكي يستحضرهُ حسن فإنه يستجمعُ كلَّ شطارته ليجسّده إليّ بأسوأ صورةٍ:
- بخيل لا يحمل نقوداً معه، وإن احتاج إلى الصرف، وهذا لا يحدث إلاّ نادراً، فإنّه يستدين.
ثمّ يضيف لمسة تجسيدٍ في غاية الغرابة:
- وهو لا عشيقة له.
وكأنّ من البداهة أن يكون لكلّ إنسان على وجه الأرض عشيقة.
ثمّ يستدعي هو عشقه ناسياً صاحبَ المبنى ومساوئه، متحدّثاً عن تطوافه الذي ينتهي دوماً بأعراسٍ لا تنتهي مع عشيقته الراقصة التي يهبط البرّ من أجلها حاملا إليها نقودَهُ وهداياه.
يا لك من شاطرٍ يا حسن المختفي خلف حسن البواب!
لم يعد المبنى مبنىً.
لقد غدا بوّابة لا تطلّ على جحيمٍ، وإنما على بحر، وبشرٍ، وضفافٍ، ومقامرٍ قادمٍ من مرافئ بعيدةٍ.. بعيدةٍ جدّاً، بعينين حالمتين وراحتين حاملتين هدايا، ومخاطر في البرّ كمخاطر البحر تماماً.. مخاطر لم تفضِ إلى أمانٍ، أبداً.
وكيف تفضي إلى أمانٍ، ولا نافذة هناك في غرفة حسن المسوّرة بأربعة جدرانٍ حجريةٍ!

2- صباغ الأحذية:

المكان: مقهى التجار.
شابٌّ نحيلٌ أسمر يأتي ويذهب مسرعاً، متأبطاً مقعده البلاستيكي الصغير، حاملاً فرشاة الأصباغ بيدٍ وصندوقه الخشبيّ بيدٍ وهو مسرعٌ..
مسرعٌ أبداً.
وقد يجتاز الشارع إلى الجهة الأخرى، ليعود أمام المقهى الذي يجتازه، وكأنه لم يكنْ فيه منذ قليل.
فجأةً،
يتطلّعُ في عابرٍ مسرعٍ أيضاً ليسأله بإيماءةٍ: هل يودّ أن يصبغَ حذاءه؟
لماذا سأل العابر؟
أمن ضجرٍ؟
ألا يتعب صبّاغ الأحذية هذا الشابّ الأسمر النحيل الذي ابتسم مرّة؟
لماذا ابتسم؟
ما الذي رآه؟
يستدير يمين المقهى ويذهب
يستدير يسار المقهى ويذهب
وهو بقامته الفارعة لا يهدأ.
أيّ ضجيجٍ يسكنه؟
أيّ حذاءٍ يسكنه؟
ما أشدّ شقاءَه!
ما أشدّ شقائي!
فجأة،
يضع كرسيّه على الأرض. يسار المقهى عند أوّل عمود يجاورُ المقهى، ويجلس.
ها أنا أرقبه الآن.
لماذا أرقبه؟
لماذا عاد الهدوء إليّ
وأنا أراه وهو يحدّث صبّاغَ أحذيةٍ آخر؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى