علجية عيش .. النبيّ مُحَمَّدٌ (صلعم) و حقوق الإنسان

في صحيفة المدينة وضع النبيُّ محمد (ص) آليات بناء الدّولة الإسلامية

الهجرة في مفهومها الديني و السياسي تقود إلى الحديث عن قضية حقوق الإنسان باعتباره مشروعا للحاضر و المستقبل، فالمُرَاجِعُ للتاريخ يجد أن حقوق الإنسان كمنظومة وُجِدَتْ منذ بدء البشرية و بالتالي فهي ليست غربية، إلا أن حقوق الإنسان لم تكن متجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ، ربما السبب راجع لغفلة المفكرين الإسلاميين الذين لم يدرسوا فقه الهجرة من جانبه السياسي و ربطوا الفكرة بالدين فقط، فهجرة الرسول صلّ الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة لم تكن من أجل نشر الإسلام فقط، بل كانت ضمن حقوق الإنسان في العيش في أمان و استقرار و تحقيق ذاته و توفير الآليات القوية لحمايته، فالرسول لما رأى حقوق الإنسان في مكة بدأت تُنْتَهَكُ أمام أعينه وقد كانوا أقلية أدرك الرّسول انه أمام أزمة حقيقية، لأن قِوى الكفر كانت تملك المال و السلاح، فلم يجد سبيلا لحمايته سوى اللجوء و البحث عن وسيلة لتقرير المصير، هل يمكن القول إذن أن هجرة الرسول صلعم من مكة الى المدينة كانت هروبا من الإرهاب؟ و هل يمكن القول أن الإرهاب قديم متجذر في تاريخ الإنسانية؟، أرادت قريش اغتصاب السلطة الدينية و السياسية، و بالتالي فقضية حقوق الإ نسان مرتبطة بواقع تاريخي، و هجرة الرسول من مكة الى المدينة كانت مرتبطة بمشروع على مدى بعيد جدا، في كل أبعاده الدينية، السياسية، الإجتماعية و الإقتصادية و الفكرية الثقافية.​

images

فهذه الأبعاد مرتبطة بحقوق الإنسان و روحانيته، حيث كانت بوابة للانفتاح لتأسيس الدولة الإسلامية و بناء حضارتها، فالرسال في حياته وضع في "صحيفة المدينة " شروط و آليات بناء الدولة الإسلامية ، لقد حدث في الهجرة تحوّل كبير على مرّ السنين، و هو ما لاحظته الشعوب و الأمم عندما ظهر حوار الأديان و الحضارات و الثقافات، التي كان الطرح الإسلامي فيها هو الأساس ، خاصة و الصراع السياسي من قِبل الرسول كان في داخل المجتمع، حيث رأى البعض أن قضية الهجرة فرزت فيها قضية العنف و ما أثير حولها اتهامات معاصرة للإسلام و المسلمين قبل و بعد وفاة الرسول، و قد أحدثت الكتابات جدلا عقيما حول هذه الإشكالية بحيث ذهب البعض إلى القول أنه منذ وفاة الرسول كان تاريخ العالم الإسلامي هو تاريخ العنف.

الرسول تعايش مع اليهود من منطق التحالف السياسي؟

فصحيفة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه و سلم لأهل القبائل في شبه الجزيرة العربية وما تتضمنه من مبادئ ، دار حولها جدل كبير من قبل المختصين في علم الاجتماع السياسي ، بعد أن حاول الغرب تزييف الحقائق حول فكرة الدولة الدينية و الدولة المدنية، فوقع العلماء العرب في هذه المغالطات و نقلوها إلى الشباب دون تمحيص و تدقيق، و دون محاولة لتصحيحها ،كانت هناك دعوة إلى عقد مؤتمر عالمي يحضره مسلمون، يهود و نصارى من أهل الكتاب لفتح حوار معمق يناقشون فيه هذه الوثيقة و إزالة ما طبعها من زيف، تقول دراسات أن الرسول (صلعم) أقام الدولة الإسلامية على فكرة الوفاق الوطني و الرقابة الشعبية، فكانت دولة تعاقدية، كما أرسى ثقافة العدالة بين سكان المدينة من المسلمين و النصارى و اليهود، وطبق الديمقراطية من خلال الأخذ برأي الناس (الشورى)، جاء ذلك في صحيفة المدينة التي تعتبر أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، كُتبت فور هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، كانت الغاية من الأسس الدستورية التي وضعها الرسول في صحيفة المدينة تحقيق المواطنة الفعّالة حتى يتعايش الناس مع بعضهم البعض مهما اختلفت عقيدتهم، فقد كان الرّسول يسعى إلى حماية أهل “الذمّة” من الأقليات من غير المسلمين و يساوي بينهم و بين المسلمين، بحكم أن المواطنة وحدها تجمع شتات المجتمع و تجعل منه مجتمعا متكاملا، يقول منظرون أن الرسول (صلعم) كان أول من وجّه البشرية إلى فكرة المواطنة حتى يقطع الشكوك في وحدة الأمة، فكانت أول حكومة إسلامية انطلقت من المدينة، الأساس فيها التعاقد الاجتماعي .

أرادت وثيقة المدينة من المجتمع المدني أن يرتقي إلى مستوى الأمّة التي تجمع و لا تفرق و تحيي كذلك مقومات و قيم المواطنة على أساس احترام حقوق الإنسان و الحفاظ على الأمن و السلام، مما جعلها محل اهتمام المستشرقين ، حيث قاموا بتشويه مضمونها ، ولعل الواقع المعيشي الذي تعيشه الأمة الإسلامية هو سبب تشويه المستشرقين لصحيفة المدينة ، لأنهم انطلقوا من الواقع ، فهناك من يحمّل العلماء المسلمين كل المسؤولية على ظهور ما يسمي “الإسلاموفوبيا ” بسبب خطابهم الديني الذي يرهب و لا يرغب ، و لأنهم أخلوا ببنود الصحيفة التي أسسها الرسول و تبنوا أفكارا غربية و طبقوها في نظمهم، فهذا الدكتور عبد الله طنطاوي كاتب وأديب سوري عن رابطة الوعي الإسلامي التي أسسها في حلب سنة 1955، إذ يرى أن البحث العلمي قام على قراءة نصوص الوثيقة من منظور استقرائي و استنتاجي و حوّل الحياة القبلية إلى الأمة.

فقد دارت نقاشات عديدة حول بعض المفاهيم الفقهية مثل “فقه العبارة و فقه المُعَبَّر عنه” ( أي تاريخ النص) و مفهوم “المسلم” بغية الوقوف على أسباب اختلاف المسلمين فيما بينهم و انقسامهم إلى ( سنة و شيعة و سلفية جهادية و قرآنيون و إلى مذاهب متعددة)، لدرجة ان حاول علماء الأزهر تصحيح أخطاء وقع فيها بعض الباحثين الجزائريين في دراستهم للصحيفة، و قالوا أنهم ناقشوها من منظور غربي واعتبروا صحيفة المدينة التي وضعها الرسول ( ص) لم تكن دستورا نهائيا للدولة الإسلامية، لأن النبي صلى الله عليه و سلم تعامل مع اليهود من منطق التحالف السياسي، ثم تغيرت العلاقات بناءً على تطورات تاريخية، كانت هناك دعوة إلى مؤتمر عالمي يحضره مسلمون و يهود و نصارى من أهل الكتاب لفتح حوار معمق و هو ما ذهب إليه أحد الباحثين من فلسطين وهو الأستاذ ماضي من غزة عندما تحدث في بحثه عن الدستور لتأسيس دولة إسلامية، معتمدا على ما جاء في الوثيقة التي كما قال اعتمدت على أمور أدق من الدستور و هي القضايا المتعلقة بالأسرة و مدى أهميتها في تكوين الدولة.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى